5. فوائد من كتاب أدب الدنيا والدين للماوردي
A
لما كان العقل دالا على أسباب ما تدعو إليه الحاجة، جعل الله تعالى الادراك والظفر موقوفا على ما قسم وقدر كي لا يعتمدوا في الارزاق على عقولهم، وفي العجز على فطنهم، لتدوم له الرغبة والرهبة، ويظهر منه الغنى والقدرة.
ذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب فقال رضي الله عنه: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها.
حكى مقاتل أن إبراهيم الخليل - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - قال: يا رب حتى متى أتردد في طلب الدنيا؟ فقيل له: أمسك عن هذا فليس طلب المعاش من طلب الدنيا.
قال سفيان الثوري - رحمة الله عليه -: مكتوب في التوراة: إذا كان في البيت بر فتعبد وإذا لم يكن فاطلب، يا ابن آدم حرك يدك يسبب لك رزقك.
قال محمود الوراق: لا تتبع الدنيا وأيامها ذما وإن دارت بك الدائره من شرف الدنيا ومن فضلها أن بها تستدرك الاخره فإذا قد لزم بما بيناه النظر في أمور الدنيا فوجب ستر أحوالها، والكشف عن جهة انتظامها واختلالها، لنعلم أسباب صلاحها وفسادها، ومواد عمرانها وخرابها، لتنتفي عن أهلها شبه الحيرة، وتنجلي لهم أسباب الخيرة، فيقصدوا الامور من أبوابها، ويعتمدوا صلاح قواعدها وأسبابها.
اعلم أن صلاح الدنيا معتبر من وجهين: أولهما ما ينتظم به أمور جملتها. والثاني: ما يصلح به حال كل واحد من أهلها. فهما شيئان لا صلاح لأحدهما الا بصاحبه؛ لأن من صلحت حاله مع فساد الدنيا واختلال أمورها لن يعدم أن يتعدى إليه فسادها، ويقدح فيه اختلالها؛ لأن منها ما يستمد، ولها يستعد. ومن فسدت حاله مع صلاح الدنيا وانتظام أمورها لم يجد لصلاحها لذة، ولا لاستقامتها أثرا؛ لأن الانسان دنيا نفسه، فليس يرى الصلاح الا إذا صلحت له ولا يجد الفساد الا إذا فسدت عليه؛ لأن نفسه أخص وحاله أمس. فصار نظره إلى ما يخصه مصروفا، وفكره على ما يمسه موقوفا.
اعلم أن الدنيا لم تكن قط لجميع أهلها مسعدة، ولا عن كافة ذويها معرضة؛ لأن إعراضها عن جميعهم عطب وإسعادها لكافتهم فساد لائتلافهم بالاختلاف والتباين، واتفاقهم بالمساعدة والتعاون. فإذا تساوى جميعهم لم يجد أحدهم إلى الاستعانة بغيره سبيلا، وبهم من الحاجة والعجز ما وصفنا، فيذهبوا ضيعة ويهلكوا عجزا. وإذا تباينوا واختلفوا صاروا مؤتلفين بالمعونة متواصلين بالحاجة؛ لأن ذا الحاجة وصول، والمحتاج إليه موصول.
قال الله تعالى: {ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذلك خلقهم} قال الحسن: مختلفين في الرزق فهذا غني وهذا فقير، ولذلك خلقهم يعني للاختلاف بالغنى والفقر.
قال الله تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق}. غير أن الدنيا إذا صلحت كان إسعادها موفورا، وإعراضها ميسورا. الا أنها إذا منحت هنت وأودعت وإذا استردت رفقت وأبقت. وإذا فسدت الدنيا كان إسعادها مكرا، وإعراضها غدرا؛ لأنها إذا منحت كدت وأتعبت، وإذا استردت استأصلت وأجحفت. ومع هذا فصلاح الدنيا مصلح لسائر أهلها لوفور أماناتهم، وظهور دياناتهم. وفسادها مفسد لسائر أهلها لقلة أماناتهم، وضعف دياناتهم.
قال بعض البلغاء: السلطان في نفسه إمام متبوع، وفي سيرته دين مشروع، فإن ظلم لم يعدل أحد في حكم، وإن عدل لم يجسر أحد على ظلم.
قال بعض الادباء: إن أقرب الدعوات من الاجابة دعوة السلطان الصالح، وأولى الحسنات بالاجر والثواب أمره ونهيه في وجوه المصالح. فهذه آثار السلطان في أحوال الدنيا وما ينتظم به أمورها.
إن الذي يلزم سلطان الامة من أمورها سبعة أشياء: أحدها: حفظ الدين من تبديل فيه، والحث على العمل به من غير إهمال له. والثاني: حراسة البيضة والذب عن الامة من عدو في الدين أو باغي نفس أو مال. والثالث: عمارة البلدان باعتماد مصالحها، وتهذيب سبلها ومسالكها. والرابع: تقدير ما يتولاه من الاموال بسنن الدين من غير تحريف في أخذها وإعطائها. والخامس: معاناة المظالم والاحكام بالتسوية بين أهلها واعتماد النصفة في فصلها. والسادس: إقامة الحدود على مستحقها من غير تجاوز فيها، ولا تقصير عنها. والسابع: اختيار خلفائه في الامور أن يكونوا من أهل الكفاية فيها، والامانة عليها.
كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إن الله تعالى إذا أحب عبدا حببه إلى خلقه، فاعرف منزلتك من الله تعالى بمنزلتك من الناس، واعلم أن ما لك عند الله مثل ما لله عندك. فكان هذا موضحا لمعنى ما ذكرنا. وأصل هذا أن خشية الله تبعث على طاعته في خلقه، وطاعته في خلقه تبعث على محبته، فلذلك كانت محبتهم دليلا على خيره وخشيته، وبغضهم دليلا على شره وقلة مراقبته.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبعض خلفائه: أوصيك أن تخشى الله في الناس، ولا تخشى الناس في الله.
قال عمر بن عبد العزيز لبعض جلسائه: إني أخاف الله فيما تقلدت فقال له: لست أخاف عليك أن تخاف الله وإنما أخاف عليك أن لا تخاف الله. وهذا واضح؛ لأن الخائف من الله تعالى مأمون.
روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لأبي مريم السلولي، وكان هو الذي قتل أخاه زيدا: والله إني لا أحبك حتى تحب الارض الدم قال: أفيمنعني ذلك حقا؟ قال: لا قال: فلا ضير، إنما يأسى على الحب النساء.
روى عبد الرحمن بن محمد قال: أصدق طلحة بن عبد الله أم كلثوم بنت أبي بكر مائة ألف درهم، وهو أول من أصدق هذا القدر، فمر بالمال على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ما هذا؟ قالوا: صداق أم كلثوم ابنة أبي بكر فقال: أدخلوه بيت المال. فأخبر بذلك طلحة وقيل له: كلمه في ذلك. فقال: ما أنا بفاعل، لئن كان عمر يرى له فيه حقا لا يرده لكلامي، وإن كان لا يرى فيه حقا ليردنه. قال: فلما أصبح عمر أمر بالمال فدفع إلى أم كلثوم.
ليس شيء أسرع في خراب الارض ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور؛ لأنه ليس يقف على حد ولا ينتهي إلى غاية، ولكل جزء منه قسط من الفساد حتى يستكمل.
حكي أن الاسكندر قال لحكماء الهند، وقد رأى قلة الشرائع بها: لم صارت سنن بلادكم قليلة؟ قالوا: لإعطائنا الحق من أنفسنا، ولعدل ملوكنا فينا. فقال لهم: أيما أفضل، العدل أو الشجاعة؟ قالوا: إذا استعمل العدل أغنى عن الشجاعة.
قال بعض البلغاء: إن العدل ميزان الله الذي وضعه للخلق، ونصبه للحق، فلا تخالفه في ميزانه، ولا تعارضه في سلطانه، واستعن على العدل بخلتين: قلة الطمع، وكثرة الورع. فإذا كان العدل من إحدى قواعد الدنيا التي لا انتظام لها الا به، ولا صلاح فيها الا معه، وجب أن نبدأ بعدل الانسان في نفسه، ثم بعدله في غيره. فأما عدله في نفسه فيكون بحملها على المصالح، وكفها عن القبائح، ثم بالوقوف في أحوالها على أعدل الامرين من تجاوز أو تقصير. فإن التجاوز فيها جور، والتقصير فيها ظلم. ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم، ومن جار عليها فهو على غيره أجور.
عوتب أنوشروان على ترك عقاب المذنبين فقال: هم المرضى ونحن الاطباء فإذا لم نداوهم بالعفو فمن لهم.
قال بعض الحكماء: إن الله تعالى لا يرضى عن خلقه الا بتأدية حقه، وحقه شكر النعمة، ونصح الامة، وحسن الصنيعة، ولزوم الشريعة.
قالت الحكماء: الفضائل هيئات متوسطة بين خلتين ناقصتين، وأفعال الخير تتوسط بين رذيلتين. فالحكمة واسطة بين الشر والجهالة. والشجاعة واسطة بين التقحم والجبن. والعفة واسطة بين الشره وضعف الشهوة. والسكينة واسطة بين السخط وضعف الغضب. والغيرة واسطة بين الحسد وسوء العادة. والظرف واسطة بين الخلاعة والعرامة. والتواضع واسطة بين الكبر ودناءة النفس. والسخاء واسطة بين التبذير والتقتير. والحلم واسطة بين إفراط الغضب وعدمه. والمودة واسطة بين الخلابة وحسن الخلق. والحياء واسطة بين القحة والحقد. والوقار واسطة بين الهزء والسخافة. وإذا كان ما خرج عن الاعتدال إلى ما ليس باعتدال خروجا عن العدل إلى ما ليس بعدل، فالاولى اجتنابه والوقوف مع الاوسط.
قال بعض البلغاء: البلد السوء يجمع السفل ويورث العلل، والولد السوء يشين السلف ويهدم الشرف، والجار السوء يفشي السر ويهتك الستر.
قال بعض الحكماء، الامن أهنأ عيش، والعدل أقوى جيش؛ لأن الخوف يقبض الناس عن مصالحهم، ويحجزهم عن تصرفهم، ويكفهم عن أسباب المواد التي بها قوام أودهم وانتظام جملتهم؛ لأن الامن من نتائج العدل، والجور من نتائج ما ليس بعدل.
كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الاشعري: لا تستقضين الا ذا حسب ومال، فإن ذا الحسب يخاف العواقب وذا المال لا يرغب في مال غيره.
قال بعض السلف: إني وجدت خير الدنيا والاخرة في التقى والغنى، وشر الدنيا والاخرة في الفجور والفقر.
ما يصلح به حال الانسان فيها فثلاثة أشياء، هي قواعد أمره ونظام حاله، وهي: نفس مطيعة إلى رشدها منتهية عن غيها، وألفة جامعة تنعطف القلوب عليها ويندفع المكروه بها، ومادة كافية تسكن نفس الانسان إليها ويستقيم أوده بها.
قال محمد بن علي رضي الله عنه إن الله تعالى رضي الاباء للأبناء فحذرهم فتنتهم ولم يوصهم بهم، ولم يرض الابناء للآباء فأوصاهم بهم. وإن شر الابناء من دعاه التقصير إلى العقوق، وشر الاباء من دعاه البر إلى الافراط. والامهات أكثر إشفاقا وأوفر حبا لما باشرن من الولادة وعانين من التربية فإنهن أرق قلوبا وألين نفوسا. وبحسب ذلك وجب أن يكون التعطف عليهن أوفر جزاء لفعلهن، وكفاء لحقهن، وإن كان الله تعالى قد أشرك بينهما في البر وجمع بينهما في الوصية، فقال تعالى: {ووصينا الانسان بوالديه حسنا}.
بشر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمولود فقال: ريحانة أشمها ثم هو عن قريب ولد بار أو عدو ضار.
قال بعض الحكماء: إياك ومخالطة النساء فإن لحظ المرأة سهم، ولفظها سم. رأى بعض الحكماء صيادا يكلم امرأة فقال: يا صياد، احذر أن تصاد.
خطب رجل من عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يتيمة كانت عنده فقال: لا أرضاها لك. قال: ولم وفي دارك نشأت؟ قال: إنها تتشرف. قال: لا أبالي. فقال: الان لا أرضاك لها.
روي أن أكثم بن صيفي قال لولده: يا بني لا يحملنكم جمال النساء عن صراحة النسب، فإن المناكح الكريمة مدرجة للشرف.
قال أبو الاسود الدؤلي لبنيه: قد أحسنت إليكم صغارا وكبارا وقبل أن تولدوا. قالوا: وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد؟ قال: اخترت لكم من الامهات من لا تسبون بها.
قال شيخ من بني سليم لابنه: يا بني إياك والرقوب الغضوب القطوب. الرقوب التي تراقبه أن يموت فتأخذ ماله.
أَوْصَى بَعْضُ الاعْرَابِ ابْنَهُ فِي التَّزَوُّجِ فَقَالَ: إيَّاكَ وَالْحَنَّانَةَ وَالْمَنَّانَةَ وَالانَّانَةَ. فَالْحَنَّانَةُ الَّتِي تَحِنُّ لِزَوْجٍ كَانَ لَهَا، وَالْمَنَّانَةُ الَّتِي تَمُنُّ عَلَى زَوْجِهَا بِمَالِهَا، وَالانَّانَةُ الَّتِي تَئِنُّ كَسَلًا وَتَمَارُضًا.
قَالَ أَوْفَى بْنُ دَلْهَمٍ: النِّسَاءُ أَرْبَعٌ: فَمِنْهُنَّ مَقْمَعٌ لَهَا سِنُّهَا أَجْمَعُ، وَمِنْهُنَّ مَمْنَعٌ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَمِنْهُنَّ مِصْدَعٌ تُفَرِّقُ وَلاَ تَجْمَعُ، وَمِنْهُنَّ غَيْثٌ وَقَعَ بِبَلَدٍ فَأَمْرَعَ.
كَانَتْ حُكَمَاءُ الْمُتَقَدِّمِينَ يَرَوْنَ أَنَّ أَنْجَبَ الاوْلاَدِ خَلْقًا وَخُلُقًا مَنْ كَانَتْ سِنُّ أُمِّهِ بَيْنَ الْعِشْرِينَ وَالثَّلاَثِينَ وَسِنُّ أَبِيهِ مَا بَيْنَ الثَّلاَثِينَ وَالْخَمْسِينَ.
قَالَ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ: إنَّ أَعْجَزَ النَّاسِ مَنْ قَصَّرَ فِي طَلَبِ الاخْوَانِ، وَأَعْجَزَ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ.
قَالَ عَلِيٌّ رضى الله عنه لِابْنِهِ الْحَسَنِ: يَا بُنَيَّ الْغَرِيبُ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَبِيبٌ.
قِيلَ: إنَّمَا سُمِّيَ الصَّدِيقُ صَدِيقًا لِصِدْقِهِ، وَالْعَدُوُّ عَدُوًّا لِعَدْوِهِ عَلَيْك.
قَالَ ثَعْلَبٌ: إنَّمَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا؛ لِأَنَّ مَحَبَّتَهُ تَتَخَلَّلُ الْقَلْبَ فَلاَ تَدَعُ فِيهِ خَلَلًا الا مَلاَتْهُ.
الْمُؤَاخَاةُ فِي النَّاسِ قَدْ تَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أُخُوَّةٌ مُكْتَسَبَةٌ بِالاتِّفَاقِ الْجَارِي مَجْرَى الاضْطِرَارِ. وَالثَّانِيَةُ: مُكْتَسَبَةٌ بِالْقَصْدِ وَالاخْتِيَارِ. فَأَمَّا الْمُكْتَسَبَةُ بِالاتِّفَاقِ فَهِيَ أَوْكَدُ حَالا؛ لِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ عَنْ أَسْبَابٍ تَعُودُ إلَيْهَا. وَالْمُكْتَسَبَةُ بِالْقَصْدِ تُعْقَدُ لَهَا أَسْبَابٌ تَنْقَادُ إلَيْهَا. وَمَا كَانَ جَارِيًا بِالطَّبْعِ فَهُوَ أَلْزَمُ مِمَّا هُوَ حَادِثٌ بِالْقَصْدِ.
قَالَ الْكِنْدِيُّ: الصَّدِيقُ إنْسَانٌ هُوَ أَنْتَ الا أَنَّهُ غَيْرُك. وَمِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه حِينَ أَقْطَعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَرْضًا وَكَتَبَ لَهُ بِهَا كِتَابًا، وَأَشْهَدَ فِيهِ نَاسًا مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رضي الله عنه فَأَتَى طَلْحَةُ بِكِتَابِهِ إلَى عُمَرَ لِيَخْتِمَهُ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ، فَرَجَعَ طَلْحَةُ مُغْضَبًا إلَى أَبِي بَكْرٍ، رضي الله عنه وَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَدْرِي أَنْتَ الْخَلِيفَةُ أَمْ عُمَرُ؟ فَقَالَ: بَلْ عُمَرُ، لَكِنَّهُ أَنَا.
قَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ رحمه الله: وَاعْلَمْ بِأَنَّ النَّاسَ مِنْ طِينَةٍ يَصْدُقُ فِي الثَّلْبِ لَهَا الثَّالِبُ لَوْلاَ عِلاَجُ النَّاسِ أَخْلاَقَهُمْ إذَنْ لَفَاحَ الْحَمَأُ اللاَزِبُ وَأَمَّا الْفَاقَةُ فَهِيَ أَنْ يَفْتَقِرَ الانْسَانُ؛ لِوَحْشَةِ انْفِرَادِهِ وَمَهَانَةِ وَحْدَتِهِ، إلَى اصْطِفَاءِ مَنْ يَأْنِسُ بِمُوَاخَاتِهِ وَيَثِقُ بِنُصْرَتِهِ وَمُوَالاتِهِ.
قَالَتْ الْحُكَمَاءُ: مَنْ لَمْ يَرْغَبْ بِثَلاَثٍ بُلِيَ بِسِتٍّ: مَنْ لَمْ يَرْغَبْ فِي الاخْوَانِ بُلِيَ بِالْعَدَاوَةِ وَالْخِذْلاَنِ، وَمَنْ لَمْ يَرْغَبْ فِي السَّلاَمَةِ بُلِيَ بِالشَّدَائِدِ وَالامْتِهَانِ، وَمِنْ لَمْ يَرْغَبْ فِي الْمَعْرُوفِ بُلِيَ بِالنَّدَامَةِ وَالْخُسْرَانِ.
قَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ: الْقَرِيبُ بِعَدَاوَتِهِ بَعِيدٌ، وَالْبَعِيدُ بِمَوَدَّتِهِ قَرِيبٌ.
قَالَتْ الْحُكَمَاءُ: اعْرِفْ الرَّجُلَ مِنْ فِعْلِهِ لاَ مِنْ كَلاَمِهِ، وَاعْرِفْ مَحَبَّتَهُ مِنْ عَيْنِهِ لاَ مِنْ لِسَانِهِ.
قَالَ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ: إنَّمَا أَنْفَقْت عَلَى إخْوَانِي؛ لِأَنِّي لَمْ أَسْتَعْمِلْ مَعَهُمْ النِّفَاقَ وَلاَ قَصَّرْت بِهِمْ عَنْ الاسْتِحْقَاقِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: مَا مِنْ شَيْءٍ أَدَلُّ عَلَى شَيْءٍ وَلاَ الدُّخَانِ عَلَى النَّارِ مِنْ الصَّاحِبِ عَلَى الصَّاحِبِ.
قَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مُصَارَمَةٌ قَبْلَ اخْتِبَارٍ، أَفْضَلُ مِنْ مُؤَاخَاةٍ عَلَى اغْتِرَارٍ. وَقَالَ بَعْضُ الادَبَاءِ: لاَ تَثِقْ بِالصِّدِّيقِ قَبْلَ الْخِبْرَةِ، وَلاَ نَفْعَ بِالْعَدْوِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ.
