فوائد من كتاب صفة الصفوة 11
A
كان حبيب أبو محمد رقيقا من أكثر الناس بكاء. فبكى ذات ليلة كثيرا فقالت عمرة بالفارسية: لم تبكي يا أبا محمد؟فقال لها حبيب: دعيني فإني أريد أن أسلك طريقا لم أسلكه قبل.
قال حبيب: والله إن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز. ولو أن الله دعاني يوم القيامة فقال: يا حبيب فقلت: لبيك، فقال: جئني بصلاة يوم أو صوم يوم أو ركعة أو سجدة أو تسبيحة اتقيت عليها من إبليس أن يكون طعن فيها طعنة فأفسدها، ما استطعت. وقال: لا تقعدوا فراغا فإن الموت يليكم.
قال حبيب: إن من سعادة المرء إذا مات ماتت معه ذنوبه. اشترى حبيب الفارسي نفسه من ربه أربع مرات بأربعين ألف درهم. أخرج بدرة فقال: يا رب اشتريت منك نفسي بهذه. ثم أخرج بدرة أخرى فقال: إلهي إن كنت قبلت تلك فهذه شكر لها. ثم أخرج الثالثة فقال: إلهي إن كنت لم تقبل الأولى والثانية فاقبل هذه. ثم أخرج الرابعة فقال: إلهي إن كنت قبلت الثالثة فهذه شكر لها.
كان حبيب أبو محمد يأخذ متاعا من التجار يتصدق به فأخذ مرة فلم يجد شيئا يعطيهم فقال: يا رب كأنه، أي ينكسر وجهي عندهم فدخل فإذا هو بجوالق من شعر كأنه نصب من أرض البيت إلى قريب السقف مملوءا دراهم فقال: يا رب ليس أريد هذا، فأخذ حاجته وترك البقية.
قال مسلم بن إبراهيم: إن رجلا أتى حبيبا فقال: إن لي عليك ثلاثمئة درهم قال: من أين؟ قال: لي عليك ثلاثمئة درهم. قال حبيب: اذهب إلى غد. فلما كان من الليل توضأ وصلى وقال: اللهم إن كان صادقا فأد إليه وإن كان كاذبا فابتله في بدنه. قال: فجيء بالرجل من غد قد حمل وقد ضرب شقه الفالج. فقال: ما لك؟ قال: أنا الذي جئتك بالأمس، لم يكن لي عليك شيء وإنما قلت يستحيي من الناس فيعطيني. فقال له: تعود؟ قال: اللهم إن كان صادقا فألبسه العافية. فقام الرجل على الأرض كأن لم يكن به شيء.
اشترى أبو محمد حبيب طعاما في مجاعة أصابت الناس فقسمه على المساكين ثم خاط أكيسة فجعلها فإذا هي مملوءة دراهم فوزنها فإذا هي حقوقهم فدفعها إليهم. كان حبيب أبو محمد يرى يوم التروية بالبصرة ويرى يوم عرفة بعرفات.
عن حماد قال: شهدت حبيبا الفارسي يوما فجاءته امرأة فقالت: يا أبا محمد. كأنها طلبت منه شيئا. فقال لها: كم لك من العيال؟ فقالت: كذا وكذا. فقام حبيب أبو محمد إلى وضوئه فتوضأ ثم جاء إلى مصلاه فصلى بخضوع وسكون. فلما فرغ قال: يا رب إن الناس يحسنون ظنهم بي وذاك من سترك علي فلا تخلف ظنهم بي، ثم رفع حصيره فإذا بخمسين درهما فأعطاه إياها. ثم قال: يا حماد اكتم ما رأيت حياتي.
