1. فوائد من كتاب بهجة المجالس
A
عن عمر رضي الله عنه قال: إن مما يصفّي وداد أخيك، أن تبدأه بالسّلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحبّ الأسماء إليه، وأن توسّع له في المجلس.
قال أيّوب الأنصاريّ:من أراد أن يكثر علمه، فليجالس غير عشيرته. روى سفيان بن عيينة، عن مالك بن معن،قال: قال عيسى صلى الله عليه وسلّم: جالسوا من تذكركم بالله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغّبكم في الآخرة عمله.
قال المدائني:أوصى يحيى بن خالد ابنه، فقال: يا بنيّ إذا حدّثك جليسك حديثاً، فأقبل عليه وأصغ إليه، ولا تقل قد سمعته وإن كنت أحفظ له، وكأنك لم تسمعه إلاّ منه، فإنّ ذلك يكسبك المحبة والميل إليك.
قال سعيد بن العاص:لجليسي عليّ ثلاث خصال:إذا دنا رحّبت به،وإذا جلس وسّعت له وإذا حدث أقبلت عليه.
قال المبرِّد: الاستماع بالعين، فإذا رأيت عين من تحدّثه ناظرةً إليك فاعلم أنه يحسن الاستماع. وقد روينا هذا القول عن سهل بن عبادة.
قال ابن وهب:سمعت مالكاً يقول: إذا الرجل عند رجلٍ جالساً، فجاءه طالب حاجةٍ، فسكت عن عونه فقد أعان عليه.
قال عمرو بن العاص: لا أملُّ جليسي ما فهم عنّي،وإنما الملال لدناءة الرّجال. قال:الشّعبيّ في قومٍ ذكرهم: ما رأيت مثلهم أشدّ تنابذاً في مجلس، ولا أحسن فهماً من محدِّث.
قال الأحنف بن قيس:لو جلس إليّ مائةٌ لأحببت أن ألتمس رضى كلّ واحدٍ منهم. قال عبد الله بن عبّاس: أعز الناس عليّ جليسي الذي يتخطّى النّاس إليّ، أما والله إنّ الذّباب يقع عليه فيشقّ عليّ.قال كشاجم: وجليسٍ لي أخي ثقةٍ كأن حديثه خـبـره يسرّك حسن ظاهره وتحمد منه محتضره ويستر عيب صاحبـه ويستر أنّه سـتـره
قال ابن عبّاس رضي الله عنه: إنّي لأكره أن يطأ الرجل بساطي ثلاثاً فلا يرى عليه أثرى. وعنه أيضاً رضي الله عنه أنه سئل: من أكرم الناس عليك؟ قال: جليسي حتّى يفارقني.
قال معاوية لعرابة الأوسي:بأيّ شيءٍ استحققت أن يقول فيك الشّماّخ: رأيت عرابة الأوسيّ يسمـو إلى الخيرات منقطع القرين إذا ما رايةٌ رفعت لمـجـدٍ تلقاّها عـرابة بـالـيمـين فقال:عرابة: سماع هذا من غيري أولى بك وبي يا أمير المؤمنين،فقال: عزمت عليك لتخبرنّي.فقال: بإكرامي جليسي، ومحاماتي على صديقي. فقال معاوية: لقد استحققت.
قال عليّ بن الحسين: ما جلس إليّ أحدٌ قط، إلاّ عرفت له فضله حتى يقوم. قال أبو عبادة: ما جلس رجل بين يديّ، إلا مثّل لي أني جالس بين يديه.
قال بعض الحكماء: رجلان ظالمان يأخذان غير حقّهما، رجلٌ وسّع له في مجلس ضيّق فتربّع وتفتح، ورجلٌ أهديت إليه نصيحةٌ فجعلها ذنباً. قال مسعر بن كدام: رحم الله من أهدى إلىّ عيوبي في ستر بيني وبينه، فإن النصيحة في الملأ تقريع.
قال الأحنف: لأن أدعى من بعدٍ أحبّ إليّ من أن أقصى عن قرب. وعنه أيضاً أنه قال: ما جلست مجلساً قطّ، أخاف أن أقام منه لغيري.
جلس رجل إلى الحسن بن عليّ رضي الله عنه، فقال: جلست إلينا على حين قيام، أفتأذن؟! كان يقال:إياك وكلُّ جليسٍ لا تصيب منه خيراً. عن معاذ بن جبل، أنه قال: إيّاك وكلّ جليسٍ لا يفيدك علماً.
كان يقال: من سرّه أن يعظم حلمه، وينفعه علمه، فليقلّ من مجالسته من كان بين ظهرانيه. قال الحسن البصريّ: انتقوا الإخوان، والأصحاب، والمجالس.
عن محّمد بن المنكدر قال:كان يقال: خياركم ألينكم مناكب في الصلاة، وركناً في المجالس، الموطَّئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون.
تباعد كعب الأحبار يوماً في مجلس عمر بن الخطاب، فأنكر ذلك عليه، فقال: يا أميرالمؤمنين! إنّ في حكمة لقمان ووصيته لابنه: إذا جلست إلى ذي سلطان فليكن بينك وبينه مقعد رجل، فلعلّه يأتيه من هو آثر عنده منك فينحّيك فيكون نقصاً عليك.
كان يقال: الجليس الصّالح خيرمن الوحدة، والوحدة خيرٌ من الجليس السّوء. عن جعفر بن سليمان الضّبعيّ، قال: رأيت مع مالك بن دينار كلباً، فقلت له: ما هذا؟ قال هذا خيرٌ من الجليس السوء.
قال زيادٌ: إنه ليعجبني من الرجال من إذا أتى مجلساً أن يعرف أين يكون مجلسه، وإني لآتي المجلس، فأدع مالي مخافة أن أدفع عمّا ليس لي. كان الأحنف إذا أتاه رجلٌ أوسع له، فإن لم يكن له سعة أراه كأنّه يوسع له.
قال ابن شبرمة لابنه: يا بنيّ! إياك وطول المجالسة، فإنّ الأسد إنما يجترىء عليها من أدام النظر إليها. من سوء الأدب في المجالسة: أن تقطع على جليسك حديثه، أو تبدره إلى تمام ما ابتدأ به خبراً كان أو شعراً، تتمّ له البيت الذي بدأ به، وتريه أنك أحفظ منه. فهذا غايةٌ في سوء المجالسة، بل يجب أن تصغي إليه كأنك لم تسمعه قط إلاّ منه.
قيل لداود الطّائّي: لم تركت مجالسة الناس؟ قال: ما بقي إلاّ كبيرٌ يتحفّظ عليك، أوصغيرٌ لا يوقِّرك. قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لا تجالس عدوّك، فإنه يحفظ عليك سقطاتك ويماريك في صوابك.
كان يقال: رأس التّواضع، الرّضا بالدُّون من المجلس. وهذا يروى عن ابن مسعود أنّه قال:إنّ من التواضع أن ترضى بالدُّون من المجلس، وأن تبدأ بالسّلام من لقيت.
قال إبراهيم النَّخعيّ: إنّ الرجل ليجلس مع القوم فيتكلّم بالكلام، يريد الله به، فتصيبه الرَّحمة فتعمُّ من حوله، وإنّ الرجل يجلس مع القوم فيتكلّم بالكلام يسخط الله به، فتصيبه السَّخطة فتعمُّ من حوله.
كان يقال: ذوو المروءة والدّين، إذا أحرزوا القوت لزموا البيوت. قال حّسان بن عطّية: ما من قوم كانوا في مجلس لغوٍ فختموه بالاستغفار إلاّ كتب لهم مجلسهم ذلك استغفاراً كله.
قال حّسان بن عطّية: ما من قوم كانوا في مجلس لغوٍ فختموه بالاستغفار إلاّ كتب لهم مجلسهم ذلك استغفاراً كله. روي عن جماعةٍ من أهل العلم بتأويل القرآن، في قول الله عز وجل: " وسبح بحمد ربك حين تقوم "، منهم مجاهد وأبو الأحوص وعطاء ويحيى بن جعدة قالوا: حين تقوم من كل مجلس تقول فيه: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك، قالوا: ومن قالها غفر له ما كان منه في المجلس. قال عطاء: إن كنت أحسنت ازددت إحساناً، وإن كان غير ذلك كان كفارة. ومنهم من قال: تقول حين تقوم: سبحان الله وبحمده من كلّ مكانٍ ومن كلّ مجلس.
قال أبو عنبة الخولاني رحمه الله: ربّ كلمةٍ خير من إعطاء المال. قال أبان ابن سليم: كلمة حكمة لك من أخيك، خير لك من مالٍ يعطيك؟ لأنّ المال يطغيك والكلمة تهديك.
قالوا:خير الكلام ما دلّ على هدىً، أو نهى عن ردّى. ذكر عند الأحنف بن قيس:الصمت والكلام، فقال قومٌ: الصمت أفضل فقال الأحنف: الكلام أفضل لأن الصمت لا يعدو صاحبه، والكلام ينتفع به من سمعه، ومذاكرة الرّجال تلقيحٌ لعقولها.
قال سعيد بن جبير: رأيت ابن عبّاس رضي الله عنه في الكعبة آخذاً بلسانه وهو يقول: يا لسان قل خيراً تغنم، أو اسكت تسلم. قالوا السّكوت سلامة، والكلام بالخير غنيمة، ومن غنم أفضل ممن سلم. قال أعرابيّ:من فضل الّلسان، أن الله عزّ وجلّ أنطقه بتوحيده من بين سائر الجوارح.
قال عبد الملك بن مروان: الصمت نومٌ والنُّطق يقظة. قال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان إلاّ صورة ممثَّلة، أو بهيمة مرسلة، أو ضالّةٌ مهملة. كان يقال: الألسن خدم القرائح.
قال ربيعة الرأي: السّاكت بين النائم والأخرس. قالو:إنما المرء بأصغريه: لسانه وقلبه. كان يقال: اللسان ترجمان الفؤاد، واللسان حيّة الفم.
كان يقال: يجد البليغ من ألم السّكوت ما يجد العييُّ من ألم الكلام. قالوا: المرء مخبوءٌ تحت لسانه.
قال ابن سيرين: لا شيء أزين على الرجل من الفصاحة والبيان، ولا شيء أزين على المرأة من الشحم.
قال عمر بن عبد العزيز، رحمه الله:لرجل سأله حاجة فأحسن المسألة فأعجبه قوله وقال:هذا والله- السحر الحلال. قال الحسن:الرجال ثلاثةٌ، رجل بنفسه، ورجل بلسانه، ورجل بماله.
كان يقال: في اللسان عشر خصال:أداةٌ يظهرها البيان، وشاهدٌ يخبر عن الضمير، وحاكمٌ يفصل به القضاء، وناطقٌ يردّ به الجواب، وشافعٌ تقضى به الحاجات، وواصفٌ تعرف به الأشياء، وواعظٌ ينهى به عن القبيح، ومعزٍّ تسكن به الأحزان، وملاطفٌ تذهب به الضغينة ومونقٌ يلهى الأسماع.
كان يقال: الجمال في اللسان. قيل للأعرابي: ما الجمال؟ قال: طول الجسم، وضخم الهامة، ورحب الشّدق، وبعد الصّوت. قال حبيب: " لسان المرء من خدم الفؤاد ". قال آخر: " والقول ينفذ ما لا ينفذ الإبر ". قال امرؤ القيس: " وجرح اللّسان كجرح اليد.
قال أبو هريرة: لا خير في فضول الكلام. قال عطاء:كانوا يكرهون فضول الكلام. وقال: بترك الفضول تكمل العقول. وقال: فضول الكلام ما ليس في دين ولا دنيا مباحاً. وقال: الصّمت صيانة اللّسان، وستر العيّ.
قالوا: العيّ الناطق أعيا من العي الساكت. قالوا: أحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، وما ظهر معناه في لفظه.
روى عبد الله بن عمر، أنّه قيل له: لو دعوت لنا بدعواتٍ. فقال: اللّهم اهدنا وعافنا وارزقنا.فقال رجلٌ لو زدتنا يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: أعوذ بالله من الإسهاب. قال شفيّ بن ماتع: من كثر كلامه كثرت خطاياه.
قال يعقوب عليه السلام لبنيه:يا بنيَّ إذا دخلتم على السلطان فأقلّوا الكلام. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:من كثر كلامه كثر سقطه.
قال ابن هبيرة: ما من شيء إلاّ وهو محتاجٌ إلى فضوله يوماً، إلاّ فضول الكلام. قال الحسن: رحم الله عبداً أوجز في كلامه، واقتصر على فصاحته، فإن الله يكره كثرة الكلام.
قال بعض قضاة عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- وقد عزله: لم عزلتني: قال: بلغني أنّ كلامك مع الخصمين أكثر من كلام الخصمين. تكلّم ربيعة الرأي يوماً فأكثر الكلام، فأعجبته نفسه، وإلى جنبه أعرابيّ فقال له: يا أعرابي ما تعدّون البلاغة فقال: قلة الكلام.قال: ما تعدون العيّ فيكم؟ فقال: ما كنت فيه منذ اليوم.
قال بعض الحكماء: ليس شيء إلاّ إذا ثنيته قصر إلا الكلام، فإنك كلّما ثنيته طال. قالوا:أعيا العيّ بلاغة بعيّ، وأقبح اللّحن لحنٌ بإعراب.
كان مالك بن أنس يعيب كثرة الكلام ويذمّه ويقول: كثرة الكلام لا توجد إلاّ في النّساء والضعفاء. ذمّ أعرابيّ رجلاً،فقال: هو من يتامى المجالس، أعيا ما يكون عند جلسائه، أبلغ ما يكون عند نفسه.
كتب عمر إلى أبي موسى: أما بعد، فتفقّهوا في السّنّة،وتعلَّموا العربية. وروي عنه رحمه الله أنه قال: رحم الله امرأً أصلح من لسانه.
كان عبد الله بن عمر يضرب ولده على اللّحن. قال شعبة: مثل الذي يتعلم الحديث،ولا يتعلم النحو مثل البرنس لا رأس له.
قال محمد بن سلاَّمٍ: ما أحدث الناس مروءةً أفضل من طلب النّحو. قال عبد الله بن المبارك: اللحن في الكلام أقبح من آثار الجدريّ في الوجه. قال عبد الملك:اللحن هجنة بالشريف.
قال أبو شمر: قارئ النحو إذا دخله الكبر استفاد السخط من الله، والمقت من الناس. قال المفضّل الضّبّي لأعرابي:ما البلاغة؟ قال الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خطل. قيل للأحنف:ما البلاغة؟ قال: الإيجاز في استحكام الحجج،والوقوف عند ما يكتفى به.
قال خالد بن صفوان لرجل كثر كلامه:إنّ البلاغة ليست بكثرة الكلام، ولا بخفّة اللسان، ولا كثرة الهذيان.ولكنها إصابة المعنى القصد إلى الحجة. قيل لأعرابي: ما البلاغة؟ فقال: لمحة دالّة.
قيل لبشر بن مالك: ما البلاغة؟ قال: التقرّب من المعنى،والتباعد عن حشّو الكلام،ودلالةٌ بقليل على كثير. سئل عبيد الله بن عتبة: ما البلاغة؟فقال:القصد إلى عين الحجة بتقليل اللفظ. قال غيره: البلاغة معروفة الفصل من الوصل، وفرق ما بين المشترك والمفرد وفصل ما بين المقيّد والمطلق، وما يحتمل التأويل ويستغني عن الدليل.
قيل لبعض اليونانية: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام. قيل لرجل من الرّوم:ما البلاغة؟ حسن الاقتصاد عند البديهة، والغزارة يوم الإطالة.
قيل لرجل: ما البلاغة؟ فقال: حسن الإشارة، وإيضاح الدلالة، والبصر بالحجة، وانتهاز مواضع الفرصة. قالوا: أبلغ النّاس أحسنهم بديهة، وأمثلهم لفظا.
قال خالد بن صفوان: خير الكلام ما ظرفت معانيه،وشرفت مبانيه والتذّت به آذان سامعيه. يروى أن عثمان بن عفّان رضي الله عنه صعد المنبر فأرتج عليه، فقال: إنّ أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال.
عن عيسى عليه السلام، أنه قال: " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتفتنوا قلوبكم ". بلغنا أنّ داود عليه السلام لقي لقمان بعد ما كبرت سنُّه، فقال: ما بقي من عقلك؟ فقال: لا أنطق فيما لا يعنيني، ولا أتكلَّف ما كفيته.
قال ابن مسعود: أنذركم فضول الكلام. عن ابن مسعود وسلمان الفارسي قالا:أكثر النّاس وقوفاً يوم القيامة أكثرهم خوضاً في الباطل.
عن عطاء: فضول الكلام ما عدا تلاوة القرآن، والقول بالسنة عند الحاجة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تنطق في أمر لا بدَّ لك منه في معيشتك، أما يستحي أحدكم أن لو نشرت عليه صحيفته التي أملاها صدر نهاره أن يرى أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه، ثم تلا: " وإنّ عليكم لحافظين. كراماً كاتبين " و " عن اليمين وعن الشِّمال قعيدٌ، ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد ".
قال أعرابيّ: السّكوت صيانةٌ لّلسان وسترٌ للعيّ. قال أعرابيّ في رجل رماه بالعيّ: رأيت عثرات النّاس في أرجلهم، وعثرة فلان بين فكَّيه.
قال أعرابيٌ: الكلمة أسيرةٌ في وثاق الرَّجل، فإذا تكلّم بها كان أسيراً في وثاقها. قيل لبكر بن عبد الله المزنيّ: إنك تطيل الصمت؟ فقال:إن لساني سبعٌ، إن تركته أكلني.
قال أبو العتاهية: من لزم الصَّمت نجا من قال بالخير غنم. اجتمع أربعة حكماء فقال أحدهم: أنا على ردِّ ما لم أقل، أقدر مني على ردّ ما قلت، وقال الآخر: لأن أندم على ما لم أقل، أحبّ إليّ من أن أندم على ما قلت، وقال الثالث: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني، فإذا لم أتكلم بها ملكتها، وقال الرابع: عجبت ممن يتكلم بالكلمة، إن ذكرت عنه ضرته، وإن لم تذكر عنه لم تنفعه.
قال المأمون: السخافة كثرة الكلام، وصحبة الأنذال. كان يقال: العافية عشرة أجزاء، تسعةٌ منها في الصمت، وجزء في الهرب من النّاس.
كان يقال:من طوَّل صمته، اجتلب من الهيبة ما ينفعه، ومن الوحشة مالا يضرّه. كان يقال: اخزن لسانك كما تخزن مالك.
روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أخذ يوماً بطرف لسانه وقال:ها إنّ ذا أوردني الموارد. قال ابن مسعود رحمه الله: إن كان الشُّؤم ففي اللّسان، ووالله ما على وجه الأرض شيءٌ أحقّ بطول سجن من اللسان.
وقال أبو الدَّرداء: من فقه الرَّجل قلَّة كلامه فيما لا يعنيه. قال الأصبحيُّ: من كثر كلامه كثرت خطاياه.
قال مالك بن دينار: لو كانت الصُّحف من عندنا، لأقللنا الكلام. لما خرج يونس عليه السلام من بطن الحوت، أطال الصمت، فقيل له: ألا تتكلم؟ فقال: الكلام صيَّرني في بطن الحوت.
سئل عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- عن قتلة عثمان، فقال: تلك دماء كفّ الله عنها يدي، فأنا أكره أن أغمس فيها لساني. وقال يزيد بن أبي خبيب: المتكلم ينتظر اللعنة، والمتصنَّت ينتظر الرحمة. يقال: شر ما طبع الله عليه المرء، خلق دنيّ، ولسان بذيّ. وقالوا البذاء من النفاق.
قال عمر بن عبد العزيز: المحظوظ التَّقّي يلجم لسانه. قال ابن القاسم:سمعت مالكاً يقول:لا خير في كثرة الكلام،واعتبر ذلك بالنساء والصبيان. إنما هم أبداً يتكلمون، لا يصمتون.
قال الحسن لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلَّم فكَّر، فإن كان له قال، وإن كان عليه سكت، وقلب الجاهل من وراء لسانه.
قال الحكماء:إذا تمَّ العقل نقص الكلام، فضل العقل على المنطق حكمة، وفضل المنطق على العقل هجنة. قال عمرو بن العاص: زلّة الرجل عظم يجبر، وزلّة اللسان لا تبقي ولا تذر.
قال سليمان بن داوود: من أراد أن يغيظ عدوَّه، فلا يرفع العصا عن ولده. قال محمد بن سيرين: كانوا يقولون: أكرم ولدك وأحسن أدبه. كان يقال: من أدّب ولده أرغم أنف عدوه.
قال الحسن: التعلّم في الصغر كالنقش على الحجر. قال لقمان: ضرب الوالد للولد كالّسماد للزرع.
قال بعض الحكماء: لا أدب إلاّ بعقل، ولا عقل إلا بأدب. كان يقال: التجربة علم، والأدب عون، وتركه مضرّة بالعقل.
كان يقال: العون لمن لا عون له الأدب. قال الأحنف: الأدب نور العقل، كما أنّ النار في الظلمة نورالبصر. قال الأصمعيّ: ما مطيةٌ أبلغ دركاً وهي وادعة من الأدب.
قال ابن أبي دؤاد لرجل تخطّى أعناق الرّجال إليه: إنّ الأدب المترادف خير من النَّسب المتلاحف. كان يقال: الأدب من الآباء، والصّلاح من الله. كان يقال: من أدّب ابنه صغيراً قرّت به عينه كبيراً.
وصف أعرابيٌّ الأدب في مجلس معمر بن سليمان، فقال: الأدب أدب الدّين، وهو داعيةٌ إلى التوفيق، وسببٌ إلى السعادة وزادٌ من التقوى، وهو أن تعلم شرائع الإسلام، وأداء الفرائض، وأن تأخذ لنفسك بحظّها من النافلة، وتزيد ذلك بصحّة النية، وإخلاص النفس، وحبّ الخير، منافساً فيه، مبغضاً للشرّ نازعاً عنه، ويكون طلبك للخير، رغبةً في ثوابه، ومجانبتك للّشِّر رهبةٌ من عقابه، فتفوز بالثواب، وتسلم من العقاب، ذلك إذا اعتزلت ركوب الموبقات، وآثرت الحسنات المنجيات.
قال أعرابيٌ: الأديب من اعتصم بعزّ الأدب من ذلّة الجهل، ولم يتورط في هفوة، وكان أدبه زلفى إلى الحظوة في دنياه وأخراه.
قال شبيب بن شبية: اطلبوا الأدب فإنّه عونٌ على المروءة، وزيادةٌ في العقل، وصاحبٌ في الغربة، وحليةٌ في المجالس. قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه في قول الله عزّ وجل: " يا أيُّها الَّذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا "، قال: أدّبوهم وعلّموهم.

