فوائد من كتاب الصوم من فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر
A
اشتمل كتاب الصيام على مائة وسبعة وخمسين حديثًا، المعلق منها ستة وثلاثون حديثًا، والبقية موصولة، والمكرر منها ثمانية وستون حديثًا، والخالص تسعة وثمانون حديثًا.
وقد قيل في الحكمة من تكفير يوم عاشوراء لسنة، وتكفير يوم عرفة لسنتين: إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى عليه السلام، ويوم عرفة منسوب إلى النبي ﷺ، فلذلك كان أفضل.
سئل عكرمة عن صوم أهل الجاهلية ليوم عاشوراء؟ فقال: «أذنبت قريش ذنبًا في الجاهلية فعظم في صدورهم فقيل لهم صوموا عاشوراء يكفر ذلك».
صيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها أن يُصَام وحده، وفوقه أن يُصَام التاسع معه، وفوقه أن يُصَام التاسع والحادي عشر.
وقد اختلف علماء الحديث في قول الصحابي «أُمِرنا بكذا» و«نُهِينا عن كذا» هل له حكم الرفع؟ على أقوال، ثالثها: إن أضافه إلى عهد النبي ﷺ فله حكم الرفع وإلا فلا، واختلف الترجيح فيما إذا لم يضفه ويلتحق به «رُخٍِص لنا في كذا» و«عُزِم علينا أن لا نفعل كذا» كلٌ في الحكم سواء.
وسميت أيام التشريق لأنَّ لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي: تنشر في الشمس. وقيل: لأنَّ الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس. وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس. وقيل: التشريق التكبير دبر كل صلاة.
ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صوم يوم الجمعة عن علي، وأبي هريرة، وسلمان، وأبي ذر، قال ابن حزم: لا نعلم لهم مخالفًا من الصحابة. وذهب الجمهور إلى أنَّ النهي فيه للتنزيه، وعن مالك وأبي حنيفة: لا يكره.
قال أنس بن مالك: «وحدثتني ابنتي أُمَيْنَة» قال ابن حجر: أمينة تصغير آمنة. وفيه جواز التصغير على معنى التلطُّف لا التحقير.
وقال شيخنا في شرح الترمذي: حاصل الخلاف في د تعيين الأيام البيض تسعة أقوال: أحدها: لا تتعين بل يكره تعيينها. وهذا عن مالك. الثاني: أول ثلاثة من الشهر قاله الحسن البصري، الثالث: أولها الثاني عشر. الرابع: أولها الثالث عشر. الخامس: أولها أول سبت من أول الشهر ثم من أول الثلاثاء من الشهر الذي يليه وهكذا وهو عن عائشة. السادس: أول خميس ثم اثنين ثم خميس. السابع: أول اثنين ثم خميس ثم اثنين. الثامن: أول يوم والعاشر والعشرون عن أبي الدرداء. التاسع: أول كل عشر عن ابن شعبان المالكي. قلت -أي: ابن حجر-: بقي قول آخر وهو آخر ثلاثة من الشهر عن النخعي فتمت عشرة.
يؤخذ من قول أبي هريرة رضي الله عنه: «أوصاني خليلي...» الافتخار بصحبة الأكابر إذا كان ذلك على معنى التحدث بالنعمة، والشكر لله، لا على وجه المباهاة.
يجوز القسم على التزام العبادة، وفائدته الاستعانة باليمين على النشاط لها، وأن ذلك لا يخل بصحة النية والإخلاص فيها.
يجوز الإخبار عن الأعمال الصالحة، والأوراد، ومحاسن الأعمال، ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الرياء.
قال حبيب بن أبي ثابت: «سمعت أبا العباس المكي، وكان شاعرًا، وكان لا يُتَّهم في حديثه» قال ابن حجر: فيه إشارة إلى أنَّ الشاعر بصددِ أن يُتَّهم في حديثه، لِما تقتضيه صناعته من سلوك المبالغة في الإطراء وغيره.
قيل لابن مسعود إن لتُقِلُّ الصيام! فقال: «إنِّي أخاف أن يضعفني عن القراءة، والقراءة أحب إلي من الصيام» رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح.
ليس كل عمل صالح إذا ازداد العبد منه ازداد من الله تقربًا، بل ربَّ عملٍ صالح إذا ازداد منه، ازداد بُعدًا، كالصلاة في الأوقات المكروهة.
وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدَّهر لمن قَوِي عليه، ولم يُفوِّت فيه حقًا، وإلى ذلك ذهب الجمهور.
روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمرو الشيباني قال: «بلغ عمر أنَّ رجلًا يصوم الدهر فأتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول كل يا دهري»
وإلى كراهة صوم الدهر مطلقًا ذهب إسحاق وأهل الظاهر، وهي رواية عن أحمد، وشذ ابن حزم فقال: يَحرُم.
قال ابن عباس: «كان ﷺ يصوم حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر...» فيه: الحلف على الشيء وإنْ لم يكن هناك من ينكره مبالغة في تأكيده في نفس السامع.
واختلف في الحكمة في إكثاره ﷺ من صوم شعبان، فقيل: كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان. وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان. وقيل: الحكمة في إكثاره من الصيام في شعبان دون غيره أن نساءه كُنَّ يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان. وقيل: لأنه شهر يغفل الناس عنه وفيه ترفع الأعمال.
ونقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول صام الشهر كله.
وسمِّي شعبان: لتشعبهم في طلب المياه، أو في الغارات بعد أن يخرج شهر رجب الحرام، وهذا أولى من الذي قبله، وقيل فيه غير ذلك.
قال ابن عبد البر: ومن احتج بقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} على عدم إبطال صوم النفل، فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أنَّ المراد بذلك النهي عن الرياء، كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء بل أخلصوها لله.
قال أبو سعيد الخدري: صنعت للنبي ﷺ طعامًا فلما وضع قال رجل أنا صائم فقال رسول الله ﷺ: «دعاك أخوك وتكلف لك أفطر وصم مكانه إن شئت» أخرجه البيهقي وإسناده حسن.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله ﷺ «يطعمني ويسقيني» أي: يشغلني بالتفكر في عظمته، والتملي بمشاهدته، والتغذي بمعارفه، وقرة العين بمحبته، والاستغراق في مناجاته، والإقبال عليه عن الطعام والشراب، وإلى هذا جنح ابن القيم.
قوله ﷺ: «لو تأخر» أي الشهر «لزدتكم» استدل به على جواز قول «لو» وحمل النهي الوارد في ذلك على ما لا يتعلق بالأمور الشرعية.
الصحيح عند أهل الحديث وأهل الأصول أن الصحابي إذا قال: «فعلنا كذا في عهد رسول الله ﷺ» كان حكمه الرفع لأن الظاهر اطلاعه ﷺ على ذلك وتقريرهم عليه مع توفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام.
جاء في حديث رَزِينة «أن النبي ﷺ كان يأمر مرضعاته في عاشوراء ورُضَعَاء فاطمة فيتفل في أفواههم ويأمر أمهاتهم أن لا يرضعن إلى الليل» أخرجه ابن خزيمة وتوقف في صحته، وإسناده لا بأس به.
واختُلِف في المراد بقوله ﷺ: «من مات وعليه صيام صام عنه " وليه " » فقيل كل قريب، وقيل الوارث خاصة، وقيل عصبته. والأول أرجح، والثاني قريب، ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها.
والراجح أن المعتبر ما رواه -الصحابي- لا ما رآه، لاحتمال أن يخالف ذلك لاجتهاد، ومستنده فيه لم يتحقق ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده، وإذا تحققت صحة الحديث، لم يترك المحقق للمظنون.
[الحكمة من قضاء الحائض صومها دون صلاتها:] قال ابن حجر: واعتمد كثير منهم على أن الحكمة فيه أن الصلاة تتكرر فيشق قضاؤها، بخلاف الصوم الذي لا يقع في السنة إلا مرة. واختار إمام الحرمين أن المتَّبَع في ذلك هو النص وأن كل شيء ذكروه من الفرق ضعيف.
قالت عائشة: «كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان» في الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقًا سواء كان لعذر، أو لغير عذر.
[من أدركه رمضان وهو لم يقص ما فاته هل تلزمه الكفارة؟] قال ابن حجر: ولم يثبت فيه شيء مرفوع، وإنَّما جاء فيه عن جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة وابن عباس، وعمر. ونقل الطحاوي عن يحيى بن أكثم قال: وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم فيه مخالفًا. انتهى. وهو قول الجمهور وخالف في ذلك إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأصحابه.
نقل ابن المنذر وغيره عن علي وعائشة وجوب التتابع -في قضاء رمضان- وهو قول بعض أهل الظاهر، وروى عبد الرزاق بسنده عن ابن عمر قال يقضيه تباعًا، وعن عائشة: نزلت {فعدة من أيام أخر متتابعات} فسقطت: {متتابعات} وقال ابن عباس: لا بأس أن يفرِّق لقول الله تعالى: {فعدة من أيام}.
قال رجل لابن عمر: إنِّي أقوى على الصَّوم في السفر. فقال له ابن عمر: «من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة».
قال ابن حجر: وهذا محمولٌ على من رغب عن الرخصة لقوله ﷺ: «من رغب عن سنتي فليس مني».
قال ابن حجر: وهذا محمولٌ على من رغب عن الرخصة لقوله ﷺ: «من رغب عن سنتي فليس مني».
ذهب أكثر العلماء ومنهم مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، إلى أنَّ الصوم -في السفر- أفضل لمن قوي عليه ولم يشق عليه.
قالت طائفة لا يجزئ الصوم في السفر عن الفرض بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر لظاهر قوله تعالى: {ومن كان مريضًا أو على سفر فعدةٌ من أيام أُخَر} ولقوله ﷺ: «ليس من البر الصيام في السفر» وهذا قول بعض أهل الظاهر، وحُكِي عن: عمر، وابن عمر، وأبي هريرة، والزهري، وإبراهيم النخعي، وغيرهم.
فالحاصل أن الصوم -في السفر- لمن قوي عليه أفضل من الفطر والفطر لمن شق عليه الصوم أو أعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم، وأن من لم يتحقق المشقة يُخيَّر بين الصوم والفطر.
قال ابن حزم: صحَّ حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» بلا ريب. لكن وجدنا من حديث أبي سعيد: «أرخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم» وإسناده صحيح. فوجب الأخذ به؛ لأنَّ الرُّخصة إنَّما تكون بعد العزيمة، فدلَّ على نسخ الفطر بالحجامة، سواء كان حاجمًا أو محجومًا.
قال ابن المنذر وممن رخص في الحجامة للصائم: أنس، وأبو سعيد، والحسين بن علي، وغيرهم من الصحابة، والتابعين، ثم ساق ذلك بأسانيده.
«كان ابن عمر يحتجم وهو صائم، ثم تركه فكان يحتجم بالليل» قال ابن حجر: وكان ابن عمر كثير الاحتياط فكأنه ترك الحجامة نهارًا لذلك.
وأما الحجامة فالجمهور على عدم الفطر بها مطلقًا، وعن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور يفطر الحاجم والمحجوم وأوجبوا عليهما القضاء، وشذ عطاء فأوجب الكفارة.
نقل ابن المنذر الإجماع على ترك القضاء على من ذرعه القيء ولم يتعمده إلا في إحدى الروايتين عن الحسن.
ونقل ابن المنذر الإجماع على بطلان الصوم بتعمُّد القيء!! لكن نقل ابن بطال عن ابن عباس وابن مسعود: لا يفطر مطلقًا، وهي إحدى الروايتين عن مالك.
قال أبو هريرة: إذا قاء -الصائم- فلا يفطر، إنَّما يُخرِج ولا يولج. ويُذكَر عن أبي هريرة أنه يفطر. قال البخاري: والأول أصح. وقال ابن عباس وعكرمة: الصَّوم مما دخل وليس مما خرج.
قال ابن حجر في آخر شرحه لحديث أبي هريرة في كفارة المجامع نهار رمضان: " وقد اعتنى به بعض المتأخرين ممن أدركه شيوخنا فتكلم عليه في مجلدين جمع فيهما ألف فائدة وفائدة ".
من انتهك حرمة الصوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية، فناسب أن يعتق رقبة فيفدي نفسه، وقد صحَّ أنَّ من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار.
قال ابن حجر -عن كفارة الإطعام للمُجَامِع في نهار رمضان-: والمراد بالإطعام الإعطاء لا اشتراط حقيقة الإطعام من وضع المطعوم في الفم، بل يكفي الوضع بين يديه بلا خلاف، وفي إطلاق الإطعام ما يدل على الاكتفاء بوجود الإطعام من غير اشتراط مناولة.
ورخص في مضغ العِلْك أكثر العلماء إن كان لا يتحلب منه شيء فإن تحلب منه شيء فازدرده فالجمهور على أنه يفطر. والعلك: كل ما يمضغ ويبقى في الفم كالمصطكى واللبان.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّه لا شيء على الصَّائم فيما يبتلعه مما يجري مع الرِّيق مما بين أسنانه مما لا يقدر على إخراجه.
جاء رجل إلى أبي هريرة فقال أصبحتُ صائمًا فنسيت فطعمت. قال: لا بأس. قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت وطعمت وشربت. قال: لا بأس الله أطعمك وسقاك. ثم قال: دخلت على آخر فنسيت فطعمت. فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام.
روى أبو داود وحده من طريق مِصْدَع بن يحيى، عن عائشة: «أنَّ النبي ﷺ كان يُقبِّلُها ويمصُّ لسانها» -وهو صائم- وإسناده ضعيف، ولو صحَّ فهو محمولٌ على من لم يبتلع ريقه الذي خالط ريقها، والله أعلم.
ومن بديع ما روي في ذلك -أي: القبلة للصائم- قوله ﷺ للسَّائل عنها «أرأيت لو تمضمضت» فأشار إلى فقهٍ بديع، وذلك أنَّ المضمضة لا تنقض الصَّوم وهي أوَّل الشرب ومفتاحه، كما أن القُبلَة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع.
روى النسائي من طريق طلحة بن عبدالله التيمي عن عائشة قالت: «أهوى إلي النبي ﷺ ليُقَبِّلَنِي فقلت إني صائمة. فقال: وأنا صائم. فقبَّلني»
سُئِل جابر بن زيد عن رجل نظر إلى امرأته في رمضان فأمنى من شهوتها هل يفطر؟ قال: لا، ويتمُّ صومه.
قال ابن قدامة: إن قبَّل فأنزل أفطر بلا خلاف. كذا قال، وفيه نظر، فقد حكى ابن حزمٍ أنَّه لا يُفطِر ولو أنزل وقوَّى ذلك.
يُرجَّح مروي النِّساء فيما لهن عليه الإطلاع دون الرجال على مروي الرجال كعكسه.
- كرواية أزواج النبي ﷺ فيما لهن الإطلاع عليه دون غيرهن.
- كرواية أزواج النبي ﷺ فيما لهن الإطلاع عليه دون غيرهن.
قال ابن حجر -بعد ذكر قول من قال أن من أصبح جنبًا فصومه باطل-: " ثم ارتفع ذلك الخلاف واستقر الإجماع على خلافه كما جزم به النووي. وأما ابن دقيق العيد فقال: صار ذلك إجماعًا أو كالإجماع "
والذي يترجَّح من أقوال العلماء أنه -أي: صوم عاشوراء- لم يكن فرضًا، وعلى تقدير أنه كان فرضًا فقد نُسِخ بلا ريب.
يحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب، لحديث أبي سعيد الخدري: «السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء» ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة: «تسحروا ولو بلقمة».
البركة في السحور تحصل بجهات متعددة وهي: اتباع السنة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوِّي به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام.
في قوله: «كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية» قال ابن أبي جمرة فيه إشارة إلى أنَّ أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة. -لأنه ضبط الوقت بعدد الآي-!!
ولو أكل ظانًّا أنَّ الفجر لم يطلع لم يفسد صومه عند الجمهور؛ لأنَّ الآية دلَّت على الإباحة إلى أن يحصل التبيين.
قال ابن عبد البر: في «الإشراف»: صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يُرَ الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة، وقد صحَّ عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته.
قال ﷺ: «فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء» والوِجَاء: هو رضُّ الخصيتين. وقيل: رضُّ عروقهما. ومن يفعل به ذلك تنقطع شهوته، ومقتضاه أنَّ الصوم قامعٌ لشهوة النكاح.
قال ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه» المراد بقول الزور: الكذب. والجهل: السَّفَه والعمل به، أي: بمقتضاه.
واختُلِف في تسمية هذا الشهر رمضان، فقيل: لأنه ترمض فيه الذنوب، أي: تحرق. لأن الرمضاء شدة الحر. وقيل: وافق ابتداء الصوم فيه زمنًا حارًّا. والله أعلم.
قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} والصابرون: الصائمون. في أكثر الأقوال.
يؤخذ من قوله ﷺ «لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» أن الخلوف أعظم من دم الشهادة لأن دم الشهيد شُبِّه ريحه بريح المسك والخلوف وُصِف بأنه أطيب. ولا يلزم من ذلك أن يكون الصيام أفضل من الشهادة.
وقد نقل القاضي حسين في تعليقه: أنَّ للطَّاعات يوم القيامة ريحًا تفوح، فرائحة الصِّيام فيها بين العبادات كالمسك.
وقد حُكِي عن عائشة، وبه قال الأوزاعي: إن الغيبة تفطِّر الصائم، وتُوجِب عليه قضاء ذلك اليوم، وأفرط ابن حزم فقال: يبطله كل معصية من متعمَّد لها ذاكر لصومه، سواء كانت فعلًا، أو قولًا، لعموم قوله ﷺ: «فلا يرفث ولا يجهل».
الصوم في الشرع: إمساك المكلَّف بالنيَّة عن تناول المطعَم، والمشرب، والاستمناء، والاستقاء، من الفجر إلى المغرب.
