عندما ينبض المكان
سمعنا عن أشكال وأنواع كثيرة من الحب..
ولكنّ شكلاً جديدا وحبّا غريبا يظهر بهالات القداسة أخبرنا عنه نبيّنا الكريم في حديثه عن السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظل إلا ظلّه.. وذكر منهم: « ورجل معلّق قلبه بالمساجد »..
هذا نوع جديد من الحب والتعلّق..
إنّه حب المساجد..
لم يقل: الصلاة.. ولا الذكر.. ولا دروس العلم التي تكون عادة في المساجد.. بل قال: المساجد..
لقد بات هذا البنيان المقدّس ذا شأن خاص عند هذا الوليّ..
يحب المكث فيها مُددا طويلة: بعد الفجر إلى شروق الشمس.. وبعد الصلوات.. وينزعج لنحنحة خادم المسجد الذي يلمّح له بإرادته إغلاق الأبواب !
يحبّ إضاءة المساجد وروائح طيبها.. وإحساس الهيبة فيها..
يحب أهل المساجد.. وكلمات المساجد.. ودروس المساجد..
يحب هندسة المساجد.. ويتأملها بعينيّ عاشق..
إذا سمع الأذان احتار: أيصلّي في الجامع حديث البناء ذي السجّاد الأحمر ؟ أم ذاك الموغل في الهدوء الذي يسيطر اللون الأخضر على روحانيّته ؟ أم يصلّي في ذاك المسجد العتيق ذي رائحة البخور القديم ؟
يتمنى مع الأذان أن لو انفصلت روحه إلى عشر أرواح كل واحدة تصلّي في مسجد..
حديثه عن بناء المساجد..
أمنيته أن يجد داعماً ليجدد بناء وتأثيث المسجد الفلاني..
حتى صدقاته باتت تحوم حول: طيب للمسجد… ماء للمسجد.. دهان للمسجد !
هذا لا يحب الصلاة فقط..
بل يعشق المساجد..
وكما أن قلبه استظلّ بهذا الحب المقدّس استحقّ أن يستظل بذلك العرش العظيم يوم لا ظلّ إلا ظله.. واستحقّ بشارة أخرى يرويها أبو هريرة رضي الله عنه.. فقد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من رجل كان توَطّنَ المساجد فشَغَلَهُ أمرٌ أوْ عِلة، ثم عاد إلى ما كان إلا يتبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدِمَ " رواه ابن خزيمة..
الله.. ما أجمل الحب الذي يثمر الحب..
﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾
فيه من عشق عطاء الذي كان المسجد فراشه عشرين سنة !
وقلبه يحمل ملامح سعيد الذي لم يؤذن مؤذن ثلاثين سنة إلا وهو في المسجد !
وينبعث من روحه عبير: " أرحنا بها يا بلال"
مختارات