فوائد من كتاب صفة الصفوة 11
A
قال مالك بن دينار: يا حملة القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع لامؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض، وقد ينزل الغيث من السماء إلى الأرض فيصيب الحش فيكون فيه الحبة فلا يمنعها نتن موضعها أن تهتز وتخضر وتحسن، فيا حملة القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ أين أصحاب سورة أين أصحاب سورتين؟ ماذا عملتم فيهما؟ قال: وسمعته يقول: يا هؤلاء، جهالكم كثير لولا ذلك للبست المسوح، يا هؤلاء لا تجعلوا بطونكم جربا للشيطان يوعي فيها إبليس ما شاء.
قالمالك بن دينار: من دخل بيتي فأخذ منه شيئا فهو له حلال، أما أنا فلا أحتاج إلى قفل ولا إلى مفتاح. وكان يأخذ الحصاة من المسجد ويقول: لوددت أن هذه أجزأتني في الدنيا ما عشت، لا أزيد على مصها من الطعام ولا الشراب.
قال مالك بن دينار: لقد هممت أن آمر إذا مت أن أغل فأدفع إلى ربي مغلولا كما يدفع الآبق إلى مولاه. وكان يقول: لو صلح لي أن آكل الرماد لأكلته، ولو صلح لي أن أعمد إلى بوري فأقطعه بقطعتين فأتزر بقطعة وأرتدي بقطعة لفعلت.
قال مالك بن دينار: ينطلق أحدكم فيتزوج ديباجة الحرم، يعني أجمل الناس، أو ينطلق إلى جارية قد سمنها أبوها كأنها زبدة، فيتزوجها فتأخذ بقلبه فيقول لها: أي شيء تريدين؟ فتقول: خمار خز، وأي شيء تريدين؟ فتقول كذا وكذا. قال مالك: فتمرط والله دين ذلك القارئ ويدع أن يتزوجها يتيمة ضعيفة فيكسوها فيؤجر ويدهنها فيؤجر.
عن رياح بن عمرو القيسي قال: سمعت مالك بن دينار يقول: ما من أعمال البر شيء إلا دونه عقبة فإن صبر صاحبها أفضت به إلى روح، وإن جزع رجع.
قال مالك بن دينار لرجل من أصحابه: إني لأشتهي رغيفا بلبن رائب. قال: فانطلق فجاء به قال: فجعله على الرغيف. فجعل مالك يقلبه وينظر إليه ثم قال: اشتهيتك منذ أربعين سنة فغلبتك حتى كان اليوم، وتريد أن تغلبني؟ إليك عني وأبى أن يأكله.
قال مالك بن دينار: منذ عرفت الناس لم أفرح بمدحهم. ولم أكره مذمتهم. قيل: ولم ذاك؟ قال: لأن حامدهم مفرط وذامهم مفرط. قال سلام بن أبي مطيع: دخلنا على مالك بن دينار ليلا وهو في بيت بغير سراج وفي يده رغيف يكدمه. فقلنا له: أبا يحيى ألا سراج؟ ألا شيء تضع عليه خبزك؟ فقال: دعوني فوالله إني لنادم على ما مضى.
قال مالك بن دينار: مثل قراء هذا الزمان كمثل رجل نصب فخا ونصب فيه برة فجاء عصفور فقال: ما غيبك في التراب؟ قال: التواضع. قال: لأي شيء انحنيت؟ قال: من طول العبادة. قال: فما هذه البرة المنصوبة فيك؟ قال: أعددتها للصائمين. فقال: نعم الجار أنت. فلما كان عند المغرب دنا العصفور ليأخذها فخنقه الفخ. فقال العصفور: إن كان العباد يخنقون خنقك فلا خير في العباد اليوم.
مر والي البصرة بمالك بن دينار يرفل فصاح به مالك: أقل من مشيتك هذه فهم خدمه به. فقال: دعوه، ما أراك تعرفني. فقال له مالك: ومن أعرف بك مني، أما أولك فنطفة مذرة وأما آخرك فجيفة قذرة، ثم أنت بين ذلك تحمل العذرة. فنكس الوالي رأسه ومشى.
عن مالك بن دينار أنه كان يرى يوم التروية بالبصرة ويوم عرفة بعرفات. عن مالك بن دينار قال: قدمت من سفر لي فلما صرت بالجسر قام العشار فقال لا يخرجن من السفينة ولا يقوم أحد من مكانه. فأخذت ثوبي فوضعته على عنقي ثم وثبت فإذا أنا على الأرض. فقال لي: ما أخرجك؟ قلت: ليس معي شيء. قال: اذهب. فقلت في نفسي: هكذا أمر الآخرة.
قال مالك بن دينار: عجبا لمن يعلم أن الموت مصيره والقبر مورده كيف تقر بالدنيا عينه؟ وكيف يطيب فيها عيشه؟ قال: ثم يبكي مالك حتى يسقط مغشيا عليه. عن مالك قال: إن لكل شيء لقاحا وإن الحزن لقاح العمل الصالح، إنه لا يصبر أحد على هذا الأمر إلا بحزن، فوالله ما اجتمعا في قلب عبد قط: حزن بالآخرة وفرح بالدنيا، إن أحدهما ليطرد صاحبه.
قال مالك بن دينار: إذا ذكر الصالحون فأف لي وتف. قال: مالك بن دينار: كان الأبرار يتواصون بثلاث: بسجن اللسان، وكثرة الاستغفار، والعزلة.
قال أبو الحسن البصري: دخل مالك بن دينار على رجل محبوس قد أخذ بخراج خرج عليه وقيد. فقال: يا أبا يحيى أما ترى ما أنا فيه من هذه القيود؟ فرفع مالك رأسه فإذا سلة قال: لمن هذه السلة؟ قال: لي. قال: فمر بها فلتنزل، فأنزلت فوضعت بين يديه فإذا دجاج وأخبصة فقال: هذه وضعت القيود في رجلك لا هم وقام عنه.
كان مالك بن دينار يطوف بالبصرة في الأسواق فينظر إلى أشياء يشتهيها فيرجع فيقول لنفسه: أبشري فوالله ما حرمتك ما رأيت إلا لكرامتك علي.
عن جعفرقال: سمعت مالك بن دينار يقول: إن البدن إذا سقم لا ينجع فيه طعام ولا شراب ولا نوم ولا راحة. وكذلك القلب إذا علق حب الدنيا لم ينجع فيه المواعظ. وسمعته يقول: بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك وبقدر ما تحزن للآخرة فكذلك يخرج هم الدنيا من قلبك.
جاء محمد بن واسع إلى مالك بن دينار فقال: يا أبا يحيى إن كنت من أهل الجنة فطوبى لك. فقال: ينبغي لنا إذا ذكرنا الجنة أن نخزى.
قال عبد العزيز بن سلمان العابد: انطلقت أنا وعبد الواحد بن زيد إلى مالك بن دينار فوجدناه قد قام من مجلسه فدخل منزله وأغلق عليه باب الحجرة فجلسنا ننتظره ليخرج أو لنسمع له حركة فنستأذن عليه. فجعل يترنم بشيء لم نفهمه. ثم بكى حتى جعلنا نأوي له من شدة بكائه. ثم جعل يشهق وتنفس حتى غشي عليه. قال: فقال لي عبد الواحد: انطلق ليس لنا مع هذا اليوم عمل، هذا رجل مشغول بنفسه.
قال الحارث بن سعيد: كنا عند مالك بن دينار وعندنا قارئ يقرأ: إذا زلزلت الأرض زلزالها الزلزلة آية 1 فجعل مالك ينتفض وأهل المجلس يبكون ويصرخون حتى انتهى إلى هذه الآية: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره الزلزلة الآيتان 7 و8 قال: فجعل مالك، والله، يبكي ويشهق حتى غشي عليه. فحمل بين القوم صريعا.
دخل مالك بن دينار المقابر ذات يوم فإذا رجل يدفن، فجاء حتى وقف على القبر فجعل ينظر إلى الرجل وهو يدفن فجعل يقول: مالك، غدا هكذا يصير وليس له شيء يتوسده في قبره. فلم يزل يقول: غدا مالك هكذا يصير، حتى خر مغشيا عليه في جوف القبر فحملوه فانطلقوا به إلى منزله مغشيا عليه.
قال مالك بن دينار، ورأى إنسانا يضحك، فقال: ما أحب أن قلبي فرغ لمثل هذا وأن لي ما حوت البصرة من الأموال والعقد. قال مالك: إن في بعض الكتب أن الله عز وجل يقول: إن أهون ما أنا صانع بالعالم إذا أحب الدنيا أن أخرج حلاوة ذكري من قلبه.
وقع حريق في بيت مالك بن دينار فأخذ المصحف وأخذ القطيفة فأخرجهما. فقيل له: يا أبا يحيى، البيت. فقال: ما فيه إلا السندانة ما أبالي أن يحترق. قال عبد الله بن المبارك،: وقع حريق بالبصرة فأخذ مالك بن دينار بطرف كسائه وقال هلك أصحاب الأثقال.
عن مالك بن دينار أنه كان يقول: إن الله عز وجل إذا أحب عبدا انتقصه من دنياه وكف عنه ضيعته، ويقول: لا تبرح من بين يدي قال: فهو متفرغ لخدمة ربه عز وجل، وإذا أبغض عبدا دفع في نحره شيئا من الدنيا ويقول: اعزب من بين يدي فلا أراك بين يدي فتراه معلق القلب بأرض كذا وبتجارة كذا.
مر تاجر بعشار فحبسوا عليه سفينته فجاء إلى مالك بن دينار فذكر ذلك له، قال: فقام مالك فمشى إلى العشار فلما رأوه قالوا: يا أبا يحيى ألا تبعث إلينا حاجتك؟ قال: حاجتي أن تخلوا سفينة هذا الرجل. قالوا: قد فعلنا. قال: وكان عندهم كوز يجعلون فيه ما يأخذون من الناس من الدراهم قالوا: ادع الله لنا يا أبا يحيى. قال: قولوا للكوز يدعو لكم، كيف أدعو لكم وألف يدعون عليكم؟ أترى يستجاب لواحد ولا يستجاب لألف؟
قال مالك: لو أن القوم كلفوا الصحف لأقلوا المنطق. قال مالك بن دينار: والله لو وقف ملك بباب المسجد وقال: يخرج شر من في المسجد، لبادرتكم إليه. قال مالك بن دينار: دخل علي جابر بن زيد وأنا أكتب فقال: يا مالك ما لك عمل إلا هذا؟ تنقل كتاب الله عز وجل من ورقة إلى ورقة؟ هذا والله الكسب الحلال.
قال المغيرة بن حبيب ختن مالك بن دينار يقول: قلت لنفسي: يموت مالك بن دينار وأنا معه في الدار لا أدري ما عمله؟ قال: فصليت معه العشاء الآخر ثم جئت فلبست قطيفة في أطول ما يكون من الليل. قال: وجاءه مالك فدخل فقرب رغيفه فأكل ثم قام إلى الصلاة فاستفتح، ثم أخذ بلحيته فجعل يقول: يا رب إذا جمعت الأولين والآخرين فحرم شيبة مالك بن دينار على النار. قال: فوالله ما زال كذلك حتى غلبتني عيني، ثم انتبهت فما زال كذلك حتى طلع الفجر.
قال مالك: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة، وكفى بالمرء شرا أن لا يكون صالحا ويقع بالصالحين. قال مالك خرج أهل الدنيا من الدنيا ولم يذوقوا أطيب شيء فيها. قالوا: وما هو؟ قال: معرفة الله عز وجل.
عن قطر بن حماد بن واقد قال: أنبأ أبي قال: سمعت مالك بن دينار يقول: قولوا لمن لم يكن صادقا لا يتعنى. قال جعفر: سمعت مالك بن دينار يقول: إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب كما أن البيت إذا لم يسكن خرب.
قال جعفر: سمعت مالكا يقول: اتقوا السحارة، اتقوا السحارة، فإنها تسحر قلوب العلماء. قال: وسمعته يقول: لو أعلم أن قلبي يصلح على كناسة لذهبت حتى أجلس عليها. وسمعته يقول: وددت أن الله عز وجل أذن لي يوم القيامة إذا وقفت بين يديه أن أسجد سجدة فأعلم أنه قد رضي عني، ثم يقول لي: يا مالك كن ترابا. وسمعته يقول: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما تزل القطرة عن الصفا.
قال جعفر: سمعت مالكا يقول:إنك إذا طلبت العلم لتعمل به كسرك العلم وإذا طلبته لغير العمل به لم يزدك إلا فخرا. قال: وكانت الغيوم تجيء وتذهب ولا تمطر فيقول مالك: أنتم تستبطئون وإنما أستبطئ الحجارة، إن لم تمطر حجارة فنحن بخير.
قال مالك بن دينار: لما وقعت الفتنة أتيت الحسن ثلاثة أيام أسأله: يا أبا سعيد ما تأمرني، فلا يجيبني. قال: فقلت يا أبا سعيد أتيتك ثلاثة أيام أسألك وأنت معلمي فلا تجيبني، فوالله لقد هممت أن آخذ الأرض بقدمي وأشرب من أفواه الأنهار وآكل من بقل البرية حتى يحكم الله عز وجل بين عباده. قال: فأرسل الحسن عينيه باكيا ثم قال: يا مالك ومن يطيق ما تطيق، ولكنا والله ما نطيق هذا.
قال جعفر: وكنت عند مالك بن دينار فجاء هشام بن حسان، وكان يأتيه هشام ابن حسان وسعيد بن أبي عروبة وحوشب يطلبون قلوبهم، فجاء هشام فقال: أين أبو يحيى؟قلنا: عند البقال. قال: قوموا بنا إليه. قال: فحانت منه نظرة إلى هشام فقال: يا هشام إني أعطي هذا البقال كل شهر درهما ودانقين فآخذ منه كل شهر ستين رغيفا كل ليلة رغيفين فإذا أصبتهما سخنا فهو أدمهما، يا هشام إني قرأت في زبور داود: إلهي رأيت همومي وأنت من فوق العلى، فانظر ما همومك يا هشام.
عن مالك بن دينار قال: أخذ السبع صبيا لامرأة فتصدقت بلقمة. فألقاه، فنوديت: لقمة بلقمة. عن مالك بن دينار قال: إن الله جعل الدنيا دار مفر والآخرة دار مقر فخذوا لمقركم وأخرجوا الدنيا من قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم، ففي الدنيا حييتم ولغيرها خلقتم؛ إنما مثل الدنيا كالسم أكله من لا يعرفه واجتنبه من عرفه ومثل الدنيا مثل الحية مسها لين وفي جوفها السم القاتل يحذرها ذوو العقول ويهوي إليها الصبيان بأيديهم.
عن الحارث بن نبهان قال: قدمت من مكة فأهديت إلى مالك بن دينار ركوة. قال: فكانت عنده فجئت يوما فجلست في مجلسه. فلما قضاه قال لي: يا حارث تعال خذ الركوة، فقد شغلت علي قلبي. فقلت: يا أبا يحيى إنما اشتريتها لك تتوضأ فيها وتشرب. فقال: يا حارث إني إذا دخلت المسجد جاءني الشيطان فقال لي: يا مالك إن الركوة قد سرقت فقد شغلت علي قلبي.
قال جعفر: قلنا لمالك بن دينار، ألا تدعو قارئا؟قال: إن الثكلى لا تحتاج إلى نائحة. فقلنا له ألا تستقي؟ فقال: أنتم تستبطئون المطر لكني أستبطئ الحجارة. قال جعفر: رأيت مالك بن دينار يتقنع بعباء، أو قال بكساء، ثم يقول: إله مالك، قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار فأي الدارين دار مالك وأي الرجلين مالك؟ ثم يبكي.
قال مالك بن دينار:لو استطعت أن لا أنام لم أنم مخافة أن ينزل العذاب وأنا نائم، ولو وجدت أعوانا لفرقتهم ينادون في منار الدنيا كلها يا أيها الناس النار النار. وقال: لو كان لأحد أن يتمنى لتمنيت أن يكون لي في الآخرة خص من قصب فأروى من الماء وأنجو من النار. وسمعته يقول للمغيرة بن حبيب، وكان ختنه: يا مغيرة كل أخ وجليس وصاحب لا تستفيد منه في دينك خيرا فانبذ عنك صحبته.
قال مالك بن دينار: يا إخوتاه بحق أقول لكم: لولا البول ما خرجت من المسجد. وقال: إنما العالم الذي إذا أتيته في بيته فلم تجده قص عليك بيته: رأيت حصيرة للصلاة، ومصحفه ومطهرته في جانب البيت، ترى أثر الآخرة.
قال مالك بن دينار: إن الأبرار لتغلي قلوبهم بأعمال البر، وإن الفجار تغلي قلوبهم بأعمال الفجور، والله يرى همومكم، فانظروا ما همومكم رحمكم الله. وقال: إن الصديقين إذا قرئ عليهم القرآن طربت قلوبهم إلى الآخرة. وقال: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب.
قال مالك بن دينار: إن لله تعالى عقوبات فتعاهدوهن من أنفسكم في القلوب والأبدان وضنك في المعيشة ووهن في العبادة وسخطة في الرزق. خرج سليمان بن داود عليه السلام في موكبه فمر ببلبل على غصن شوك يصفر ويضرب بذنبه فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه يقول: قد أصبت اليوم نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء.
عن فضيل بن عياض قال: رأى مالك بن دينار رجلا يسيء صلاته فقال: ما أرحمني لعياله. فقيل له: يسيء هذا صلاته وترحم عياله؟ قال: إنه كبيرهم ومنه يتعلمون. قال رجل لمالك بن دينار: يا مرائي، قال: متى عرفت اسمي؟ ما عرف اسمي غيرك.
دخل اللصوص إلى بيت مالك بن دينار فلم يجدوا في البيت شيئا فأرادوا الخروج من داره فقال مالك: ما عليكم لو صليتم ركعتين. قال حزم القطيعي: دخلنا على مالك بن دينار في مرضه الذي مات فيه وهو يكيد بنفسه فرفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لبطن ولا لفرج.
قال أبو عيسى: دخلنا على مالك بن دينار عند الموت فجعل يقول: لمثل هذا اليوم كان دؤوب أبي يحيى. لما حضر الموت مالكا قال: لولا أني أكره أن أصنع شيئا لم يصنعه أحد كان قبلي لأوصيت أهلي إذا أنا مت أن يقيدوني وأن يجمعوا يدي إلى عنقي فينطلقوا بي على تلك الحال حتى أدفن كما يصنع بالعبد الآبق. وقال غير أحمد بن محمد: فإذا سألني ربي قلت أي رب لم أرض لك نفسي طرفة عين قط.
عن حصين بن القاسم قال: قلت لعبد الواحد بن زيد ما كان سبب موت مالك بن دينار؟ قال: أنا كنت سببه، سألته عن رؤيا رأى فيها مسلم بن يسار فقصها علي فانتفضت فجعل يشهق ويضطرب حتى ظننت أن كبده قد تقطعت في جوفه ثم هدأ فحملناه إلى بيته فلم يزل مريضا يعوده إخوانه حتى مات منها. فهذا كان سبب موته.
كان هارون بن رئاب يخفي الزهد. عن سفيان بن عيينة قال: رأيت هارون بن رئاب وكأن النور على وجهه. عن ابن شوذب قال: كنت إذا رأيت هارون بن رئاب فكأنما أقلع عن البكاء.
عن أشعث بن سوار قال: دخلت على يزيد الرقاشي فقال: يا أشعث تعال نبكي على الماء البارد في يوم الظمأ. قال: وجعل يقول: سبقني العابدون وقطع بي والهفاه. وقد صام اثنتين وأربعين سنة.
عن هشام قال: قال لي ثابت البناني: ما رأيت أحدا أصبر على طول القيام والسهر من يزيد بن أبان. جوع يزيد نفسه لله عز وجل ستين عاما حتى ذبل جسمه ونهك بدنه وتغير لونه. وكان يقول: غلبني بطني فما أقدر له على حيلة.
عن أبي إسحاق الخميسي قال: كان يقول في قصصه: ويحك يا يزيد من يترضى عنك ربك؟ومن يصوم لك أو يصلي لك؟ ثم يقول: يا معشر من القبر بيته والموت موعده ألا تبكون؟ قال: فبكى حتى سقطت أشفار عينيه.
عن زهير السلولي قال: كان يزيد الرقاشي قد بكى حتى تناثرت أشفاره وأحرقت الدموع مجاريها من وجهه. عن سلمة بن سعيد قال: قالوا ليزيد الرقاشي: أما تسأم من كثرة البكاء؟ فبكى وقال: والله لوددت أن أبكي بعد الدموع الدماء وبعد الدماء الصديد.
قال يزيد بن أبان: ابك يا يزيد على نفسك قبل حين البكاء. يا يزيد من يصلي لك بعدك؟ أو من يصوم؟ يا يزيد من يضرع لك إلى ربك بعدك ومن يدعو؟ وكان يقول: يا إخوتاه ابكوا فإن لم تجدوا بكاء فارحموا كل بكاء.
قال أبو محمد علي بن الحسن: قيل لابن يزيد الرقاشي: أكان أبوك يتمثل من الشعر شيئا؟ قال: كان يتمثل: إنا لنفرح بالأيام نقـطـعـهـا وكل يوم مضى يدني من الأجل
كان الأسود بن كلثوم إذا مشى لا يجاوز بصره قدميه، فكان يمر بالنسوة، وفي الجدر يومئذ قصر، ولعل إحداهن أن تكون واضعة ثوبها أو خمارها، فإذا رأينه راعهن. ثم يقلن: كلا إنه الأسود بن كلثوم.
خرج الاسود بن كلثوم غازيا قال: إن نفسي هذه تزعم في الرخاء أنها تحب لقاءك، فإن كانت صادقة فارزقها ذلك، وإن كانت كارهة فاحملها عليه وإن كرهت، وأطعم لحمي سباعا وطيرا. فانطلق في خيل فدخلوا حائط فنذر بهم العدو فجاءوا فأخذوا بثلمة الحائط، فنزل الأسود عن فرسه فضربها حتى عادت فخرج وأتى الماء فتوضأ ثم صلى. قال: يقول العجم: هكذا استسلام العرب إذا استسلموا ثم تقدم فقاتل حتى قتل.
قال أيوب بن أبي تميمة السختياني: عن قوما يريدون أن يرتفعوا فيأبى الله إلا أن يضعهم وآخرين يريدون أن يتواضعوا ويأبى الله إلا أن يرفعهم. وقال: وكان النساك يومئذ يشمرون ثيابهم وكان أيوب لا يفعل.
قال حماد بن زيد: كنت أمشي مع أيوب فيأخذ في طرق إني لأعجب له كيف يهتدي لها فرارا من الناس أن يقال هذا أيوب. ميمون الغزال قال: كنا عند الحسن فجاء أيوب فسلم عليه فلما مضى، وكان حيث لا يسمع، قال: أنا الحسن: هذا سيد الفتيان. وفي رواية أخرى: قال الحسن: أيوب سيد شباب أهل البصرة.
قال شعبة: ربما ذهبت مع أيوب في الحاجة أمشي معه فلا يدعني، فيخرج ههنا وههنا لكي لا يفطن له. وقال شعبة: قال أيوب: ذكرت وما أحب أن أذكر.
قال الحميدي: لقي سفيان بن عيينة ستة وثمانين من التابعين، وكان يقول: ما رأيت مثل أيوب. كان أيوب يقوم الليل يخفي ذلك فإذا كان قبيل الصبح رفع صوته كأنه إنما قام تلك الساعة. قال أيوب السختياني: إذا ذكر الصالحون كنت منهم بمعزل.
قال بشر بن منصور: كنا عند أيوب فلغطنا وتكلمنا. فقال لنا أيوب: كفوا، لو أردت أن أخبركم بكل شيء تكلمت به اليوم لفعلت. عن معمر قال: كان في قميص أيوب بعض التذييل فقيل له، فقال: الشهرة اليوم في التشمير.
عن صالح بن أبي الأخضر قال: قلت لأيوب: أوصني، قال: أقل الكلام. قال ا بن بشر: إن الرجل ربما جلس إلى أيوب السختياني فيكون لما يرى منه أشد اتباعا منه لو سمع حديثه.
عن حماد بن زيد قال: لو رأيتم أيوب ثم استسقاكم شربة من ماء على النسك لما سقيتموه، له شعر وافر وشارب وافر وقميص جيد هروي يشم الأرض، وقلنسوة جيدة وطيلسان جيد ورداء عدني. قال حماد بن زيد: سمعت أيوب يقول: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون.
قال أيوب:لا ينبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان: بالعفة عما في أيدي الناس والتجاوز عما يكون منهم. آذى رجل أيوب السختياني وأصحابه أذى شديدا. فلما تفرقوا قال أيوب: إني لأرحمه أنا نفارقه وخلقه معه.
حماد قال: رأيت أيوب لا ينصرف عن سوقه إلا معه شيء يحمله لعياله حتى رأيت قارورة الدهن بيده يحملها. فقلت له في ذلك فقال: إني سمعت الحسن يقول: إن المؤمن أخذ عن الله عز وجل أدبا حسنا فإذا أوسع عليه أوسع وإذا أمسك عنه أمسك.
حماد بن زيد قال: ما رأيت رجلا قط أشد تبسما في وجوه الرجال من أيوب. قال مالك بن أنس كنا ندخل على أيوب السختياني فإذا ذكرنا له حديث رسول الله بكى حتى نرحمه. عن هشام بن حسان قال: حج أيوب السختياني أربعين حجة.
عبد الواحد بن زيد قال: كنت مع أيوب على جراء فعطشت عطشا شديدا حتى رأى ذلك في وجهي فقال: ما الذي أرى بك؟ قلت: العطش، قد خفت على نفسي: قال تستر علي؟قلت: نعم. فاستحلفني فحلفت له أن لا أخبر عنه ما دام حيا. قال: فغمز برجله على حراء فنبع الماء فشربت حتى رويت وحملت معي من الماء. قال: فما حدثت به أحدا حتى مات.
عن أبي بكر بن الفضل قال: سمعت أيوب يقول: والله ما صدق عبد إلا سره أن لا يشعر بمكانه. عن سلام بن أبي مطيع قال: قال رجل من أهل الأهواء لأيوب: ألا أكلمك بكلمة؟ قال: لا، ولا نصف كلمة.
عن هشام بن حسان عن أيوب السختياني قال: ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا زاد من الله عز وجل بعدا. قال أيوب: إنه ليبلغني موت الرجل من أهل السنة فكأنما يسقط عضو من أعضائي. كان أيوب ربما حدث بالحديث فيرق فيلتفت فيمتخط ويقول: ما أشد الزكام.
دخل بديل على أيوب السختياني، أظنه قال: يعوده وقد مد على فراشه سبنية حمراء يدفع بها الرياء، فقال له بديل: ما هذا؟ فقال أيوب: هذا خير من هذا الصوف الذي عليك. يحيى العبدي قال: سمعت حماد بن زيد يقول: كان أيوب يطلب العلم حتى مات.
عن معاذ بن زياد قال: كان يحيى بن مسلم البكاء قد اعتم بعمامة فأدارها على حلقه وجعل لها طرفين. فكان يبكي حتى يبل هذا الطرف ثم يبكي حتى يبل الطرف الآخر، ثم يحلها من رأسه ويبكي وينتحب حتى يبل العمامة بأسرها ثم يبكي وينتحب حتى يبل أردانه.
كان سليمان بن طرخان التيمي يكنى أبا المعتمر من العباد المجتهدين يصلي الغداة بوضوء العشاء الآخرة. وكان هو وابنه المعتمر يدوران بالليل في المساجد فيصليان مرة في هذا المسجد ومرة في هذا حتى يصبحا. قال يحيى يعني ابن سعيد، وذكرنا التيمي، فقال: ما جلست إلى رجل أخوف لله منه.
قال عبد الأعلى قال معتمر بن سليمان التيمي: لولا أنك من أهلي ما حدثتك عن أبي بهذا، مكث أبي أربعين سنة يصوم يوما ويفطر يوما ويصلي الصبح بوضوء العشاء وربما أحدث الوضوء من غير نوم. صلى سليمان التيمي الغداة بوضوء العتمة أربعين سنة.
عن حماد بن سلمة قال: ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله عز وجل فيها إلا وجدناه مطيعا فإن كان في ساعة صلاة وجدناه مصليا، فإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوضئا أو عائدا مريضا أو مشيعا لجنازة أو قاعدا يسبح في المسجد. قال: فكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله عز وجل.
قال المعتمر مات صاحب لي كان يطلب الحديث فجزعت عليه فرآى أبي جزعي عليه فقال: يا معتمر كان صاحبك هذا على لا سنة؟ قلت: نعم. قال: فلا تجزع عليه ولا تحزن عليه. قال معتمر بن سليمان التيمي: سقط بيت لنا كان أبي يكون فيه فضرب فسطاطا فكان فيه حتى مات. فقيل له: لو بنيته. فقال: الأمر أعجل من ذاك، غدا الموت.
مكث سليمان التيمي في قبة لبود ثلاثين سنة أو نحوا من ثلاثين. كان التيمي عامة زمانه يصلي العشاء والصبح بوضوء واحد وليس وقت صلاة إلا وهو يصلي، وكان يسبح بعد العصر إلى المغرب، ويصوم الدهر.
قال معمر، مؤذن التيمي،: صلى إلى جنبي سليمان التيمي العشاء الآخرة وسمعته يقرأ تبارك الذي بيده الملك الملك آية 1 قال: فلما أتى على هذه الآية: فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا الملك آية 27 جعل يرددها حتى خف أهل المسجد وانصرفوا. قال: فخرجت وتركته. قال: وعدت لأذان الفجر فإذا هو في مقامه. قال: فتسمعت فإذا هو لم يجزها وهو يقول: فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا.
قيل لسليمان التيمي أنت أنت من مثلك؟ قال: لا تقولوا هكذا لا أدري ما يبدو لي من ربي عز وجل؟ سمعت الله تعالى يقول: وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون الزمر آية 47. كان بين سليمان التيمي وبين رجل شيء فنازعه، فتناول الرجل سليمان فغمز بطنه فجفت يد الرجل.
قال معتمر عن أبيه: إن الرجل ليذنب الذنب فيصبح وعليه مذلته. قدح سليمان التيمي عينه قال: فنهاه الطبيب أن يمس ماء قال: فمس فرجه قال: وكان يرى الوضوء من مس الفرج. قال: فنزع القطنة عن عينه وتوضأ وأعاد القطنة على حالها. قال: فجاء الطبيب فنظر فلم ير شيئا ينكر. قال: انظر هل ترى شيئا؟ قال: ما أرى شيئا أنكره. قال: فإني قد توضأت. قال: فإن الله قد رزقك العافية.
قال المعتمر: قال لي أبي حين حضره الموت: حدثني بالرخص لعلي ألقى الله عز وجل وأنا حسن الظن به. عن رقبة قال: رأيت رب العزة في المنام فقال: وعزتي لأكرمن مثوى سليمان، يعني التيمي.
عن رقبة أنه قال: رأيت رب العزة تبارك وتعالى في النوم فقال: يا رقبة وعزتي وجلالي لأكرمن مثوى سليمان التيمي فإنه صلى أربعين سنة على ظهر العتمة. قال: فجئت إلى سليمان فحدثته فقال: أنت رأيت هذا؟ قلت: نعم، قال: لأحدثنك بمائة حديث عن رسول الله بما جئتني به من البشارة. قال: فلما كان بعد مديدة مات فرأيته مات في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأدناني وقربني وغلفني بيده وقال: هكذا أفعل بأبناء ثلاث وثمانين.
صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله. وكان خزازا يحمل معه غداءه من عندهم فيتصدق به في الطريق ويرجع عشيا فيفطر معهم.
قال داود بن أبي هند أصابني يعني الطاعون فأغمي علي فكأن اثنين أتياني فغمز أحدهما عكدة لساني وغمز الآخر أخمص قدمي فقال: أي شيء تجد؟ فقال: تسبيحا وتكبيرا وشيئا من خطو إلى المسجد وشيئا من قراءة القرآن. قال: ولم أكن أخذت القرآن حينئذ، وكنت أذهب في الحاجة فأقول: لو ذكرت الله حتى آتي حاجتي فعوفيت فأقبلت على القرآن فتعلمته.
كان عاصم بن سليمان الأحول يكنى أبا عبد الرحمن قاضيا بالمدائن في خلافة أبي جعفر، وكان على الحسبة في المكاييل والموازين بالكوفة. ربما رئي عاصم الأحول وهو صائم ثم يفطر فإذا صلى العشاء تنحى فصلى فلا يزال يصلي الفجر لا يضع جنبه.
كان يونس بن عبيد خزازا فجاء رجل يطلب ثوبا فقال لغلامه: انشر الرزمة. فنشر الغلام الرزمة وضرب بيده عليها وقال: صلى الله على محمد. ارفعه ارفعه، وأبى أن يبيعه مخافة أن يكون مدحه.
جاء رجل من أهل الشام إلى سوق الخزازين فقال مطرف: بأربعمائة. فقال يونس بن عبيد: عندنا بمائتين. فنادى مناد بالصلاة فانطلق يونس إلى بني قشير ليصلي بهم. فجاء وقد باع ابن أخيه المطرف من الشامي بأربعمائة. فقال يونس: ما هذه الدراهم؟قال: ذلك المطرف بعناه من هذا الرجل. قال يونس: يا عبد الله المطرف الذي عرضت عليك بمائتي درهم، فإن شئت فخذه وخذ مائتين، وإن شئت فدعه. قال: من أنت؟ قال: رجل من المسلمين. قال: بل أسألك بالله من أنت وما اسمك؟ قال: يونس بن عبيد. قال: فوالله إنا لنكون في نحر العدو فإذا اشتد الأمر علينا قلنا: اللهم رب يونس فرج عنا. أو شبيه هذا. فقال يونس: سبحان الله سبحان الله.
جاءت امرأة بمطرف خز إلى يونس بن عبيد فألقته إليه تعرضه عليه في السوق. فنظر إليه فقال لها: بكم؟ قالت: بستين درهما. قال: فألقاه إلى جار له: كيف تراه بعشرين ومائة؟ قال: أرى ذلك ثمنه أو نحوا من ثمنه. قال: فقال لها: اذهبي فاستأمري أهلك في بيعه بخمس وعشرين ومائة. قالت: قد أمروني أن أبيعه بستين. قال: ارجعي إليهم فاستأمريهم.
قال يونس بن عبيد: ليس شيء أعز من شيئين: درهم طيب ورجل يعمل على سنة. وقال إنما هما درهمان، درهم أمسكت عنه حتى طال لك فأخذته، ودرهم وجب لله وجل عليك فيه حق فأديته.
قال جعفر بن برقان: بلغني عن يونس بن عبيد فضل وصلاح فكتبت إليه: يا أخي بلغني عنك فضل وصلاح فأحببت أن أكتب إليك، فاكتب إلي بما أنت عليه. فكتب إلي: أتاني كتابك تسألني أن أكتب إليك بما أنا عليه، وأخبرك أني عرضت على نفسي أن تحب للناس ما تحب لها وأن تكره لهم ما تكره لها فإذا هي من ذلك بعيد ثم عرضت عليها مرة أخرى ترك ذكرهم إلا من خير فوجدت الصوم في اليوم الحار الشديد الحر بالهواجر بالبصرة أيسر عليها من ترك ذكرهم، هذا أمري يا أخي والسلام.
ما كان يونس بأكثرهم صلاة ولا صوما ولكن لا والله ما حضر حق من حقوق الله عز وجل إلا وهو متهيئ له. نظر يونس إلى قدميه عند موته فبكى فقيل له: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: قدماي لم تغبرا في سبيل الله...
قال غسان: وحدثنا سعيد بن عامر عن يونس بن عبيد قال: إنك تكاد تعرف ورع الرجل في كلامه إذا تكلم. قال يونس لا تجد شيئا من البر واحدا يتبعه البر كله غير اللسان فإنك تجد الرجل يكثر الصيام ويفطر على الحرام، ويقوم الليل ويشهد بالزور، وذكر شيئا نحو هذا، ولكن لا تجده لا يتكلم إلا بحق فيخالف ذلك علمه أبدا.
عن غسان بن المفضل قال: حدثني بعض أصحابنا من البصريين قال: جاء رجل إلى يونس بن عبيد فشكا إليه ضيقا من حاله ومعاشه واغتماما منه بذلك فقال له يونس: أيسرك ببصرك هذا الذي تبصر به مائة ألف؟ قال: لا. قال: فسمعك الذي تسمع به يسرك به مائة ألف؟ قال: لا. قال: فؤادك الذي تعقل به يسرك به مائة ألف؟ قال: لا. قال: فيداك يسرك بهما مائة ألف؟ قال: لا. فرجلاك؟ قال: فذكره نعم الله عز وجل عليه. فأقبل عليه يونس فقال: أرى لك مئتين ألوفا وأنت تشكو الحاجة.
شكا رجل إلى يونس وجعا يجده في بطنه فقال له يونس: يا عبد الله هذه دار لا توافقك، فالتمس دارا توافقك. عن جسر قال: دخلت على يونس بن عبيد فقال: منذ دخلت علينا قد مضى من آجالنا.
جاءت يونس امرأة بجبة خز فقالت له: اشترها فقال: بكم تبيعينها؟ قالت: بخمس مائة. قال: هي خير من ذلك. قالت: بستمائة. قال: هي خير من ذلك. فلم يزل يقول: هي خير من ذلك حتى بلغت ألفا وقد بذلتها بخمس مائة.
قال أمية: وكان يونس بن عبيد يشتري الابرسيم من البصرة فيبعث به إلى وكيله بالسوس. فكان وكيله يبعث إليه بالخز. فإن كتب وكيله إليه أن المتاع عندهم زائد لم يشتر منهم أبدا حتى يخبرهم أن وكيله كتب إليه أن المتاع عندهم زائد.
كان يونس إذا طلب المتاع أرسل وكيله بالسوس أن أعلم من تشتري منه أن المتاع يطلب. وكلاما ذا معناه. غلا الحرير. وقال أحدهما: بالخز في موضع كان إذا غلا هناك غلا بالبصرة. وكان يونس بن عبيد خزازا علم بذلك فاشترى من رجل متاعا بثلاثين ألفا فلما كان بعد ذلك قال لصاحبه: هل كنت قد علمت أن المتاع قد غلا بأرض كذا وكذا؟ قال: لا ولو علمت لم أبع قال: هلم هلم إلى مالي وخذ مالك. ورد عليه الثلاثين ألفا.
قال يونس بن عبيد: لو أصبت درهما حلالا من تجارة لاشتريت به برا ثم صيرته سويقا ثم سقيته المرضى. اجتمع يونس بن عبيد وعبد الله بن عون فتذاكروا الحلال. فكلاهما يقول ما أرى في بيتي درهما حلالا.
قال يونس ما أعلم شيئا أقل طيب ينفقه صاحبه في حق، أو أخ يسكن إليه في الإسلام وما يزدادان إلا قلة. عن هشام بن حسان قال: ما رأيت أحدا يطلب بالعلم وجه الله عز وجل إلا يونس بن عبيد. قال يونس بن عبيد: خصلتان إذا صلحتا من العبد صلح ما سواهما من أمره: صلاته ولسانه.
مرض يونس بن عبيد فقال أيوب السخيتاني: ما في العيش بعدك من خير. قال سكن الحرشي: جاءني يونس بن عبيد بشاة فقال: بعها وابرأ من أنها تقلب العلف وتنزع الوتد ولا تبرأ بعد ما تبيع بل قل لمن تبيع.
قال يونس بن عبيد: ما أهم رجلا كسبه إلا أهمه أين يضعه. قال يونس بن عبيد: ما لي تضيع لي الدجاجة فأجد لها وتفوتني الصلاة فلا أجد لها. قال يونس بن عبيد: ما من الناس أحد يكون لسانه منه على بال إلا رأيت ذلك صلاحا في سائر عمله.
عن يونس ابن عبيد قال: ما شبهت الدنيا إلا كرجل نائم في منامه ما يكره وما يحب، فبينما هو كذلك إذا انتبه. قال يونس بن عبيد: إني لأعرف مائة خصلة من البر ما في منها واحدة.
قال يونس بن عبيد: احفظوا عني ثلاثا مت أو عشت: لا يدخلن أحدكم على سلطان يعظه، ولا يخل بامرأة شابة وإن أقرأها القرآن، ولا يمكن سمعه من ذي الهوى.
قال بكار: ما رأيت ابن عون بمازح أحدا ولا يماري أحدا. وكان مشغولا بنفسه. وكان إذا صلى الغداة مكث مستقبلا القبلة في مجلسه يذكر الله عز وجل فإذا طلعت الشمس صلى ثم أقبل على أصحابه وما رأيته شاتما أحدا قط عبدا ولا أمة ولا دجاجة ولا شاة ولا رأيت أحدا أملك للسانه منه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما حتى مات
كان ابن عون إذا توضأ لا يعينه أحد وكان طيب الريح لين الكسوة وكان إذا خلا في منزله إنما هو صامت لا يزيد على الحمد لله ربنا وما رأيته دخل حماما قط وكان إن وصل إنسانا بشيء وصله سرا، وإن صنع شيئا صنعه سرا يكره أن يطلع عليه أحد وكان له سبع يقرؤه كل ليلة فإذا لم يقرأه بالليلة أتمه بالنهار وكان لا يحفي شاربه وكان يأخذه أخذا وسطا. عن سعيد بن عامر قال: لم تر بعينيك كوفيا ولا بصريا مثل ابن عون.
قال يحيى القطان: ما ساد ابن عون الناس أن كان أتركهم للدنيا ولكن ابن عون إنما ساد الناس بحفظ لسانه. معاذ بن معاذ قال: حدثني غير واحد من أصحاب يونس بن عبيد قال: إني لأعرف رجلا منذ عشرين سنة يتمنى أن يسلم له يوم من أيام ابن عون فلا يقدر عليه، وليس ذلك أن يسكت رجل يوما لا يتكلم، ولكن يتكلم فيسلم كنا يسلم ابن عون.
قال بكار بن محمد: صحبت ابن عون دهرا من الدهر حتى مات وأوصى إلى أبي، فما سمعته حالفا على يمين برة ولا فاجرة حتى فرق بيننا الموت. ابن مهدي قال: ما كان بالعراق أحد أعلم بالسنة من ابن عون.
قال أبو بكر بن أصرم: قيل لابن المبارك ابن عون بما ارتفع؟ قال: بالاستقامة. قال خارجة صحبت عبد الله يعني ابن عون أربعا وعشرين سنة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة.
قال روح: ما رأيت رجلا أعبد من ابن عون. قال بكار بن محمد: كان ابن عون لا يغضب وإذا أغضبه الرجل قال: بارك الله فيك. قال ابن عون: لو أن رجلا انقطع إلى هؤلاء الملوك في الدنيا لانتفع فكيف بمن ينقطع إلى من له السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟ أبو مالك بشر بن الحسن قال: نازع ابن عون رجل فقال: لولا أن يكتب علي لقلت.
قال ابن عون: كانت له حوانيت يكريها. فكان لا يكريها من المسلمين. فقيل له في ذلك فقال: إن لهذا إذا جاء رأس الشهر روعة وإني أكره أن أروع المسلم. قال هشام بن حسان: حدثني من لم تر عيناي مثله فقلت في نفسي اليوم يستبين فضل الحسن وابن سيرين. قال: فأشار بيده إلى ابن عون وهو جالس.
قال الربالي: فذكرته للخليل بن شبان فقال: سمعت عمر بن حبيب يقول: عثمان البتي يقول: ما رأت عيناي مثل ابن عون. عن ابن عون أن نادته أمه فأجابها فعلا صوته صوتها فأعتق رقبتين.
عن قرة بن خالد قال: كنا نعجب من ورع ابن سيرين فأنساناه ابن عون. قال أبو عاصم: سألت ابن عون فقلت: حدثني بهذا الحديث إن خف عليك. فقال: لا تقل: إن خف. فقلت له: لمه؟ قال: أكره أن أحدثك ولا يخف علي فيكون على خلاف ما سألت.
قال أبو بكر المروزي: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وذكر ابن عون، فقال: كان لا يكري دوره من المسلمين. قلت: لأي علة؟ قال: لئلا يروعهم. قال: وكان لابن عون جمل يستقي الماء فإذا غلام ابن عون قد ضرب الجمل فذهب بعينه فجاء الغلام وقد أرعب وظن أنهم قد شكوه. فلما رآه قد أرعب قال: اذهب فأنت حر لوجه الله عز وجل.
قال ابن عون: لن يصيب العبد حقيقة الرضا حتى يكون رضاه عند الفقر كرضاه عند الغنى، كيف تستقضي الله في أمرك ثم تسخط إن رأيت قضاءه مخالفا لهواك ولعل ما هويت من ذلك لو وفق لك فيه هلكك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك؟ ما أنصفت من نفسك ولا أصبت باب الرضا.
قدم ابن المبارك قدمة فقيل له: إلى أين تريد؟ قال: إلى البصرة. قيل له: من بقي؟ قال: ابن عون آخذ من أخلاقه، آخذ من آدابه. قال بكار: كان ابن عون في مرضه أصبر من أنت راء، ما رأيته يشكو شيئا من علته حتى مات.
قالت فارسية كانت تكون مع هشام بن حسان أبو عبد الله القردوسي من الأزد في الدار قالت: الليل كله يبكي.
كان عمران القصير يقول لجلسائه: ألا حر كريم يصبر أياما قلائل؟ قالت أمينة بنت عمران من أبيها، وكان قد عاهد الله أن لا ينام بليل أبدا إلا مستغلبا، قالت: قال إني حببت إلي طاعة الله تعالى طول الحياة ولولا الركوع والسجود وقراءة القرآن ما باليت أن لا أعيش في الدنيا فواقا. قالت: فلم يزل مجهودا على ذلك حتى مات رحمه الله. قالت: فرأيته في منامي قالت: فقلت: يا أبت كيف حالك منذ فارقتنا؟قال: خير حال بؤئنا المنال ومهدت لنا المضاجع ونحن ها هنا يغدى ويراح برزقنا من الجنة. قالت: فقلت: فما الذي بلغك هذا؟ قال: الصبر الصالح وكثرة التلاوة لكتاب الله تعالى.
كان كهمس يصلي ألف ركعة في اليوم والليلة فإذا مل قال لنفسه: قومي يا مأوى كل سوء فوالله ما رضيتك لله ساعة قط. كان كهمس يعمل في الجص كل يوم بدانقين، فإذا أمسى اشترى به فاكهة فأتى بها إلى أمه.
اشترى كهمس دقيقا بدرهم فأكل منه، فلما طال عليه كاله فإذا هو كما وضعه فجعل بعد لا يأخذ منه شيئا إلا نقص حتى فني. قال كهمس: كان لي جار يشتري هذا التمر والرطب ويسأل لي عن الحوائط فمذ مات تركت التمر.
خرج يوما كهمس ومعه دينار فسقط منه وطلبه فوجده. قال: فتركه وقال: لعل هذا الدينار غير ذاك الدينار، وأكل ذات يوم سمكا فأخذ من حائط جاره طينا فغسل به يده فقال: أنا اليوم منذ أربعين سنة أبكي على ذاك الطين لم أخذته بغير علمه.
قال عمارة بن زازان: قال لي كهمس بن الحسن: يا أبا سلمة أذنبت ذنبا وأنا أبكي عليه أربعين سنة. قلت وما هو يا أبا عبد الله؟ قال: زارني أخ لي فاشتريت له سمكا بدانق فلما أكل قمت إلى حائط جار لي فأخذت منه قطعة طين فغسل بها يده، فأنا أبكي عليه منذ أربعين سنة.
كان كهمس يقول في جوف الليل: أتراك معذبي وأنت قرة عيني يا حبيب قلباه؟ أحمد بن الفتح قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: كان كهمس يصلي حتى يغشى عليه. قال إسحاق دخلنا على كهمس فقرب إلينا إحدى عشرة بسرة حمراء وقال: هذا الجهد من أخيكم والله المستعان. وكان مشغولا بخدمة أمه مع تعبده، فلما ماتت خرج إلى مكة فأقام إلى أن مات هناك.
كان حبيب أبو محمد مجاب الدعوة حضر مجلس الحسن فتأثر بموعظته فخرج عما كان يملك. كان الحسن يجلس في مجلسه الذي يذكر فيه في كل يوم، وكان حبيب أبو محمد يجلس في مجلسه الذي يأتيه فيه أهل الدنيا والتجار وهو غافل عما فيه الحسن لا يلتفت إلى شيء من مقالته. إلى أن التفت إليه يوما فذكره الحسن بالجنة وخوفه من النار فانصرف من عنده فلم يزل في تبديد ماله حتى لم يبق له شيء ثم جعل بعد يستقرض على الله.
قال يونس: وجاء رجل إلى أبي محمد فشكا إليه دينا عليه فقال: اذهب فاستقرض وأنا أضمن. فأتى رجلا فأقرضه خمس مائة درهم وضمنها أبو محمد. ثم جاء الرجل فقال: يا أبا محمد دراهمي، فقد أضر بي حبسها. فقال: نعم غدا. فتوضأ أبو محمد ودخل المسجد ودعا الله تعالى. وجاء الرجل فقال له: اذهب فإن وجدت في المسجد شيئا فخذه. فذهب فإذا في المسجد صروة فيها خمس مائة درهم فذهب فوجدها تزيد على خمس مائة فرجع إليه فقال: يا أبا محمد تلك الدراهم تزيد. فقال اذهب فهي لك، من وزنها وزنها راجحة.
عن جعفر بن سليمان قال: سمعت حبيبا يقول: أتانا سائل وقد عجنت عمرة وذهبت تجيء بنار تخبزه فقلت للسائل: خذ العجين فاحتمله. فجاءت عمرة فقالت: أين العجين؟ فقلت: ذهبوا به يخبزونه. قال: فلما أكثرت علي أخبرتها فقالت: سبحان الله لا بد لنا من شيء نأكله قال: فإذا رجل قد جاء بجفنة عظيمة مملوءة خبزا ولحما. فقالت عمرة: ما أسرع ما ردوه عليك قد خبزوه وجعلوا معه لحما.
