الخزانة السادسة..
• حكم الربا:
الربا من كبائر الذنوب، ومن السبع الموبقات، وهو محرم في جميع الشرائع الإلهية، لما فيه من الضرر العظيم، فهو يسبب العداوة بين الناس، ويؤدي إلى تضخم المال على حساب سلب مال الفقير، وفيه ظلم للمحتاج، وتسلط الغني على الفقير، وإغلاق باب الصدقة والإحسان بين الناس، وقتل مشاعر الشفقة في الإنسان، حيث ينطبع قلب المرابي على الأثرة والبخل، وضيق الصدر، وقساوة القلب والعبودية للمال.
والربا أكل لأموال الناس بالباطل، وفيه تعطيل للمكاسب والتجارة والصناعات التي يحتاجها الناس، فالمرابي يزيد ماله بدون تعب، فيترك التجارة والمصالح التي ينتفع بها الناس.
وما أحد أكثر من المعاملات الربوية إلا كانت عاقبة أمره إلى قلة وهم وذلة، ولخطورة الربا على الأفراد والأمم والدول،أعلن الله الحرب على أكله وموكله ولعن رسول الله ﷺأكله وموكله وكاتبه وشاهديه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ».
متفق عليه (١).
وعن جابر ﵁ قال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ».
أخرجه مسلم (٢).
• أقسام الربا
ينقسم الربا إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ربا النسيئة، وهو الزيادة التي يأخذها البائع من المشتري مقابل التأجيل، كأن يعطيه ألف ريال نقدًا على أن يرده عليه بعد سنة ألفًا ومائتين مثلا، ومنه قلب الدين على المعسر، بأن يكون له مال مؤجل على رجل، فإذا حل الأجل قال له أتقضي أم تربي، فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل، وزاد هذا في المال، فيتضاعف المال في ذمة المدين، وهذا هو أصل الربا في الجاهلية فحرمه الله ﷿، وأوجب إنضار المعسر، وهو أخطر أنواع الربا، لعظيم ضرره، وقد اجتمع فيه الربا بأنواعه ربا النسيئة، وربا الفضل، وربا القرض.
ومنه ما كان في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل، مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما كبيع الذهب بالذهب، والبر بالبر، ونحوهما وكذا بيع جنس بآخر من هذه الأجناس مؤجلة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣٢].
الثاني: ربا الفضل، وهو بيع النقود بالنقود مع الزيادة، أو الطعام بالطعام مع الزيادة، وهو محرم، وقد نص الشرع على تحريمه في ستة أشياء.
عن عبادة بن الصامت ﵁ قال قال رسول الله ﷺ:«الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ».
أخرجه مسلم.
ويقاس على هذه الأصناف الستة كل ما وافقها في العلة، والعلة في الذهب والفضة السمنية، وفي الأربعة الباقية الكيل والطعم، أو الوزن والطعم، والمكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان أهل مكة، وما لم يوجد فيهما يرجع فيه إلى العرف، وكل شيء حرم فيه ربا الفضل، حرم فيه ربا النسيئة.
• أحكام ربا الفضل:
أولًا: إذا كان البيع في جنس واحد ربوي، حرم فيه التفاضل والتأجيل، كأن يبيع أحد ذهباً بذهب أو براً ببر أو نحوهما، فيشترط لصحة هذا البيع أمران: التساوي في الكمية، والثاني القبض في الحال، لاتفاق البدلين في الجنس والعلة.
ثانيًا: إذا كان البيع في جنسين اتفقا في علة ربا الفضل، واختلفا في الجنس، حرم التأجيل، وجاز التفاضل كأن يبيع ذهباً بفضة، أو براً بشعير ونحوهما فيجوز البيع مع التفاضل، إذا كان القبض في الحال يد بيد، لأنهما اختلفا في الجنس، واتحدا في العلة.
ثالثًا: إذا كان البيع بين جنسين ربويين لم يتفقا في العلة، جاز التفاضل، وجاز التأجيل، كأن يبيع طعامًا بفضة، أو طعامًا بذهب ونحوهما، فيجوز التفاضل والتأجيل، لاختلاف البدلين في الجنس والعلة.
رابعًا: إذا كان البيع بين جنسين ليسا ربويين، جاز الفضل والنسيئة، كأن يبيع بعيرًا ببعيرين أو ثوباً بثوبين، فيجوز التفاضل والتأجيل، لأنهما ليسا ربويين.
خامسًا: لا يجوز بيع أحد نوعي جنس بالآخر إلا أن يكونوا في مستوى واحد في الصفة، فلا يباع الرطب بالتمر، لأن الرطب ينقص إذا جف، فيحصل التفاضل المحرم وذلك هو الربا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الثالث: ربا القرض، وصفته أن يقرض الإنسان أحدا شيئا، ويشترط عليه أن يرده أفضل منه، أو يشترط عليه نفعًا ما، نحو أن يسكنه داره شهرًا مثلا، وهو حرام لما فيه من استغلال حاجات الناس وظلمهم، فإن لم يشترط شيئا، وبدل المقترض النفع أو الزيادة بنفسه، جاز، وأجر وأحسن إلى أخيه كما أحسن إليه وخيار الناس أحسنهم قضاء، كما قال سبحانه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠].
وكل زيادة على الدين الذي حل أجله، وعجز المدين عن الوفاء به، مقابل تأجيله ربا لا يجوز، وكذا الزيادة على القرض منذ بداية العقد من الربا المحرم شرعا، وجميع الفوائد البنكية على المعاملات والقروض وغيرها من الربا المحرم، لا يجوز دفعه ولا أخذه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠].
• حكم الفوائد التي تأخذها البنوك والمصارف:
الفوائد التي تأخذها البنوك والمصارف اليوم على القروض من الربا المحرم، والفوائد التي تدفعها البنوك، مقابل الإيداع، ربا لا يحل لأحد أن يأخذها، لأن ذلك يجلب الخسائر لا الفوائد، وهو كسب خبيث فا «اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا».
أخرجه مسلم.
والبنوك والمصارف إنما تسمي الربا فوائد، لتموه على الناس،وترغبهم في أكل الحرام: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٦].
[حكم بيع الذهب المصوغ]
لا يجوز بيع المصوغ من الذهب أو الفضة بجنسه متفاضلاً، لأجل الصنعة لأحد العوضين، لكن يبيع ما معه من الذهب بالدراهم، ثم يشتري المصوغ.
• حكم التعامل بالبطاقات المصرفية:
يجوز التعامل ببطاقة الخصم الفوري عند البيع أو الشراء أو السداد، ويجوز التعامل ببطاقة الاعتماد، وبطاقة الائتمان، إذا التزم المستفيد بالسداد في الوقت المحدد، وللجهة المصدرة أخذ رسوم مقابل منحها، لأنها من باب أخذ أجرة على الضمان، فهي أجرة في مقابل منفعة، ولا يجوز لها أخذ فائدة بعد نهاية المدة المحددة لصاحب البطاقة، لأن ذلك من الربا المحرم.
• حكم الإيداع في البنوك الربوية
يجب على المسلمين إذا احتاجوا الإيداع والتحويل بواسطة المصارف الإسلامية، فإن لم توجد جاز للضرورة الإيداع في غيرها، لكن بدون فائدة ربوية، والتحويل من غيرها، ما لم يخالف الشرع.
ثانيًا: يحرم على المسلم العمل في أي بنك أو مؤسسة تأخذ أو تعطي الربا، والمال الذي يأخذه العامل فيه، سحت يحاسب عليه يوم القيامة، سواء باشر العمل الربوي أم لا:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
[حكم أخذ الربا]
إذا أودع المسلم أمواله في بنوك ربوية، ثم أعطوه فوائد ربوية على ماله، فلا يجوز له أخذها، لأنها سحت، وكسب خبيث، ولا يجوز له الانتفاع بها، لأنها كسب خبيث، والله طيب لا يقبل إلا طيبا، والحل أن يتركه ولا يأخذه منهم وإن صرفوه في محرم، أو في حرب المسلمين، فأنت لم تأمرهم بذلك، ولم تعطهم إياه، لأنك لم تملكه، ومن أخذه عرض نفسه للعقوبة، وعصي ربه، فأكل الربا من كبائر الذنوب، وقد أعلن الله الحرب على آكل الربا، فيحرم الربا عطاء وأخذاً، سواء كان قليلاً أو كثيرا، وعاقبتة أبدا المحق، والحرب من الله ورسوله كما حصل ويحصل في كل مكان،وفي كل زمان: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].
[حكم الأموال الربوية بعد التوبة]
إذا من الله ﷿ على المرابي، وتاب إلى الله ﷿، وله أو عنده أموال مجتمعة من الربا، ويريد التخلص منها فلا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون الربا له في ذمم الناس لم يقبضه، فهذا يأخذ رأس ماله، ويترك ما زاد عليه من الربا.
الثانية: أن تكون أموال الربا مقبوضة عنده فهذا له حالتان:
إحداهما: أن يكون جاهلا بأن هذه المعاملة محرمة، فتكون الأموال له، ولا شيء عليه، كحديث عهد الإسلام،ومن عاش في بادية بعيدة: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥].
الثانية: أن يكون عالما بحرمة المعاملة الربوية، ثم تاب منها صادقا، فهي له لأن الله لم يأمر برد الربا، وإنما أمر بعدم أخذه مستقبلًا، ومن تاب من أكل الربا فليس له إلا رأس ماله، ورأس ماله هو ماله الأصلي، وما قبضه من أموال قبل التوبة، فمن رأس ماله مائة أو آلاف، ثم صارت بعد سنين ملايين من الريالات ثم من الله عليه بتوبة نصوح، فإن التوبة تجب ما قبلها كما أن الإسلام يجب ما قبله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].
***
مختارات
