فوائد منتقاة من شرح كتاب الصيام من «المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج» للنووي رحمه الله
A
واعلم أن ليلة القدر موجودة فإنها تُرَى ويتحقَّقها من شاء الله تعالى من بني آدم كل سنة في رمضان، كما تظاهرت عليه الأحاديث، وإخبار الصالحين بها، ورؤيتهم لها أكثر من أن تحصر، وأما قول القاضي عياض عن المهلب بن أبي صفرة: لا يمكن رؤيتها حقيقة، فغلط فاحش نبَّهت عليه لئلا يغتر به والله أعلم
قال القاضي عياض: قيل معنى: «لا شعاع لها» أنها علامة جعلها الله تعالى -لليلة القدر- وقيل: بل لكثرة اختلاف الملائكة في ليلتها ونزولها إلى الأرض وصعودها بما تنزل به سترت بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس وشعاعها والله أعلم.
وسُمِّيت ليلة القدر: لما يُكتَب فيها للملائكة من الأقدار، والأرزاق، والآجال التي تكون في تلك السنة، كقوله تعالى: {فيها يُفرَق كل أمر حكيم} وقيل: سُمِّيت ليلة القدر لِعِظَم قدرها وشرفها.
قال العلماء: وإنما كان صيام السِّت من شوال كصيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين، وقد جاء هذا في حديث مرفوع في كتاب النسائي.
والأفضل أن تُصام الستة -أي: من شوال- متوالية عقب يوم الفطر فإن فرقها أو أخرها عن أوائل شوال إلى أواخره حصلت فضيلة المتابعة لأنه يصدق أنه أتبعه ستًا من شوال.
قوله ﷺ: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر» فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعي وأحمد وداود وموافقيهم في استحباب صوم هذه الستة، وإذا ثبتت السنة فلا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها.
قوله ﷺ: «وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» فيه دليل لما اتفق العلماء عليه: أن تطوع الليل أفضل من تطوع النهار. وفيه حجة لأبي إسحاق المروزي من أصحابنا ومن وافقه: أن صلاة الليل أفضل من السنن الراتبة وقال أكثر أصحابنا: الرواتب أفضل لأنها تشبه الفرائض. والأول أقوى وأوفق للحديث.
قوله ﷺ: «أصمت من سرر شعبان؟» ضبطوا سرر بفتح السين وكسرها وحكى القاضي ضمها، قال الأوزاعي وأبو عبيد وجمهور العلماء من أهل اللغة والحديث والغريب: المراد بالسرر آخر الشهر، سميت بذلك لاستسرار القمر. قال القاضي والأظهر أن المراد آخر الشهر كما قاله أبو عبيد والأكثرون.
قال القاضي واختلفوا في تعيين هذه الأيام الثلاثة المستحبة من كل شهر، ففسره جماعة من الصحابة والتابعين بأيام البيض وهي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود، واختار النخعي وآخرون آخر الشهر، واختار آخرون ثلاثة من أوله، منهم الحسن. واختارت عائشة وآخرون صيام السبت والأحد والاثنين من شهر ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من الشهر الذي بعده. واختار آخرون الاثنين والخميس، وفي حديث رفعه ابن عمر أول اثنين في الشهر وخميسان بعده، وعن أم سلمة أول خميس والاثنين بعده ثم الاثنين، وقيل أول يوم من الشهر والعاشر والعشرين وقيل إنه صيام مالك بن أنس وروي عنه كراهة صوم أيام البيض وقال ابن شعبان المالكي أول يوم من الشهر والحادي عشر والحادي وعشرون والله أعلم.
كان بعض السلف يختم القرآن في كل شهر، وبعضهم في عشرين يومًا، وبعضهم في عشرة أيام، وبعضهم أو أكثرهم في سبعة، وكثير منهم في ثلاثة، وكثير في كل يوم وليلة، وبعضهم في كل ليلة، وبعضهم في اليوم والليلة ثلاث ختمات، وبعضهم ثمان ختمات وهو أكثر ما بلغنا!
أجاز الجمهور صوم الدهر وأجابوا على قوله ﷺ: «لا صام من صام الأبد» بأجوبة: أحدها: أنه محمول على حقيقته بأن يصوم معه العيدين والتشريق وبهذا أجابت عائشة، والثاني: أنه محمول على من تضرر به أو فوَّت به حقًا. والثالث: أن معنى «لا صام» أنه لا يجد من مشقته ما يجدها غيره فيكون خبرًا لا دعاءً.
اختلف العلماء في حكم سرد الصوم، فذهب أهل الظاهر إلى منع صيام الدهر لظواهر الأحاديث، وذهب جماهير العلماء إلى جوازه إذا لم يصم الأيام المنهي عنها وهي العيدان والتشريق، ومذهب الشافعي وأصحابه أنَّ سرد الصيام إذا أفطر العيدين والتشريق لا كراهة فيه بل هو مستحب بشرط أن لا يلحقه به ضرر ولا يفوت حقًا فإن تضرر أو فوَّت حقًا فمكروه.
قالت عائشة: «لم يكن رسول الله ﷺ في الشهر من السنة أكثر صيامًا منه في شعبان» فإن قيل قال النبي ﷺ: «أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم» فكيف أكثر النبي من الصيام في شعبان دون المحرم؟ فالجواب: لعله لم يعلم فضل محرم إلا في آخر الحياة، أو كان يعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه كسفر ومرض وغيرهما.
قوله ﷺ: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» فيه دلالة لمذهب الأكثرين أن الصائم إذا أكل أو شرب أو جامع ناسيًا لا يفطر. وممن قال بهذا الشافعي، وأبو حنيفة، وداود، وآخرون.
قوله ﷺ: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يوم القيامة» قال القاضي: قيل يجازيه الله تعالى به في الآخرة فتكون نكهته أطيب من ريح المسك كما أنَّ دم الشهيد يكون ريحه ريح المسك.
قوله ﷺ: «قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام هو لي وأنا أجزي به» اختلف العلماء في معناه مع كون جميع الطاعات لله تعالى، فقيل: سبب إضافته إلى الله تعالى أنه لم يُعبَد أحد غير الله تعالى به، فلم يعظم الكفار في عصرٍ من الأعصار معبودًا لهم بالصيام وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود والصدقة والذكر وغير ذلك.
قوله ﷺ: «فإن امرؤٌ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم» اختلفوا في معناه، فقيل: يقوله بلسانه جهرًا يسمعه الشاتم والمقاتل فينزجر غالبًا. وقيل: لا يقوله بلسانه، بل يحدِّث به نفسه ليمنعها من مشاتمته، ومقاتلته، ومقابلته، ويحرس صومه عن المكدِّرات، ولو جمع بين الأمرين كان حسنًا.
قوله ﷺ: «إذا أصبح أحدكم يومًا صائمًا فلا يرفث ولا يجهل» الرفث: السُّخف وفاحش الكلام. والجهل: قريب من الرفث وهو خلاف الحكمة وخلاف الصواب.
قوله ﷺ: «فدَيْن الله أحقُّ بالقضاء» فيه دليل لمن يقول إذا مات وعليه دَين لله تعالى ودَين لآدمي وضاق ماله قُدِّم دَين الله تعالى.
قال القاضي وأصحابنا وأجمعوا على أنه لا يُصلَّى عنه -أي: الميت- صلاة فائتة، وعلى أنه لا يُصام عن أحدٍ في حياته، وإنَّما الخلاف في الميت.
وذهب الجمهور إلى أنه لا يُصام عن ميت لا نذر ولا غيره حكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، ورواية عن الحسن، والزهري، وبه قال مالك، وأبو حنيفة.
قوله ﷺ: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» المراد بالولي: القريب سواء كان عصبة أو وارثًا أو غيرهما. وقيل: المراد الوارث. وقيل: العصبة. والصحيح: الأول، ولو صام عنه أجنبي إن كان بإذن الولي صحَّ وإلَّا فلا في الأصح.
اختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب من رمضان أو قضاء أو نذر أو غيره هل يُقضَى عنه؟ للشافعي في المسألة قولان مشهوران أشهرهما لا يُصاَم عنه ولا يصح عن ميت صوم أصلًا، والثاني يستحب لوليه أن يصوم عنه ويصح، صومه عنه، ويبرأ به الميت، ولا يحتاج إلى إطعام عنه وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث.
ومن أراد قضاء صوم رمضان نُدِب مرتبًا متواليًا، فلو قضاه غير مرتَّب أو مفرقًا جاز عندنا وعند الجمهور؛ لأن اسم الصوم يقع على الجميع. وقال جماعة من الصحابة والتابعين وأهل الظاهر: يجب تتابعه كما يجب الأداء.
وأجمعوا أنه لو مات قبل خروج شعبان لزمه الفدية في تركه عن كل يوم مُد من طعام، هذا إذا كان تمَّكن من القضاء فلم يقضِ، وأما من أفطر في رمضان بعذرٍ ثم اتصل عجزه فلم يتمكن من الصوم حتى مات فلا صوم عليه، ولا يُطعَم عنه، ولا يُصَام عنه.
ومذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وجماهير السلف والخلف، أن قضاء رمضان في حق من أفطر بعذرٍ كحيض وسفر يجب على التراخي ولا يشترط المبادرة به في أول الإمكان، وقال داود: تجب المبادرة به في أول يوم بعد العيد من شوال.
وقد اتفق العلماء على أن المرأة لا يحل لها صوم التطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه لحديث أبي هريرة: «لا تصوم المرأة وزوجها حاضر، إلا بإذنه».
قوله ﷺ: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي» احتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تُسمَّى الرغائب قاتل الله واضعها ومخترعها، فإنها بدعة منكرة، من البدع التي هي ضلالة وجهالة، وفيها منكرات ظاهرة، وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها، وتضليل مصليها ومبتدعها، ودلائل قُبحها وبطلانها وتضلل فاعلها أكثر من أن تحصر.
والحكمة في النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم أنه يوم دعاء، وذكر، وعبادة، من الغسل، والتبكير إلى الصلاة وانتظارها واستماع الخطبة، وإكثار الذكر بعدها، وغير ذلك من العبادات في يومها فاستُحبَّ الفِطر فيه فيكون أعون له على هذه الوظائف، وأدائها بنشاط وانشراح لها والتذاذ بها، من غير ملل ولا سآمة. هذا هو المعتمد في الحكمة من النهي عن إفراد صوم الجمعة.
قوله ﷺ: «أيام التشريق أيام أكل وشرب» فيه دليلٌ لمن قال: لا يصح صومها بحال. وهو أظهر القولين في مذهب الشافعي، وبه قال أبو حنيفة وابن المنذر وغيرهما.
ذهب أبو حنيفة إلى أن صوم رمضان وغيره من الفرض يجوز نيته في النهار ولا يشترط تبييتها. وقال الجمهور لا يجوز رمضان ولا غيره من الصوم الواجب إلا بنية من الليل.
وقد روي عن عروة أنهم -أي: الصبيان- متى أطاقوا الصوم وجب عليهم. وهذا غلط مردود بالحديث الصحيح: «رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم» وفي رواية «يبلغ».
قوله: «عن ابن عباس أن يوم عاشوراء هو تاسع المحرم وأن النبي ﷺ كان يصوم التاسع» هذا تصريح من ابن عباس بأن مذهبه أن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم. وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، وهذا ظاهر الأحاديث.
اتفق العلماء على أن صوم يوم عاشوراء اليوم سنة ليس بواجب، واختلفوا في حكمه في أول الإسلام حين شُرِع صومه قبل صوم رمضان، فقال أبو حنيفة: كان واجبًا واختلف أصحاب الشافعي فيه على وجهين مشهورين، أشهرهما عندهم أنه لم يزل سنة من حين شُرِع ولم يكن واجبًا قط في هذه الأمة ولكنه كان متأكِّد الاستحباب.
مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وجمهور العلماء استحباب فطر يوم عرفة بعرفة للحاج، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان بن عفان، وابن عمر، والثوري، قال: وكان ابن الزبير وعائشة يصومانه، وروي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص.
قوله في حديث حمزة بن عمرو الأسلمي «يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم» فيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن صوم الدهر وسرده غير مكروه لمن لا يخاف منه ضررًا، ولا يفوِّت به حقُّا، بشرط فطر يومي العيدين والتشريق.
قوله في حديث حمزة بن عمرو الأسلمي «يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم أفأصوم في السفر فقال صم إن شئت وأفطر إن شئت» فيه دلالة لمذهب الجمهور أن الصوم والفطر في السفر جائزان.
قوله ﷺ: «ليس من البر الصوم في السفر» معناه: إذا شقَّ عليكم وخفتم الضَّرر. وسياق الحديث يقتضي هذا التأويل.
قوله: «فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر» فيه دليل لمذهب الجمهور أنَّ الصوم والفطر في السفر جائزان، وفيه أنَّ المسافر له أنْ يصوم بعض رمضان دون بعض، ولا يلزمه بصوم بعضه إتمامه.
قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والأكثرون: الصوم في السفر أفضل لمن أطاقه بلا مشقة ظاهرة ولا ضرر، فإن تضرَّر به فالفطر أفضل، واحتجوا بصوم النبي ﷺ وعبد الله بن رواحة وغيرهما وبغير ذلك من الأحاديث، ولأنه يحصل به براءة الذمة في الحال.
اختلف العلماء في صوم رمضان في السَّفر، فقال بعض أهل الظاهر: لا يصح صوم رمضان في السفر، فإن صامه لم ينعقد، ويجب قضاؤه، لظاهر الآية، ولقوله ﷺ: «ليس من البر الصيام في السفر» ولحديث «أولئك العصاة» وقال جماهير العلماء وجميع أهل الفتوى: يجوز صومه في السَّفر وينعقد ويجزيه.
قوله ﷺ: «هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين» فيه حُجَّة لمذهبنا، ومذهب الجمهور، وأجمع عليه في الأعصار المتأخرة، وهو اشتراط التتابع في صيام هذين الشهرين -أي: في كفارة المُجامِع-.
قوله «أمر رجلًا أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا» لفظة «أو» هنا للتقسيم لا للتخيير، وتقديره: يعتق، أو يصوم إن عجز عن العتق، أو يُطعِم إن عجز عنهما.
وأما المجامع ناسيًا فلا يفطر، ولا كفارة عليه، هذا هو الصحيح من مذهبنا، وبه قال جمهور العلماء، دليلنا: أن الحديث صحَّ أن أكل الناسي لا يفطر والجماع في معناه، وأمَّا الأحاديث الواردة في الكفارة في الجماع فإنما هي في جماع العامد.
أجمع أهل هذه الأمصار على صحة صوم الجنب، سواء كان من احتلام أو جماع. وبه قال جماهير الصحابة والتابعين.
قولها: «يصبح جنبًا من غير حلم» الأشهر امتناع الاحتلام على الأنبياء لأنه من تلاعب الشياطين، وهم منزهون عنه.
عن عمر بن الخطاب، قال: قبَّلت وأنا صائم، فأتيت النبي ﷺ، فقلت: قبَّلت وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ: «أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم» ومعنى الحديث أن المضمضة مقدمة الشرب وقد علمتم أنها لا تفطر، وكذا القبلة مقدمة للجماع فلا تفطر.
قال القاضي: قد قال بإباحة القُبلة للصائم مطلقًا جماعة من الصحابة والتابعين وأحمد وإسحاق وداود، وكرهها على الإطلاق مالك، وقال ابن عباس وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشافعي: تكره للشاب دون الشيخ الكبير وهي رواية عن مالك.
قوله ﷺ: «إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» معناه: يجعل الله تعالى فِيَّ قوَّة الطاعم الشارب، وقيل: هو على ظاهره وأنه يطعم من طعام الجنة كرامة له، والصحيح الأول؛ لأنه لو أكل حقيقة لم يكن مواصلًا.
«كان رسول الله ﷺ في سفر في شهر رمضان، فلما غابت الشمس شرب» في هذا الحديث جواز الصوم في السفر وتفضيله على الفطر لمن لا تلحقه بالصوم مشقة ظاهرة، وفيه بيان انقضاء الصوم بمجرد غروب الشمس، واستحباب تعجيل الفطر.
قوله ﷺ: «تسحروا فإن في السحور بركة» البركة التي فيه ظاهرة؛ لأنَّه يقوِّي على الصيام، وينشط له، وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام لخفة المشقة فيه على المتسحر، فهذا هو الصواب المعتمد في معناه.
قوله ﷺ: «السحور» ضبطناه بفتح السين وضمها، فالمفتوح اسمٌ للمأكول، والمضموم اسمٌ للفعل، وكلاهما صحيح.
قوله ﷺ: «إن بلالًا يؤذِّن بليلٍ فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أمِّ مكتوم» فيه جواز الأكل والشرب والجماع وسائر الأشياء إلى طلوع الفجر.
قوله ﷺ: «إنَّ وسادك لعريض» قال القاضي: معناه إن جعلت تحت وسادك الخيطين الذين أرادهما الله تعالى وهما الليل والنهار فوسادك يعلوهما ويغطيهما وحينئذٍ يكون عريضًا.
قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} مع قوله ﷺ: «سواد الليل وبياض النهار» دليل على أنَّ ما بعد الفجر هو من النهار لا من الليل، ولا فاصل بينهما، وهذا مذهبنا وبه قال جماهير العلماء.
قوله ﷺ: «شهرا عيدٍ لا ينقصان» الأصح أنَّ معناه لا ينقص أجرهما والثواب المرتب عليهما وإن نقص عددهما.
قوله ﷺ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» يكفي جميع الناس رؤية عدلَين، وكذا عدل على الأصح، هذا في الصوم، وأما الفطر فلا يجوز بشهادة عدلٍ واحد على هلال شوال عند جميع العلماء، إلا أبا ثور فجوَّزه بعدل.
قال المازَري: حمل جمهور الفقهاء قوله ﷺ: «فاقدروا له» على أن المراد إكمال العدَّة ثلاثين. ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجِّمين؛ لأن الناس لو كُلِّفوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم.
قولهم إن «رمضان» اسم من أسماء الله تعالى ليس بصحيح، ولم يصح في شيء، وإن كان قد جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تُطلَق إلا بدليل صحيح.
قوله ﷺ: «إذا جاء رمضان» فيه دليل للمذهب الصَّحيح المُختَار الذي ذهب إليه البخاري والمحقِّقون: أنَّه يجوز أن يُقَال: «رمضان» من غير ذِكر الشهر بلا كراهة.
