الخزانة الخامسة..
• مقاصد الإسلام الكبرى:
من مقاصد الإسلام الكبرى هداية الناس إلى الحق فقد أنزل الله القرآن الكريم هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
وقال ﷿: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ومن آمن بذلك وجب عليه أن يهتدي بالقرآن ويحكم أوامره في حياته ويتأدب بآدابه ويصدق أخباره ويمتثل لأوامره: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
فمن آمن بالقرآن وصدق بأخباره وعمل بأحكامه، حصلت الهداية له والبركة في عمره وأعماله، وفي جميع أحواله:﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
ومن مقاصد القرآن تقرير التوحيد ونفي ضده وهو الشرك،كما قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
والقرآن كله دعوة للتوحيد ونهي عن الشرك، فلابد لكل عبد من إخلاص العمل لله، ولابد له من أدائه على ما جاء به رسول الله ﷺ فلابد من هذين التوحيدين.
توحيد القصد: وهو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك.
وتوحيد الإتباع: للرسول ﷺ.
إذا تحقق التوحيدان صحت الأعمال، وإذا اختل أحدهما فإنه يختل من عمل العبد بقدر ما اختل من توحيده: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله ﷿: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
فأصل الدين كله عبادة الله وحده لا شريك له الرب العظيم المتفرد بالخلق والأمر المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الحميدة والمثل الأعلى، المتفرد بالنعم الظاهرة والباطنة، المتفرد بصفات العظمة والمجد وصفات الجلال والجمال، المتفرد بالحكم والأمر القدري والشرعي والجزائي.
فمن له هذا الكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه أحد هو أحق من أخلصت له الأعمال الظاهرة والباطنة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
فكل خير عاجل أو آجل فإنه من ثمرات التوحيد، وكل شر عاجل أو آجل فأنه من ثمرات ضده: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
ومن مقاصد الإسلام الكبرى تقرير نبوة محمد ﷺ فقد قرر الله ﷿ نبوة محمد ﷺ بطرق كثيرة متنوعة يعرف بها كمال صدقه ﷺ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
فأخبر سبحانه أن رسوله صدق المرسلين ودعا إلى ما دعوا إليه وأن جميع المحاسن التي في الأنبياء جمعها الله في محمد ﷺ سيد الأنبياء والمرسلين وما نزهوا عنه من النواقص والعيوب فمحمد ﷺ أولاهم به.
وبين الله أن كتابه وشريعته اجتمع فيها الكمال والحسن الذي في الكتب السابقة وفاق عليها وهيمن عليها بمحاسن لم توجد في غيره وبين الله أن رسوله ﷺ نبي أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا جالس أحدًا من علماء الكتب السابقة وأنه جاء بكتاب عظيم لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لم يقدروا كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].
وقص الله ﷿: في القرآن قصص الأنبياء قبله، وذكر أخبار خمسة وعشرين نبيًا ورسولًا كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وغيرهم مما هو مذكور في القرآن، وتارة يقرر نبوة النبي ﷺ بنصره على أعدائه وغلبته في الأرض وذلك من آيات نبوته بما هو عليه من الأخلاق الجميلة التي قامت التي فاقت نعوت جميع الخلق: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وتارة يقررها بما هو موجود في كتب الأولين من اسمه وصفاته وتارة يقررها بما أخبر به من الغيوب الماضية والمستقبلة، وتارة يقررها بحفظه رسوله ﷺ وعصمته من الخلق مع تكالب الأعداء عليه، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].
وتارةً يقرر رسالته ﷺ بذكر أعظم ما جاء به، وهو القرآن العظيم الذي تحدى به الخلق أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة واحدة فعجزوا، وهذا أكبر الأدلة على صحة رسالته: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
وتارة يقرر نبوته بما يظهر على يديه من المعجزات التي تدل على أنه رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وتارة يقرر رسالته ﷺ بعظيم شفقته على الخلق ورأفته ورحمته بالمؤمنين، وأنه لم يوجد ولن يولد أحد أعظم رحمةً ورأفةً وبرًا وإحسانًا إلى الخلق منه، فصلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
• ومن أعظم المقاصد للقرآن الكريم:
تقدير المعاد، فالله ﷾-ذكر في القرآن الأصول العظيمة وهي:
١ - أمر التوحيد.
٢ - وأمر الرسالة.
٣ - وأمر المعاد.
وفصل ذلك أيما تفصيل وبينه أعظ بيان وقد ذكر الله ﷿أمر المعاد بطرق متنوعة فبين أن الذي خلق الكون قادر على إعادته: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨١ - ٨٢].
وبين أن الذي خلق الإنسان قادر على إعادته إذا مات، وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يقسم على وقوع المعاد في ثلاثة مواضع، كما قال سبحانه: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس: ٥٣].
وقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣].
وقوله ﷿: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ [التغابن: ٧ - ٩].
ومنها إحياؤه ﷻ الأرض بعد موتها فالذي أحياها سيحيي الموتى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧]
وقرر ذلك بكمال علمه وحكمته وأنه لا يليق به أن يخلق الأرض سدًى مهملين يؤمرون ولا ينهون ولا يثابون ولا يعاقبون: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]
وكذلك قرر البعث بمجازاة المحسنين ومعاقبة المسيئين من الأمم السابقة وكيف أنجا الله الأنبياء وأهلك المكذبين لهم فهذا جزاء معجل ونموذج من جزاء الآخرة: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وكما أظهر الله قدرته في إحياء الأموات في الدنيا، كما أحيا الله الألوف من بني إسرائيل: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩].
فالله بين أحوال البعث وكررها في القرآن لقوة وكثرة المنازع والمكابر والمعاند والمنكر، فكل ما قوي الإنكار وكثر المعاند كرر الله إثبات المعاد رادعًا له.
وكذا أكثر الله من ذكر اليوم الآخر لأهمية اليوم الآخر لأن من آمن باليوم الآخر آمن وعمل بالطاعات واجتنب المعاصي والسيئات، ومن لم يؤمن به فلم يعمل؛ فلهذين السببين أكثر الله من ذكر البعث في القرآن ليقبل الناس على عبادة الله وحده لا شريك له واجتناب عبادة من سوا:﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
ومن مقاصد القرآن الكبرى ترغيب المؤمنين في كل عمل صالح وتحذيرهم من كل عمل سيء، فطريقة القرآن في أمر المؤمنين وخطابهم بالأحكام الشرعية أحسن طريقة فقد أمر الله المؤمنين بالدعوة إلى سبيله بالتي هي أحسن وأكثر ما يدعو الله المؤمنين إلى الخير وينهاهم عن الشر بالوصف الذي منّ به عليهم وهو الإيمان فيقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ [الأنفال: ٢٠].
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وذلك ليحثهم على القيام بلوازم الإيمان ومكملاته وما يقتضيه الإيمان من وجوب امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه والتخلق بكل خلق حسن.
فالأول: دعوة لهم ليكمله إيمانهم بشرائع الظاهرة والباطنة.
والثاني: دعوة الله إلى شكر النعمة الإيمان بالانقياد التام لأمر الله ونهيه.
وتارة يدعو المؤمنين إلى الخير وينهاهم عن الشر بذكر آثار الخير وعواقبه الحميدة العاجلة والآجلة، وبذكر آثار الشر وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
وقال ﷿: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ ا [الانفطار: ١٣ - ١٤].
وتارةً يدعوهم إلى الإيمان والعمل الصالح بذكر نعمه المتنوعة، وأن النعمة تقتضي منهم شكر من أنعم بها وشكرها هو طاعة من أنعم بها: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وتارة يدعوهم إلى ذلك بالترغيب والترهيب وبذكر ما أعد الله للمؤمنين من الثواب، وما أعد للكافرين والعصاة من العقاب، وكما قال ﷾: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
قال ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨].
وتارةً يدعوهم إلى ذلك بذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله، وما له من الحق العظيم على عباده الذين خلقهم ورزقهم وهداهم، وأن حقه أن يقوموا بعبادته وحده لا شريك له فالعبادة بأنواعها كلها مقصودها تعظيم الله وتكبيره وحبه وتوحيده وطاعته وعبادته وحده لا شريك له: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
وتارةً يحثهم على ذلك ويرغبهم في الاقتداء بمن سبقهم من الأنبياء والرسل، ويحذرهم من التشبه بالكفار وأهل الغفلة والفسق لئلا يلحقهم من اللوم والعذاب ما لحق أولئك،كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر: ١٨ - ٢٠].
ومن أعظم مقاصد القرآن أنه يقرر دعوة الكفار إلى الإسلام على اختلافهم بطرقٍ متنوعة، فيدعوهم إلى الإسلام بذكر محاسن الدين، وذكر محاسن النبي ﷺ، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
وقال ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
ويدعوهم تارةً إلى الإسلام بذكر أسماء الله الحسنى وصفاته العلا وأفعاله الحميدة وذكر آلاءه ونعمه الظاهرة والباطنة،ويبين لهم إن الملك الحق الخالق لكل شيء هو الذي يجب على العباد طاعته وعبادته وحده لا شريك له بامتثال أوامره واجتناب نواهيه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال الله ﷿: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
وتارة يدعوهم بما يخوفهم به من عقوبات الدنيا وعقوبات الآخرة، ويذكر أخذه الأمم الكافرة بالعذاب المهلك:﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].
وتارةً يدعوهم إلى الإسلام ببيان ما في الأديان والمذاهب الباطلة من أنواع الشرور والعواقب الخبيثة ويحذرهم من طاعة رؤساء الشر والفساد ودعاة النار، ويبين ما في الأديان والمذاهب والمناهج الباطلة من القبح والسوء ليبين الحق من الباطل: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].
ويدعوهم بالتي هي أحسن فإذا أصروا على العناد والمكابرة الظاهرة توعدهم بالعقوبات الصوارم، كما قال سبحانه:﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].
وبين الله ﷿ في القرآن أن الكفار لم يعرضوا عن الدين جهلًا وضلالًا وإنما ذلك جحودُ وعنادُ ومكابرة: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣].
ويبين القرآن الأسباب التي منعت الكفار من إتباع الهدى وأنها دياثاتُ وشهواتُ وأغراضُ نفسية: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤].
وبين أن الكفار لما آثروا الباطل على الحق طبع الله على قلوبهم وختم عليها وسد عليهم طرق الهدى عقوبة لهم على أعراضهم عن الدين، وتوليهم الشيطان وتخليهم عن ولاية الرحمن، فولاهم ما تولوا وطبع على قلوبهم فلا يدخل فيها خير ولا يخرج منها خير: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٥].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٦ - ٧].
وقال الله ﷿: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١)﴾ [الأعراف: ١٠١].
ومن مقاصد القرآن العظيم إن الله ﷿ بين في القرآن أنواع الدلالات التي هي من أنفع أنواع العلم، وإن الدلالات ثلاث:
١ - دلالة مطابقة.
٢ - دلالة تضمن.
٣ - دلالة التزام.
فدلالة المطابقة: هي دلالة اللفظ على جميع معناها.
ودلالة التضمن: دلالة اللفظ على جزء من معناه.
ودلالة الالتزام: دلالة اللفظ على لازم معناه.
ومثال ذلك: إذا قلت هذه دار، أو قلت هذا جبل، أو هذا بحر، ونحو ذلك.
فدلالة هذه الكلمة على ما في الدار من الغرف والأبواب والحمامات دلالة مطابقة، ودلالتها على كل غرفة بمفردها دلالة تضمن، ودلالتها على أن لهذه الدار بانيًا دلالة التزام.
وهذه القاعدة العظيمة من انفع أبواب العلم، والطريق إلى سلوك هذا الأصل النافع إن يفهم المسلم ما دل عليه اللفظ من المعاني، ثم يفهم ما يترتب عليها وما يتفرع منها وما يجنى عليها وما يشترط لها وما يتوقف عليها، فأن القرآن حق ولازم الحقِ حق، وما يتوقف على الحقِ حق، وما يتفرع على الحقِ حق، ومن عرف هذا انفتحت له أبواب العلوم كلها: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» أخرجه البخاري.
فمثلًا في أسماء الله الحسنى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
فاسم الله الرحمن الرحيم يدل بلفظه على وصف الله بالرحمة المطلقة، وسعة رحمته لجميع خلقه، وأن الرحمة صفةٌ ذاتية لا تنفك عنه وهذا الوصف يدل بلزومه على كمال حياة الله وقدرته وعلمه وإحاطته ونفوذ مشيئته وكمال حكمته، ثم استدللت بسعة رحمته على أن شرعه نورُ رحمةُ وهدى ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
ولهذا يعلل الله كثيرًا من الأحكام الشرعية برحمته وإحسانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
والأمر بالصلاة والزكاة والصوم مثلًا أمرُ بها، وأمرُ بما لا يتم الواجب إلا به، وكذا الأمر بالجهاد من لازمه الأمر بكل ما لا يتم الجهاد إلا به، وكذا الأمر بإعداد ما نستطيع من قوة فإنها تتناول كل قوة عقلية وبدنية وسياسية ومالية وأسلحة، وكل أمر ينفع الناس القرآن يأمر به ولا يمنعه بل يدل عليه لمن أحسن الاستدلال به.
وهذا من آيات القرآن وأكبر براهينه ووسائل الأمر المشروع مشروعة، فالأقلامُ والأوراقُ للكتابة، والمسجل والكهرباء والهاتف وغيرها وسائل لغيرها.
فالوسائل لها أحكام المقاصد، أما البدعة فهي مقصودة لذاتها كمن تعبد لله بصلاة أو صوم على خلاف أمر الشرع،والقرآن لا يمكن أن يعارض بعضه بعضًا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
وقال الله ﷿: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
***
مختارات
