فقه الإيمان بالقضاء والقدر (١)
قال الله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)} [القمر: ٤٩، ٥٠].
وقال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)} [الحديد: ٢٢، ٢٣].
القدر: هو علم الله تبارك وتعالى بكل شيء، وبكل ما أراد إيجاده أو وقوعه من الخلائق، والعوالم، والأحداث، والأشياء، وتقدير ذلك وكتابته في اللوح المحفوظ.
والقدر سر الله في خلقه لم يطلع عليه ملك مقرب، ولا نبي مرسل.
والإيمان بالقدر:
هو التصديق الجازم بأن كل ما يقع في هذا الكون، وكل ما يقع من الخير والشر فهو بقضاء الله وقدره.
لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، وهو الحكيم العليم.
وأحكام الله على عباده ثلاثة أقسام:
أحدها: الحكم الكوني القدري الذي يجري على العبد بغير اختياره، ولا طاقة له بدفعه، ولا حيلة له في منازعته، كطوله ولونه، وكونه ذكراً أو أنثى، والأحداث والمصائب التي تجري بغير اختياره كالزلازل والبراكين والعواصف ونحوها.
فهذا حقه أن يتلقى بالاستسلام والمسالمة، وترك المخاصمة، وأن يكون فيه العبد كالميت بين يدي الغاسل.
وعليه فيه عبوديات أخرى:
وهي أن يشهد عزة الحاكم في حكمه.
وعدله في قضائه.
وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه.
وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وأن الكتاب الأول سبق بذلك قبل بدء الخليقة.
فقد جف القلم بما سيلقاه كل عبد.
فمن رضي فله الرضى.
ومن سخط فله السخط.
ويشهد أن القدر ما أصابه.
إلا لحكمة اقتضاها اسم الحكيم جل جلاله.
وأن القدر قد أصاب مواقعه.
وحل في المحل الذي ينبغي له أن ينزل به.
وأن ذلك موجب أسمائه وصفاته، وحكمه وعدله.
فله عليه أكمل حمد وأتمه كما له الحمد على جميع أفعاله وأوامره.
الثاني: الحكم الكوني القدري الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة كقدر المرض والجوع والعطش.
فهذا حقه أن يدافع وينازع بكل ممكن، ولا يسالم البتة، بل ينازع بالحك الكوني أيضاً، فينازع حكم الحق بالحق للحق، فيكون منازعاً للقدر، لا واقفاً مع القدر، ويفر من قدر الله إلى قدر الله كما أمر الله، ويدفع قدر الله بقدر الله.
فإذا جاء قدر الله من الجوع أو العطش، أو البرد أو الحر، أو الألم أو المرض، دفعه بقدر آخر من الأكل والشرب واللباس والدواء.
وهكذا لو وقع حريق في داره، فهو بقدر الله فلا يستسلم له، بل ينازعه ويدافعه ويطفئه بالماء أو غيره، حتى يطفئ قدر الله بقدر الله، وما خرج في ذلك عن قدر الله.
وهكذا لو أصابه مرض بقدر الله دافع هذا القدر ونازعه بقدر آخر، يستعمل فيه الأدوية الدافعة للمرض كما أمر الله.
فحق هذا الحكم الكوني القدري أن يحرص العبد على مدافعته ومنازعته بكل ما يمكنه من الأسباب التي نصبها الله وأمر بها.
فيكون قد دفع القدر بالقدر، ونازع الحكم بالحكم، وبهذا أمر، بل هذا حقيقة الشرع والقدر.
فلو أن عدواً للإسلام قصده لكان هذا بقدر الله، ويجب على المسلم دفع هذا القدر بقدر يحبه الله ويأمر به وهو الجهاد في سبيل الله بيده وماله وقلبه، دفعاً لقدر الله بقدر الله.
الثالث: الحكم الديني الشرعي، وهو الدين الذي شرعه الله لعباده.
فهذا حقه أن يتلقى بالتسليم والقبول، بل بالانقياد المحض وترك المنازعة.
وهذا تسليم العبودية المحضة، فلا يعارض ولا يرى إلى خلافه سبيلاً البتة، وإنما هو الانقياد التام، والتسليم والإذعان، والقبول لما جاء به الله ورسوله.
وهذه حقيقة القلب السليم الذي سلم من كل شبهة تعارض إيمانه وإقراره، وسلم من كل شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه.
فهذا حق الحكم الديني: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)} [الأحزاب: ٣٦].
والطاعات والمعاصي كلها واقعة بقضاء الله وقدره، وكلها عدل، والدل وضع الشيء في موضعه، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، كتعذيب المطيع، ومن لا ذنب له، فهذا قد نزّه الله نفسه عنه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)} [النساء: ٤٠].
والله سبحانه وإن أضل من شاء، وقضى بالمعصية والغي على من شاء، فذلك محض العدل فيه، لأنه وضع الإضلال والخذلان في موضعه اللائق به، كما وضع الهداية والنصر في موضعه اللائق به.
فأفعاله سبحانه كلها حق وعدل، وسداد وصواب.
والله سبحانه قد أوضح السبل.
وأرسل الرسل.
وأنزل الكتب.
وأزاح العلل.
ومكن من أسباب الهداية والطاعة بالأسماع والأبصار والعقول.
وهذا عدله.
ووفق جل وعلا من شاء بمزيد عناية، وأراد من نفسه أن يعينه ويوفقه، فهذا فضله وإحسانه.
وخذل من ليس بأهل لتوفيقه وفضله، وخلى بينه وبين نفسه، ولم يرد سبحانه من نفسه أن يوفقه، فقطع عنه فضله، ولم يحرمه عدله:
إما جزاءً منه للعبد على إعراضه عنه، وإيثاره عدوه عليه في الطاعة، وتناسى ذكره وشكره، فهو أهل أن يخذله ويتخلى عنه كما قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)} [الأنعام: ٥٣].
وإما أن لا يشاء الله له الهداية ابتداء، لعلمه منه سبحانه أنه لا يعرف قدر نعمة الهداية، ولا يشكره عليها، ولا يثني عليه بها ولا يحبه، فلا يشاؤها له لعدم صلاحية محله لها ما قال سبحانه: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)} [الأنفال: ٢٣].
فإذا قضى الله عزَّ وجلَّ على هذه النفوس بالضلال والمعصية، كان ذلك محض العدل، كما قضى على الحية والعقرب بأن تقتل، وذلك محض الإحسان والعدل، وإن كان مخلوقاً على هذه الصفة لحكمة يعلمها الله.
وبسبب الجهل، وقلة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله.
كثير من الخلق غير راض عن الله عزَّ وجلَّ.
معترض على أسمائه وصفاته.
وعلى دينه وشرعه.
وعلى قضائه وقدره.
حتى قال بعضهم: أرأيت إن منعني الله الهدى، وقضى علي بالردى، أحسن إلي أم أساء؟.
فهذا وأمثاله يقال له: إن منعك الله ما هو لك فقد ظلم وأساء، وإن منعك ما هو له فهو يختص برحمته من يشاء، وأعلم بمن يصلح لكرامته.
ويهون الرضا بما يقضيه الله من المصائب علم العبد بأن تدبير الله خير من تدبيره، والرضا بالألم لما يتوقع من جزيل الثواب المدخر.
والرضا به لا لحظ وراءه، بل لكونه مراد المحبوب.
فيكون ألذ الأشياء عنده ما يه رضا محبوبه.
وعلى العبد أن يعمل عمل رجل يعلم أنه لا ينجيه إلا عمله، ويتوكل على ربه توكل رجل يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له.
فليس لأحد أن يصعد على السطح ثم يلقي نفسه ثم يقول مقدر علي، ولكن نتقي ونحذر، فإن أصابنا شيء علمنا أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا كما قال سبحانه: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)} [التوبة: ٥١].
ولا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
مختارات

