كتاب الحجاب في الشرع والفطرة للشيخ الطريفي
A
والسنة الكونية: أن العفاف إن نُزِعَ أولُه، تتابع وتساقط، ومنه حجاب المرأة، إن سقطَ أوله تداعَى إلى آخره وهذا مشاهد في كل المجتمعات والشعوب
وعدم التفريق بين سياقات الأئمة في عورة الصلاة وعورة النظر مِن أكثر مايُخطئُ به النَّقَلةُ فيأخذون كلام الفقهاء في عورةالصلاة ويضعونه في عورة النظر ولاينظرون للسياق
السفور والتعري حتى لو تكاثرالناس على مجاورتها وتشرُّبها، آنس بعضهم بعضا ونظر بعضهم إلى بعض فلم يستنكروا شيئاً وظنوا أن صاحب الفطرة الصحيحة شاذ!
قوم لوط تدرجوا بالانحراف حتى جاوروه وقارفوه وتكاثروا وطال عهدهم عليه، قالوا في لوطٍ تهكُّماً (أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهّرون) عابُوهم والعيبُ فيهم!
وقد بيَّن الله أن كشف العورات وظهور المفاتن غاية قديمة لإبليس وذرّيته مع آدم وذرّيته كما قال تعالى (يابني آدم لايفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما)
من وسائل الشيطان وأعوانه: فصل عبودية الحجاب والإبقاء على كونِه عادةً، حتى يسهُلَ تحكُّمُ الأهواء به
وكلما كان الشئ شديد التحريم شدَّد الله في وسائله ولو كثُرت واحتاطَ له من وقوع الإنسان فيه ولو من وسائل بعيدة
ومن وسائل الزنَى المحرمة لأجله: النظر والسفور والخضوع بالقول والغزل والاختلاط والخلوة وهذه خطوات واحدة تلي الأخرى أولها النظر ثم يسيرحتى يتكلم بالفحش ثم يختلط فيخلو فيَمَسَّ فيزنِيَ
وكلما كانت الوسيلة إلى الفاحشة أقرب وتسهيلُها لها أقوى، كان التأكيد على تحريمها في القرآن والسنة أشد.
ربَط الله بين غض البصر وبين الزنَى لأنه سبب له فقال للرجال (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) وقال للنساء (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) ولكنه زاد في النساء (ولايبدين زينتهن)
وتبرج المرأة وسفورها وتركها للحجاب، من تلك الوسائل الموصلة إلى الفاحشة، سواء للمرأة بذاتها أو لكَونِها وقوداً لغيرها ولو لم تشعربه في نفسها.
وقد جاء في ذكرأحوال النساء أحاديث كثيرة في حجابهن ولباسهن وخروجهن قبل فرض الحجاب، ومن لم يعرف تواريخ الحوادث والنوازل اضطربت عليه الأدلة
يُستعمل الحجاب في الكتاب والسنة بمعنى الحاجز الساتربين شيئين ويكون من جدار أو قُماش أو خشب.
والنَّصيفُ _وهو الخمار_ تُطلِقُه العرب على ما يُغَطَّى به الوجه، وقد قال النابغة:
سقَطَ النصيف ولم تُرِد إسقاطَه... فَتَنَاوَلَتْهُ وَاتَّقَتْنَا باليَدِ.
سقَطَ النصيف ولم تُرِد إسقاطَه... فَتَنَاوَلَتْهُ وَاتَّقَتْنَا باليَدِ.
أصل استعمال النساء للخمارعلى أن له محيطاً ووسطاً يبدأ من الرأس ويُحيط به، وينزلُ تبعاً على الكتفَين والوجه والصدر، كما قال ابن خزيمة في الصحيح: " الخمارالذي تستُرُبه وجهها، بل تسدُلُ الثوبَ من فوق رأسها على وجهها "
ومعنى السفورعند العرب: هو كشف المرأة لوجهها، وليس المراد بذلك كشفها لشعرها أو نحرها، لأنه لا يُعرَفُ عند غالب العرب والعجم كشف المرأة لشعرها، قال تَوبَةُ بن الحُمَيًّرِ:
وكنت إذا ما جئتُ ليلى تبَرقَعَت فقَد رابَني منها الغَدَاةَ سُفُورُهَا
وكنت إذا ما جئتُ ليلى تبَرقَعَت فقَد رابَني منها الغَدَاةَ سُفُورُهَا
صَحَّ عن عمربن الخطاب أنه فسَّرقوله تعالى (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء) بتغطية وجهها بثوبها. أخرجه ابن أبي شيبة
تستعمل العربُ الكلمة على وضعٍ، ثم تتوسّع في إطلاقها على مايشاركها من المعاني ولومن بعض الوجوه لا كُلِّها، كلفظة (المَسِّ) وهومباشرة الشيئين بعضهما لبعض والتصاقهما.
وأخذُ الأحكام من غير فَهمِ سياقاتها خطأٌ كبير، وكثيراً ما يأخذ الكُتَّاب أحكام غطاء المرأة لوجهها من المناسك أو من حجاب الصلاة فينشأ الخطأ وينشرونه بصيغته على غيرمراده
قال الله لنبيِّه ﷺ (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الماس بما أراك الله) فلم يجعله يحكم بما يرى مع وجود النص مع أنه نبي مؤيَّد
قال الله لنبيِّه ﷺ (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الماس بما أراك الله) فلم يجعله يحكم بما يرى مع وجود النص مع أنه نبي مؤيَّد
ومع بُعد العهد عن مصطلحات الصدرالأول، وحدوث مصطلحات جديدة، لم يفهم أكثرالناس معنى استعمال القرآن / للحجاب والجلباب والخمار
(يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدنين عليهن من جلابيبهن..)وهذه الآية والآيتان من سورةالنور[٣١_٦٠]هي أصرح الآيات وأوضحهن في حجاب نساء المؤمنين عامة.
ومَن جَهِلَ المتقدِّمَ والمتأخِّرَ من السُّوَرِ عند الأئمة، لم يفهَم مقاصد القرآن وأحكام المفسرين من السلف
كثيرمن المفسرين يفسّرون آية النورعلى حالٍ سابقةٍ كما جاء عند ابن جرير، ثم ينُصُّون صراحةً على منع المرأة من كشف وجهها عند آية الأحزاب
مَن تتبَّعَ حال الصحابيات والتابعيات، وجد أن حجابهن وسَترَهُنَّ لايختلف في السترالتام للمرأة وأن عملهن كلهن على تغطية الوجوه
وغريب أن أن يقول قائل بجواز تزيُّنِ الشابَّةِ عند كشفها والله يُحَرِّمُه على العجائز..فلم يقل بذلك أحد من المفسرين من السلف ولا الفقهاء
وأمّا الشافعي: فلا يختلفُ القول عنه بوجوب ستر المرأة لوجهها لأجل النظر كقول مالكٍ وأبي حنيفةَ، وما نقلَه المُزَنِيُّ عنه في تفسيرالزينة الظاهرة: بالوجه والكفّين، فهو يريد عورة النظر، وذكَرَه في سياق عورة الصلاة، ولذا حمَلَ البيهقيُّ تفسيرَه ذلك على إبراز الوجه والكفين لنظرالمحارم لا لنظر الأجانب كما في السنن الكبرى وفسَّره بهذا المعنى الخطيبُ الشِّرْبِيني والسُبكي وابن الرِّفْعةِ وغيرُهم.
وما يُنسَبُ للشافعي ومالك وأبي حنيفة: أنهم يُجيزون كشف وجه المرأة عند الرجال الذين لايجوز لهم النظرُ إليها، ولايغُضُّون أبصارهم عنها، خطأٌ شاعَ عند المتأخرين، ولايستطيعون إثباتَه عنهم صريحاً وسببُه عدم تتبُّعِ أقوالِهم في عورة السترِ وعورة النظرِ والتفريق بينهما.
قال الشيخ ابن تيمية في الوجه في الصلاة: والتحقيق: أنه ليس بعورة في الصلاة، وهو عورة في باب النظَر، إذا لم يجُزِ النظرُ إليه
من نظَرَ في الأحاديث والآثار بعد فرض الحجاب، وجَدَ أن نساء المؤمنين والصحابيات والتابعيات ونساء الصدرالأول على تستُّرٍ تامٍّ، يُغَطِّين وجوههُن، فضلاً عن غيرذلك من أبدانهن وينظُرنَ لذلك على أنه عبادة ودين
ومع قوة الإعلام وتسلُّطِ أَيادٍ غيرِأمينةٍ عليه، تُبْعِدُ الفضيلة وتُقَرِّبُ الرذيلة، شاه السفورُ في أكثر بلدان العالم المسلم، وفتحت أجيال عيونَها على حالٍ وتوطَّنوا عليها، ثم نظروا في الأحاديث والآثار وهَدْيِ نساء المؤمنين في الصدرالأول فاستثقلوها، وذلك للبُعْدِ بين الحالَين.
حتى رأيت من يحتَجُّ بقوله تعالى عن ملكة سبأ (وكشفت عن ساقَيها) على جواز كشف ساق المرأة! وكلما ازداد الواقِعُ بُعداً، ازدادوا للنصوص بتراً
والمتشابهات لا يجوز أن تكون أصولاً يُبنَى عليها أحكام، ولا قاضيةً على ما هو أصرحُ منها وأحكَمُ
وبهذا ينتهي المقصود من الرسالة..والمرادُ هو إعادةُ ما زُحزِحَ من الأدلة والأقوال إلى مواضعها وبيان مُحْكَمِها مِن مُتشابهها.
