قصة نوح عليه السلام..
مكث البشر بعد آدم قرونًا طويلة وهم أمة واحدة على الهدى، ثم اختلفوا، وأدخلت عليهم الشياطين الشرور المتنوعة بطرق كثيرة، فكان قوم نوح قد مات منهم أناس صالحون، فحزنوا عليهم، فجاءهم الشيطان فأمرهم أن يصوّروا تماثيلهم؛ ليتسلَّوْا بها وليتذكَّروا بها أحوالهم، فكان هذا مبتدأ الشر، فلما هلك الذين صوَّروهم لهذا المعنى جاء مَنْ بعدهم وقد اضمحل العلم، فقال لهم الشيطان: إن هؤلاء وَدًّا وسُواعًا ويَغوثَ ويَعُوق ونَسْرًا؛ قد كان أوَّلوكم يدعونهم ويستشفعون بهم، وبهم يُسْقَوْن الغيث وتزول الأمراض، فلم يَزَلْ بهم حتى انهمكوا في عبادتهم على رغم نُصح الناصحين، ثم بعث الله فيهم نوحًا ﵇ يعرفونه ويعرفون صدقه وأمانته وكمال أخلاقه، فقال: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]،ورغَّبهم في خير الدنيا والآخرة فقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٢ - ٤] فلما بادأهم بالأمر بالإخلاص لله، وتسفيه آرائهم، وتخويفهم بعقوبات الدنيا والآخرة، قالوا: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧]، وطلبوا منه أن يطرد مَنْ كان معه من المؤمنين؛ استكبارًا منهم، واستنكافًا عن الحق وعلى الخلق، فبيّن لهم أنه ليس به ضلال، وإنما به تزول الضلالة عن الخلق، وأنه رسول أمين على بينة من ربه وبراهين واضحة، وأن المؤمنين لا يحل طردهم، بل حقهم الإكرام والاحترام، وأنه لا يدعي لهم طورًا يزاحم فيه الرب، فقال: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [هود: ٣١]، فلم يَزَلْ يدعوهم ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهرًا، فلم يَزِدْهُم دعاؤه إلا فرارًا ونفورًا، وإعراضًا، وتواصيًا منهم على الإقامة على ما هم عليه من عبادة غير الله والتمسك بها، فقال نوح: ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا * وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢١ - ٢٣]، فلما رأى أن التذكير لا ينفع فيهم بوجه من الوجوه، وأنه كلما جاء قرن كان أخبث مما قبله، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧]، فأجاب الله دعوته، وأمره أن يصنع الفُلْك برعاية منه وحُسْن نظر، وتعليم من الله له هذه الصنعة التي امتنّ الله بها على العباد، وصار نوح له الفضل والابتداء بهذه الصناعة التي حصل بها من المنافع الدينية والدنيوية في جميع الأوقات ما لا يُعَدُّ ولا يُحْصَى، وأخبره الله بتحتم إغراقهم، وأنه لا يخاطب ربه فيهم فإنهم ظالمون، وجعل يصنع الفلك، وكلما مرّ عليه ملأ من قومه سخروا منه،فقال لهم: إن تسخروا منا اليوم فإنا نسخر منكم إذا وقع الهلاك بكم.
وأوحى الله إليه أنه إذا جاء ذلك الوقت وفار التنُّور (١)، أي: جعلت الأرض كلها تتفجر عيونًا من كل جانب حتى المواضع البعيدة عن النار عادةً، وأمره أن يحمل من البهائم من كلّ زوجين اثنين؛ ذكر وأنثى، ليبقى نسلها؛ لأنه يتعذّر حَمْلُها كلها، والحكمة تقتضي إبقاء هذه الحيوانات التي خلقها الله مسخَّرة لمصالح البشر،ويحمل معه جميع مَنْ آمن من رجال ونساء، والحال أنه ما آمن معه إلا قليل، وأمره أن يحمل أهله إلا من سبق عليه القول بالهلاك، فلما أركب جميع من أُمر بهم قال لهم: سموا الله كلما جَرَتْ وكلما رَسَتْ؛ لأن الأسباب مهما عظمت فهي من لطف الله، ولا تمام لها إلا بالله.
فحينئذ فجَّر الله الأرض عيونًا، وأمر السماء أن تصب الماء المنهمر الكثير، فالتقت مياه السماء بمياه الأرض، وساحت على الأماكن المنخفضة، ثم ارتفعت شيئًا فشيئًا على كل المرتفعات حتى خفيت قمم الجبال الشاهقة، والسفينة تجري بهم في موج كالجبال تضرب يمينًا وشمالًا، وفي تلك الحال المزعجة رأى نوحٌ ابنه الكافر الذي كان على دين قومه وقد اعتزل أباه حتى في هذه الحال، فرآه مثل سائر قومه قد فرَّ هاربًا من المياه الجارفة، فناداه نوح مترفقًا فقال: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَب مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢]، فتمادى به الغرور في تلك الحال التي تنقشع فيها الغياهب إلا عن القلوب المحجوبة، فقال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣]، لم يخطر ببالهم أن المياه سترتفع فوق رؤوس الجبال، فقال له نوح: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] فلا يعصم جبل ولا حصن ولا غير ذلك إلا من رحم الله، ورحمته في تلك الحال متعينة في ركوب السفينة مع نوح.
﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ [هود: ٤٣] فكان ذلك الابن من المُغرقين.
فأغرق الله جميع الكافرين، ونجَّى نوحًا ومن معه أجمعين، وكان في ذلك آية على أن ما جاء به نوح من التوحيد والرسالة والبعث والدين حق، وأن مَنْ خالفَه فإنه مُبْطل، ودليل على الجزاء في الدنيا لأهل الإيمان بالنجاة والكرامة، ولأهل الكفر بالهلاك والإهانة.
فلما حصل هذا المقصود العظيم أمر الله السماء أن تُقْلِع عن الماء، والأرض أن تبلع ما فيها، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود: ٤٤] أي: نقص شيئًا فشيئًا،واستوت السفينة بعد غَيْضِ (٢) الماء على الجُودِيِّ، وهو جبل شامخ معروف في نواحي الموصل.
وهذا دليل على أن جميع الجبال قد غمرتها المياه وجاوزها الطوفان، وحزن نوح على ابنه، فقال مناديًا ربه مترققًا متضرعًا يا رب: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥] أن أحمل معي أهلي وأنت أرحم الراحمين، فقال له ربه:﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] أي: الموعود بنجاتهم؛لأن الله قيد ذلك بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠]، ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] أي: هذا الدعاء لابنك الذي على دين قومه بالنجاة.
﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]، وهذا عتاب منه لنوح، وتعليم له، وموعظة عن مثل هذا الدعاء الذي إنما حمله عليه الشفقة الأبوية، وإنما الواجب في الدعاء أن يكون الحامل له العلم والإخلاص في طلب رضا الله تعالى، فقال نوح: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّن مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: ٤٧ - ٤٨] فهبط، وبارك الله في ذريته، وجعل ذريته هم الباقين؛ فكان أولاده يافث ملأ المشرق من الذرية، وحام ملأ المغرب من النسل، وسام ملأ ما بين ذلك، ومكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، ومكث بعد هلاكهم ما شاء الله، وكان من أولي العزم من المرسلين، ومن الخمسة الذين تدور عليهم الشفاعة يوم القيامة، وهو أول الرسل إلى الناس، وهو الأب الثاني للبشر، ﷺ تسليمًا.
* * *
(١) التنُّور: قيل: هو وجه الأرض، وقيل: مكان النار الذي يُخْبَز فيه.
(٢) أي: نقصه وذهابه.
مختارات

