2. فوائد من كتاب الفوائد المنثورة من الأقوال المأثورة
A
من أدب السؤال: ما إذا قال له الشيخ: أفهمت؟ فلا يقل: نعم، حتى يتضح له المقصود إيضاحاً جلياً، لئلا يكذب، ويفوته الفهم، ولا يستحي من قوله: لم أفهم؛ لأن في استثباته يحصل له مصالح عاجلة وآجلة فمن العاجلة حفظه المسألة وسلامته من كذب ونفاق ؛ بإظهاره فهم ما لم يكن فهمه، ومن الآجلة: ثبوت الصواب في قلبه دائماً، واعتياده هذه الطريقة المرضية، والأخلاق الرضية.
يا طالب العلم: اعلم أن أهم المهمات وأوجب الواجبات هو التوحيد فاجعل جُلَّ اهتمامك به، تعلَّمه علماً وعملاً ودعوةً فإن قدوتك محمد صلى الله عليه وسلم كان جُلَّ دعوته.
يا طالب العلم عليك العناية بـ " ضبط القواعد والضوابط " التي تمر عليك في مشوارك العلمي، لأن العلم كثير، وهو بحر لا ساحل له، ولكنك عندما تحرص على " الضوابط والقواعد " فإنك تجمع في ذهنك كثير من المسائل الفرعية، فاحرص على ضبط القواعد، واكتبها، واجمعها، واحفظها، وناقش طلاب العلم فيها، وتعود على ضرب الأمثلة لها تغنم خيراً كثيرا.
كان بعض المتقدمين من طلاب العلم إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشيء، وقال: " اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه مني ".
إياك إذا حصل الجواب من الشيخ أن تقول: لكن الشيخ فلان قال لي: كذا، وقال كذا، فإن هذا وهنٌ في الأدب، وضرب لأهل العلم بعضهم ببعض، فاحذر هذا، وإن كنت لابد فاعلاً فكن واضحاً في السؤال، وقل: ما رأيك في الفتوى بكذا، ولا تسمِّ أحداً، لذا قيل: سل تفقهاً لا تعنتاً.
من أدب طالب العلم أن لا يشارك أحدا من الجماعة في حديثه، ولا سيما الشيخ، فقد قال بعض الحكماء: من الأدب أن لا يشاركَ الرجلَ في حديثه، وإن كان أعلم به منه إلا إن علم إيثار الشيخ ذلك أو المتكلم؛ فلا بأس حينئذ.
عن أبي القاسم عبيد الله بن عمر بن أحمد قال: إن من حق البحث والنظر: الإضرابُ عن الكلام في فروعٍ لم تُحكم أصولها، والتماسُ ثمرةٍ لم تُغرس شجرتها، وطلبُ نتيجة لم تُعرف مُقدماتها.
قال يحيى بن سلام: لا ينبغي لمن لا يعرف الاختلاف أن يفتي، ولا يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول هذا أحبُّ إليَّ.
قال الحسن رحمه الله تعالى: لا تكن ممن يجمع علم العلماء وطرائف الحكماء، ويجري في العمل مجرى السفهاء.
أمهات الفنون ثلاثة: التفسير والفقه والحديث، وما يتبعها فوسائل كالمصطلح وأصول الفقه وعلوم القرآن، فعليك بالأمهات بحثاً ومطالعة ومراجعة.
يا طالب العلم: أدم النظر في كتاب ربنا، وفي سنة نبينا عليه الصلاة والسلام وتأملهما جيداً فإن فيهما الخير كله.
يا طالب العلم: ليكن لك وقت تخلو فيه مع ربك وتقرأ كلامه وتناجيه وتتضرع إليه فإن الدعاء من أعظم العبادة كما صح عنه عليه الصلاة والسلام: (الدعاء هو العبادة).
جاء عن ابن المسيب رحمه الله تعالى، أنه كان يقول: ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن مَن كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله، كما أنه من غلب عليه نقصانه ذهب فضله. وقال غيره: لا يسلم العالم من الخطأ، فمن أخطأ قليلاً وأصاب كثيراً فهو عالم، ومن أصاب قليلاً وأخطأ كثيراً فهو جاهل. وفي هذا يقول الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في السير (20/46): (ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن) اهـ.
قد تسمع من يُهوِّن عليك شأن التحصيل، أو يشغلك عن طلب العلم ويسلب منك وقتك بحجة الدعوة والتحرك في الميدان فلا تصغي له، وقل له: لا دعوة إلا بالعلم، فإن أصرَّ فابرك على صدره واقرأ عليه آيه الكرسي فإن معه القرين.
قال مالك بن أنس: (إن أقواماً ابتغوا العبادة وأضاعوا العلم، فخرجوا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأسيافهم، ولو ابتغوا العلم لحجزهم عن ذلك).
قال الإمام الشافعي رحمه الله: (من إذلال العلم، أن تناظر كلّ من ناظرك، وتقاول كل من قاولك). مناقب الشافعي، للبيهقي (2/151).
عن أبي حيان التيمي رحمه الله تعالى قال: العلماء ثلاثة: عالم بالله وبأمر الله، وعالم بالله وليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله وليس بعالم بالله. فأما العالم بالله وبأمره، فذلك الخائف لله، العالم بسنته وحدوده وفرائضه. واما العالم بالله وليس العالم بأمر الله، فذلك الخائف لله، وليس بعالم بسنته ولا حدوده ولا فرائضه. وأما العالم بأمر الله وليس بعالم بالله، فذلك العالم بسنته وحدوده وفرائضه وليس بخائف له.
يجلس إلى العالم ثلاثة: رجل يأخذ كل ما يسمع فذلك حاطب ليل، ورجل لا يحفظ شيئاً وهو جليس العالم، ورجل ينتقي وهو خيرهم.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: (لجليسي عليَّ ثلاث: أن أرمقه بطرفي إذا أقبل، وأوسع له إذا جلس، وأصغي له إذا حدَّث).
ينبغي للانسان أن لا يقبل بحديثه على من لا يقبل عليه، فقد قيل إن نشاط المتكلم بقدر إقبال السامع، ويتعين عليه أن يحدث المستمع على قدر عقله، ولا يبتدع كلاما لا يليق بالمجلس فقد قيل: لكل مقام مقال، وخير القول ما وافق الحال.
يا طالب العلم: مَن جاءك بالحق فاقبل منه وان كان بعيداً بغيضاً ومن جاءك بالباطل فاردده عليه وان كان قريباً حبيباً.
قال بعض السلف ناصحاً لصاحبه: إذا جلست للناس فكن واعظا لقلبك ونفسك، ولا يغرنّك اجتماعهم عليك، فإنهم يراقبون ظاهرك..والله يراقب باطنك.
يا طالب العلم: عليك أن لا تعجب برأيك وتطير به؛ بل الواجب عليك أن تعرض ما رأيته على أكابر العلماء في زمانك؛ فإن وافقوك فالحمد لله؛ وإن نهوك وحذروك وزجروك عن هذا الرأي فامتثل، وهذا عين الأدب، وخلاف ذلك مكمن العطب، وسوء الأدب.
جاء رجل إلى القاسم بن محمد رحمه الله تعالى فسأله عن شيء ؛ فقال القاسم: لا أحسنه، فجعل الرجل يقول: إني رفعت إليك لا أعرف غيرك، فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي!!، والله ما أحسنه فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها؛ فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم، فقال القاسم: والله لأن يُقطع لساني؛ أحب إلي من أن أتكلم بما لا علم لي به.
قال الشعبي رحمه الله تعالى: (لا أدري) نصف العلم، ومن سكت حيث لا يدري لله تعالى ؛ فليس بأقل أجراً ممن نطق، لأن الاعتراف بالجهل أشد على النفس.
الكامل من العلماء: من فهم نصوص الشريعة كتاباً وسنة وأقوال السلف وعرف مع ذلك الواقع الذي يعيش فيه، فأنزل النصوص منازلها من الواقع فهو الكامل، ومن عرف الواقع بلا علم، كان كمن عرف المرض ولا علاج لديه، ومن فهم النصوص ولم يعلم الواقع، كان كمن عنده علاج، وهو لا يعرف المرض.
قال الإمام النووي في شرح قوله صلى الله عليه وسلم (ما المسئول عنها بأعلم من السائل): " فيه أنه ينبغي للعالم والمفتى وغيرهما إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم، وأن ذلك لا ينقصه بل يستدل به على ورعه وتقواه ووفور علمه " شرح مسلم " 1 / 158 ".
خذ بوصية لقمان لابنه؛ حيث قال له: (لا تجادل العلماء فتهون عليهم ويرفضوك، ولا تجادل السفهاء فيجهلوا عليك ويشتموك، ولكن اصبر نفسك لمن هو فوقك في العلم ولمن هو دونك).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " أعلى الهمم في طلب العلم: طلب علم الكتاب والسنة والفهم عن الله ورسوله نفس المراد وعلم حدود المنزل، وأخس همم طلاب العلم: قصر همته على تتبع شواذ المسائل وما لم ينزل ولا هو واقع،أو كانت همته معرفة الاختلاف وتتبع أقوال الناس وليس له همة إلى معرفة الصحيح من تلك الأقوال، وقلَّ أن ينتفع واحد من هؤلاء بعلمه، وأعلى الهمم في باب الإرادة، أن تكون الهمة متعلقة بمحبة الله، والوقوف مع مراده الديني الأمري، واسفلها أن تكون الهمة واقفة مع مراد صاحبها من الله، فهو إنما يعبده لمراده منه لا لمراد الله منه، فالأول يريد الله ويريد مراده، والثاني يريد من الله، وهو فارغ عن إرادته ".
لا تلازم بين قول الجمهور وبين الحق والصواب، فقد يكون الحق معهم ـ وهذا الأكثر في المسائل العلمية ـ وقد يكون الحق في جانب غيرهم، والمنصف دائماً يبحث عن الدليل، فما نصره الدليل اتبعه، وإن كان القائل به قليلاً، وما لم يرد فيه دليل أو كان دليله ضعيفاً تركه، وإن كان الأكثرون على القول به.
الحق يعرف بدلائله لا بقائله، والحق مقبول وإن أتى به المخالف، والباطل مردود وإن أتى به الموافق.
سُئل ابن المسيب عن شيء فقال: اختلف فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أرى لي معهم قولاً. قال ابن عبد البَّرِ معلقاً عليه: " معناه ليس له أن يأتي بقولٍ يخالفهم به ".
قال يحيى بن كثير رحمه الله تعالى: لا يستطاع طلب العلم براحة الجسم. لذا قيل: أيها المتعلم إنك إن لم تصبر على تعب العلم، صبرت على شقاء الجهل.
قال عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه: من لم يعد كلامه من عمله، كثرت خطاياه، ومن عمل بغير علم، كان ما يفسد اكثر مما يصلح.
قال مالك بن دينار: إذا طلب العبد العلم ليعمل به كسره علمه، وإذا طلبه لغير العمل زاده كبراً. أو قال: " وإذا طلبه لغير ذلك، ازداد به فجورا، أو فخرا "
يا طالب العلم أمسك لسانك واستمع لما قاله الشوكاني رحمه الله: (والمتحري لدينه في اشتغاله بعيوب نفسه ما يشغله عن نشر مثالب الأموات، وسب من لا يدري كيف حاله عند بارىء البريات، ولا ريب أن تمزيق عرض من قَدِم على ما قَدَّم، وجثا بين يدي من هو بما تكنه الضمائر أعلم ـ مع عدم ما يحمل على ذلك: من جرح، أو نحوه ـ أحموقة لا تقع لمتيقظ، ولا يصاب بمثلها متدين بمذهب، ونسأل الله السلامة بالحسنات، ويتضاعف عند وبيل عقابها الحسرات، اللهم اغفر لنا تفلتات اللسان والقلم في هذه الشعاب والهضاب، وجنبنا عن سلوك هذه المسالك التي هي في الحقيقة مهالك ذوي الألباب).النيل 4/123.
قال الشيخ معروف الكرخي رحمه الله تعالى: إذا أراد الله بعبدٍ خيرا فتح عليه باب العمل، وأغلق عليه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبدٍ شراً اغلق عليه باب العمل وفتح عليه باب الجدل.
قال الأوزاعي: إذا أراد اللّه أن يحرم عبده بركة العلم، ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقل الناس علماً.
على طالب العلم أن يلزم غرز العلماء الأكابر، وخاصة في قضايا النوازل والجرح والتعديل ونحوها التي يكثر فيها القيل والقال، لأن رأيهم أحكم وأسلم؛ وعليه أن لا يخالفهم ما لم يخالفوا نصاً؛ تقديرا واحتراما لهم وعملا بالنصوص، واقتداء بمن سلف من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم.
قال عبد الله بن شوذب ـ روى عن كبار التابعين ـ: إنَّ من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يواخي صاحب سنة يحمله عليها.
" تعلموا العلم وعلموه الناس، وتعلموا له الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمتم منه ولمن علمتموه، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم جهلكم بعلمكم ".
قال الأوزاعي رحمه الله تعالى: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكفَّ عمَّا كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يَسعك ما وسعهم.
سُئل سفيان الثوري: طلب العلم أحب إليك أو العمل؟ فقال (إنما يراد العلم للعمل، فلا تدع طلب العلم للعمل، ولا تدع العمل لطلب العلم).
مثل العالم مثل الملح، لا يصلح شيئاً إلا به، فإذا فسد الملح لم يصلح، إلا أن يوطأ بالأقدام.
قال المروذي: (قيل لأبي عبدالله: رجل لـه خمسمائة درهم ترى أن يصرفه في الغزو والجهاد أو يطلب العلم؟ قال: إذا كان جاهلاً يطلب العلم أحب إلي).الاداب الشرعية 2 / 40.
قال عمر لأبي موسى الأشعري رضى الله عنهما: لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، راجعت فيه نفسك، وهُديت فيه لِرشدك، أن ترجع فيه إلى الحق، فإن الحق قديم، والرجوع إلى الحق، أولى من التمادي في الباطل.
عندما تتحدث في مجلس مع جار لك في المقعد، فليكن صوتك هادئا، لا عاليا فيزعج، ولا منخفضا فلا يسمع. وأوجز ما استطعت في حديثك، واختصر به بما يهمك معرفته، فتكون أسباب كلامك واضحة سهلة الإدراك، ويكون ما تطلبه واضح الفهم يستطيع كل واحد أن يستوعبه بسرعة.
من الشروط المعتبرة في التحصيل: المذاكرة مع الأقران ومناظرتهم، لما قيل: (العلم غرس وماؤه درس)، لكن طلبا للثواب وإظهاراً للصواب، ومن ها هنا قيل: (مطارحة ساعة خير من تكرار شهر)، ولكن مع منصف سليم الطبع.
لا تجادل كثيرا، فالجدل لا يقنع، ومعظم الأحيان يظل المجادلان على رأيهما الأول، لأنهما يكونان قد وضعا شيئا كثيرا من شخصيتهما الظاهرة، في الموقف الذي يدعيان صوابه؛ فاحذر.
على طالب العلم إذا أراد أن يُبرء ذمته أمام الله عز وجل، وإذا أراد أن يُكتب له القبول في الدنيا والآخرة؛ عليه أن يكون متجرداً، هَمّه الوصول إلى الحق، غير متعصب لشخص، أو مذهب معين، وليكن همه الوصول إلى الحق، ومعرفة مراد الله سبحانه وتعالى، مهما قال به فلان من الناس، والتعصب يُعمي فلا يصل صاحبه إلى الحق، وعليه أن ينظر إلى الأدلة من منظارين: 1/ الثبوت. 2/ الدلالة.
قال الزهري رحمه الله تعالى: مَن رام العلم جملة ذهب عنه جملة، وإنما العلم يطلب على مرَّ الأيام والليالي "
قيل لابن عباس رضى الله عنهما: من أكرم الناس ـ أي عندك ـ قال: جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إليَّ، لو استطعتُ أن لا يقع الذباب على وجهه لَفعلت.
قال ابن جماعة: (ينبغي للطالب أن يقدم النظر ويستخير الله فيمن يأخذ العلم عنه ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه، وليكن إن أمكن ممن كملت أهليته وتحققت شفقته وظهرت مروءته وعرفت عفته واشتهرت صيانته، وكان أحسن تعليما وأجود تفهيما ولا يرغب الطالب في زيادة العلم مع نقص في ورع أو دين أو عدم خلق جميل … وليجتهد أن يكون الشيخ ممن لـه من العلوم الشرعية تمام الاطلاع، وله مع من يوثق به من مشايخ عصره كثرة بحث وطول اجتماع، لا ممن أخذ من بطون الأوراق ولم يعرف بصحبة المشايخ الحذاق، قال الشافعي: من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام) تذكرة السامع صـ85.
قيل: ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم: الجالس في مجلسٍ ليس له بأهل، والمقبل بحديثه على من لا يسمعه، والداخل بين اثنين في حديثهما ولم يُدخلاه فيه، والمتعرض لما لا يعنيه، والمتآمر على ربِّ البيت في بيته، والآتي إلى مائدة بلا دعوة، وطالب الخير من أعدائه، والمستخف بقدر السلطان.
جاء في كشف الظنون: (الملكة العلمية): اعلم أن من كانت عنايته بالحفظ، أكثر من عنايته إلى تحصيل الملكة، لا يحصل على طائل من ملكة التصرف في العلم، ولذلك ترى من حصل الحفظ، لا يحسن شيئا من الفن، وتجد ملكته قاصرة في علمه، إن فاوض أو ناظر، ومن ظن انه المقصود ـ أي الحفظ ـ من الملكة العلمية، فقد أخطأ، وإنما المقصود: هو ملكة الاستخراج والاستنباط وسرعة الانتقال من الدوال أو المدلولات ومن اللازم إلى الملزوم وبالعكس، فان انضم إليها ملكة الاستحضار فنعم المطلوب، وهذا لا يتم بمجرد الحفظ بل الحفظ والاستحضار هو راجع إلى جودة القوة الحافظة وضعفها.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (ينبغى للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه فإن وجده كذلك (أي غلبت عليه العصبيه للمذهب ورد الدليل) فليبتعد منه وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله واتباع السنة وأمره غير مفروط فيه، بل هو حازم في أمره، فليتمسك بغرزه.
قال صديق خان في أبجد العلوم عن تكوين الملكة العلمية عند طالب العلم: وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها، فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية ؛ سكوتاً لا ينطقون ولا يفاوضون وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة فلا يحصلون على طائل من ملكة التصرف في العلم والتعليم، ثم بعد تحصيل من يرى منهم أنه قد حصَّل تجد ملكته قاصرة في علمه إن فاوض أو ناظر أو عَلَّم، وما أتاهم القصور إلا من قبل التعليم وانقطاع سنده، وإلا فحفظهم أبلغ من حفظ سواهم لشدة عنايتهم به وظنهم أنه المقصود من الملكة العلمية وليس كذلك.اهـ من ابجد العلوم.
اعلم يا طالب العلم أن ملكة الفقه لا تتأتَّى إلا بالإرتياض في معرفة أقوال العلماء باختلافها، وما أتوا به في كتبهم، فالحق لا يعرف إلا إذا عُرف الباطل، والفاسد لا يعلم إلا إذا عُلِمَ الصحيح، فبضدها تتميز الأشياء، فنبتة التعصب إنما تنشأ عند من ألِف قولاً واحداً فتربى حتى كهل عليه قال سعيد بن جبير: (من عَلِمَ اختلاف الناس فقد فقه) و قال قتادة: (قال سعيد بن المسيّب: ما رأينا أحداً أسأل عما يختلف فيه منك، قلت: إنما يسأل من يعقل عما يختلف فيه، فأما ما لا يختلف فيه فَلِمَ نسأل عنه؟).
تتكون ملكة الترجيح لدى الطالب بأسباب أهمها: 1 ـ الإكثار من حفظ الأدلة من نصوص الكتاب والسنة، خاصة ما يستدلون به في الأحكام. 2 ـ دراسة قواعد الترجيح نظـرياً من كتـب أصول الفقه. 3 ـ دراسة التطبيق العملـي لقواعد الترجيح، وذلك بقراءة ترجيحات العلمـاء في كتب الفقه المبسوطة، وشروح آيات الأحكام وأحاديث الأحكام. فمع هذه الدراسة تتكون على التدرج ملكة الترجيح لدى الطالب فتقوده إلى معرفة الراجح في الشرع وهو ما تشهد بصحته نصوص الكتاب والسنة. ولكن، وحتى تتكون هذه الملكة لدى الطالب فإنه ينبغي له أن يستعين ببعض الكتب التي ترشده إلى ذلك، ويأتي على رأس كتب الترجيح: كتابات ابن تيمية ثم كتابات ابن القيم ثم كتابات الشوكاني ثم كتابات ابن حزم رحمهم الله.
عليك يا طالب العلم بالتفصيل: فإن الإجمال والإطلاق وعدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب وتفاصيله يحصل به من اللبس والخطأ وعدم الفقه عن الله ما يفسد الأديان، ويشتت الأذهان، ويحول بينها، وبين فهم السنة والقرآن.
عليك بالكتب المنسوجة على طريقة الاستدلال، والتفقه في علل الأحكام، والغوص على أسرار المسائل، والمشحونة بآثار السلف الصالح الذين عُرفوا بالسنة والأصالة وسعة العلم.
قال الفضيل رحمه الله تعالى: صاحب بدعة ؛ لا تأمنه على دينك، ولا تشاوره في أمرك، ولا تجلس إليه، ومن جلس إلى صاحب بدعةٍ ؛ أورثه الله العمى ـ يعني في قلبه.
أقسام الناس بالنسبة للعلوم الشرعية: الأول: المقلد، وهو العامي الذي لا يملك النظر في النصوص ولا أقوال العلماء. الثاني: المتبع، وهو الذي عنده من العلوم ما يؤهله للنظر في أقوال أهل العلم، ولكن لا يستطيع النظر مباشرة في النصوص. الثالث: المجتهد، وهو الذي حصل من العلوم الشرعية والعربية ما يؤهله للاستنباط مباشرة من الكتاب والسنة.
من أخلاق طلاب العلم وصفاتهم: تعظيمهم لحرمات الله تعالى، وغيرتهم ؛ إذا انتهكت حرماته تعالى ؛ ونصرة دين الله وشرعه، وكثرة تعظيمهم لحرمات المسلمين ومحبة الخير لهم قال تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)(الحج: من الآية30)،(وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)(الحج: من الآية32)، وسد باب الغيبة في مجالسهم، ويحفظون ألسنتهم منها ؛ لئلا يصبح مجلسهم مجلس إثم.
قال ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ أراه قال في المسجد؛ فما كان منهم محدثا إلا ودَّ أن أخاه قد كفاه الحديث، ولا مفتي إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا، وفي رواية: يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول !!
سُئل الإمام الشافعيُّ رحمه الله تعالى عن مسألةٍ فسكتَ، فقيل: ألا تجيب؟ فقال: حتى أدري؛ الفضل في سكوتي أو في الجواب؟؟
يا طالب العلم: إياك والكبر؛ فإنه طاغوت القلوب وفرعون الأرواح ونمرود المتعلمين، جزاء صاحبه الحقارة والصغارة والخزي في الدنيا والآخرة، وعلاجه التواضع ومعرفة النفس.
من آداب الطالب: ألا يتحدث مع غيره والشيخ يتحدث معه أو مع جماعة المجلس، ومنها ألا يقطع عليه كلامه، أي كلامٍ كان، ولا يسابقه، ولا يساوقه، بل يصبر حتى يفرغ من كلامه ثم يتكلم، وأن لا يسبقه إلى شرح مسألة، أو جواب سؤال منه أو من غيره، ولا يساوقه فيه، ولا يظهر معرفته به، أو إدراكه له قبل الشيخ، فإن عرض الشيخ عليه ذلك ابتداءً، والتمسه منه؛ فلا بأس، وكذا ينبغي أن لا يُقَصر في الإصغاء والتفهم، أو يشغل ذهنه بفكر أو حديث ثمَّ يستعيد الشيخ ما قاله، لأن ذلك إساءة أدب، بل يكون مصغياً لكلامه، حاضر الذهن لما يسمعه من أول مرة.
حكى أبو بكر الرازي عن أبي حسن الكرخي رحمهما الله تعالى: (أن من مشى في السوق بسراويل وليس عليه غيره؛ لا تقبل شهادته لأنه تارك للمروءة، وكذلك لا تقبل شهادة من يأكل في السوق بين يدي الناس، وكذا من يمد رجليه عند الناس). ينظر: لسان الحكام 1 / 245. ياطالب العلم عليك بمصاحبة أهل الهمم العالية، وقديماً قالوا: قل لي مَن تصاحب، أقل لك مَن أنت، والصاحب ساحب.
من ثمرات قراءة الكتب تقييد الفوائد، حتى ذكر الكثير من أهل العلم أن قراءة الكتب قد لا يتحقق منها الفائدة المرجوه إلا بتقييد هذه الفوائد، وكثيراً ما يقرأ الإنسان شيئاً فيعجبه، ويظن أنه قد علق بذاكرته، فإذا هو في الغد قد ضاع منه العلم، وضاع معه مفتاحه، فانتهى إلى حيرة في استعادته واسترجاعه العلم صيد والكتابة قيد فإذا ضاع القيد؛ ذهب الصيد.
عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: من حق المعلم عليك أن تسلم على الناس عامة وتخصه دونهم بتحية، وأن تجلس أمامه ولا تشيرنَّ عنده بيدك، ولا تغمزن بعينيك، ولا تقولن قال فلان خلاف ما تقول، ولا تغتابنَّ عنده أحدا، ولا تشاور جليسك في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه إذا قام، ولا تلح عليه إذا كسل ولا تعرض ـ أي تشبع ـ من طول صحبته.
قال وكيع: لا ينبل الرجل حتى يكتب ـ أي يطلب العلم ـ عمَّن هو فوقه، ومن هو مثله، ومن هو دونه.
بين الهوى والعجب (أما الهوى المتبع، فهو طلبك المنزلة في قلوب الخلق لتنال الجاه والحشمة، وفيه هلك أكثر الناس، وأما العجب فهو الداء العضال، وهو نظر العبد إلى نفسه، بعين العز والاستعظام، ونظره لغيره بعين الاحتقار، وثمرته أن يقول: أنا وأنا؛ كما قال ابـليس، ونتيجته في المجالس التقدم والترفع، وطلب التصدر وفي المحاورة الاستنكاف من أن يُردَّ كلامه، وذلك مهلك للنفس في الدنيا والآخرة ).
قال الفضيل: ” خمس من علامات الشقوة: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمـــل.
الناس في طلب العلم ثلاثة: رجل: طلبه ليتخذه زاداً إلى المعاد، لم يقصد إلا وجه اللّه، فهذا من الفائزين. ورجل: طلبه ليستعين به على حياته العاجلة، وينال به الجاه والمال، ومع ذلك يعتقد خسة مقصده، وسوء فعله، فهذا من المخاطرين، فإن عاجله أجله قبل التوبة، خيف عليه سوء الخاتمة، وإن وفق لها فهو من الفائزين. ورجل: استحوذ عليه الشيطان، فاتخذ علمه ذريعة إلى التكاثر بالمال، والتفاخر بالجاه، والتعزز بكثرة الأتباع، وهو مع ذلك يُضمر أنه عند اللّه بمكان !! لاتسامه بسمة العلماء، فهذا من الهالكين، المغرورين، إذ الرجاء منقطع عن توبته، لظنه أنه من المحسنين. " نسأل الله العافية ".
إذا جاءك مَن يسألك فلا يكن همك أن تخرجه مما وقع فيه، وليكن همك أن تخلص نفسك مما سألك عنه أمام الله سبحانه وتعالى.
تحقيق المسائل العلمية يتم بأمور: ـ جمع النصوص في المسألة، إن كانت شرعية فتؤخذ من الكتاب والسنة. ـ النظر في الحديث، صحةً وضعفاً. ـ التأكد من النسخ في الآية أو الحديث. ـ حصر أقوال أهل العلم في المسألة. ـ النظر في الأقوال والترجيح، وذلك بمسكة من أصول الفقه. ـ ذكر القول الراجح، وسبب ترجيحه، ولماذا أهملت الأقوال الأخرى.
ينبغي لطالب العلم: أن يعرف مجموع أدلة كل مسألة، وأقوال العلماء فيها، والقول الراجح منها الذي تعضده الأدلة، يقول ابن تيمية رحمه الله (الفقيه: الذي سمع اختلاف العلماء وأدلتهم في الجملة، وعنده مايعرف به رجحان القول) (الاختيارات الفقهية) ص 333.
إذا عرف الطالب القول الراجح في مختلف المسائل كان عابداً لله على بصيرة وصواب، وكان مفتياً غيره بالحق الموافق للكتاب والسنة، فإذا فرَّط في هذا؛ وأفتى؛ ضلَّ وأضلَّ، وهلك وأهلك. تنبيه:إن لفظ (الراجح) يرد في كلام الفقهاء على معنيين: أحدهما الراجح في المذهب، والثاني الراجح في الشرع. فأحيانا: يقصدون بلفظ الراجح أي القول الراجح في مذهب معين، وهو القول الذي عليه أكثر فقهاء المذهب، أو القول الذي نصّ عليه إمام المذهب، أو القول المتأخر لإمام المذهب أو قول أكثر أصحابه أو قول ألزم أصحابه به إذا تعددت أقوال الإمام. وأحيانا: يقصدون بلفظ الراجح أي الراجح في الشرع الذي تشهد له نصوص الكتاب والسنة وإن كان بخلاف الراجح في المذهب. يقول ابن تيمية رحمه الله في بيان هذين النوعين: (ومن كان خبيراً بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح في مذهبه في عامة المسائل، وإن كان له بصر بالأدلة الشرعية عرف الراجح في الشرع).
عند الاستدلال بالسنة يجب توفر شرطين وهما:- الشرط الأول: صحة الدليل ومعنى صحة الدليل هي سلامته من العلل التي تضعف الحديث. الشرط الثاني: صحة الاستدلال ومعنى صحة الاستدلال أن لا يحمل الدليل مالا يحتمل. ذُكر عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: خمس إذا سافر فيهنَّ رجل إلى اليمن كنَّ فيه عِوضاً من سَفره: لا يخافُ عبدٌ إلا ذنبه ولا يرجوا إلا ربه، ولا يستحي جاهل أن يسأل، وفي لفظ ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحي مَن يعلم إذا سُئل عمَّا لا يعلم أن يقول الله أعلم، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا خير في جسد لا رأس له ولا إيمان لمن لا صبر له.
من موانع العلوم وعوائقها: اعلم انه على كل خير مانع، وعلى العلم موانع: منها الوثوق بالمستقبل، والوثوق بالذكاء، والانتقال من علم إلى علم قبل أن يحصل منه قدر يعتد به، أو من كتاب إلى كتاب قبل ختمه، ومنها طلب المال أو الجاه، أو الركون إلى اللذات البهيمية، ومنها ضيق الحال وعدم المعونة على الاشتغال، ومنها إقبال الدنيا وتقليد الأعمال، ومنها كثرة التأليف في العلوم، وكثرة الاختصارات؛ فإنها مخلة عائقة.
لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهاً فيما يأمر به، فقيهاً فيما ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به رفيقاً فيما ينهى عنه، حليماً فيما يأمر به، حليماً فيما ينهى عنه. أجل العلوم ما قرَّبك من خالقك، وما أعانك على الوصول إلى رضاه، وهذه هي علوم الكتاب والسنة. قال الحافظ ابن رجب: (فالذي يتعيَّن على المسلم الاعتناءُ به والاهتمامُ: أن يبحثَ عمَّا جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يجتهد في فهم ذلك، والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديق بذلك إن كان من الأمور العِلْمية. وإن كان من الأمور العَمَلية، بذلَ وُسْعَه في الاجتهاد في فِعْل ما يستطيعه من الأوامر، واجتناب ما يُنهى عنه، وتكون همته مصروفة بالكُلِّية إلى ذلك، لا إلى غيره، وهكذا كان حالُ أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان في طلبِ العلم النافع من الكتاب والسنة).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت: أفعالهم، لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقا، كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاء، وفي الحقيقة قطاع الطرق.
العلماء ثلاثة مراتب: أ- عالم عقله أكبر من علمه، عنده علم قليل، ولكن عنده حكمة وبصيرة في توجيه الناس وإرشادهم إلى ما يكون فيه خير كثير. ب- عالم علمه أكبر من عقله، عنده علم كثير ويحفظ ويقرأ، ولكنه لا يحسن وضع الأمور في نصابها. ج- عالم استوى عقله وعلمه، وهذه مرتبة الكمال، فلا بد من الأمرين للمتصدر. العلم: وهو الركيزة الأولى، والعقل: الذي يعرف به محاسن الأمور ومساوئها، وهذه الركيزة الثانية.
قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: يا قوم أريدوا بعلمكم الله تعالى، فإني لم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوَهم، ولم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أعلوَهم إلا لم أقم حتى أفتضح، والعلم عبادة وقربة من القرب.
عن الحسن رحمه الله تعالى؛ قال: قد كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يُرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره وبره.
قال مالك رحمه الله تعالى: إن حقا على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية وان يكون متبعا لأثر من مضى قبله. الآداب الشرعية (2/45).
من كان ديدنه مجادلة العلماء لم يأمن أن يرد آية أو حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهلك، ناهيك عن محق بركة علمه.
يا طالب العلم: ليكن حالك كحال السلف؛ فقد كان أحدهم يصبح ويمسي وهمه رضا الله، والفوز بطاعته وجنته والدار الآخرة، فجعلوا الهم هماً واحداً وجدُّوا لذلك الهم.
عليك يا طالب العلم: أن تتعلم من العلوم أوجبها وأحسنها نفعاً لك وأقربها طريقا إلى رضا ربك، وأزكاها لقلبك وأكثرها أثرا فيه.
قال ابن وهب: لو كتبنا عن الامام مالك: لاأدري لملأنا الألواح " فيا طالب العلم لا تخجل من: لا أدري.
على طالب العلم أن يحسن خطابه مع الشيخ بقدر الامكان ولا يقول له " لـم " ولا " لا نسلم " ولا " من نقل هذا " ولا أين موضعه " وشبه ذلك،فإن أراد استفادته تلطف في الوصول إلى ذلك، ثم هو في مجلس آخر أولى على سبيل الإفادة، وعلى هذا يحمل ما جاء عن بعض السلف: من قال لشيخه لِمَ؟ لم يفلح أبدا، وإذا ذكر الشيخ شيئا فلا يقل: هكذا قلتُ أو خطر لي أو سمعتُ أو هكذا قال فلان، إلا أن يعلم إيثار الشيخ ذلك، وهكذا لا يقول: قال فلان خلاف هذا، وروى فلان خلافه أو هذا غير صحيح ونحو ذلك، وإذا أصرَّ الشيخ على قول أو دليل ولم يظهر له، أو على خلاف صواب سهوا فلا يغير وجهه أو عينيه أو يشير إلى غيره كالمنكر لما قاله بل يأخذه ببشر ظاهر، وإن لم يكن الشيخ مصيباً لغفلة أو سهو أو قصور، فإن العصمة في البشر للأنبياء صلى الله عليهم وسلم.
عن الفضيل رحمه الله تعالى قال: بلغني أنَّ العلماء فيما مضى ؛ كانوا إذا تعلموا عملوا، وإذا عملوا شُغلوا، وإذا شُغلوا فقدوا، وإذا فقدوا طُلبوا، وإذا طلبوا هربوا.
قال حكيم: (من أمضى يومًا من عمره في غير حَقٍّ قضاه أو فَرْض أدَّاه أو مجد أَثَّله - ورَّثَه - أو حَمْدٍ حَصَّله أو خير أسَّسَه أو علم اقتبَسَه فقد عَقَّ يومَه وظَلَم نَفْسَه)؟؟.
اعلم ان كل ما ورد في فضل العلماء وتفضيلهم انما هو بالنسبة للعاملين بعلمهم الواقفين على حدود الله لا علماء الدنيا الطالبين جاهها وحطامها اذ العلم حقيقة ما اورث صاحبه عملا وخشية ولا يتم علم العالم حتى يعمل بمقتضى علمه ويعرض عما يصده عن العمل لخالقه.
يا طالب العلم: إن القائل أقل ملالة من المستمع فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم، واعلم أن قلبك وعاء، فانظر ماذا تحشو به وعاءك، واعزف عن الدنيا وانبذها وراءك، فإنها ليست لك بدار، ولا لك فيها محل قرار، وإنما جعلت بلغة للعباد ليتزودوا منها للمعاد، ووطِّن نفسك على الصبر تلقى الحلم، وأشعر قلبك التقوى؛ تنل العلم، ورض نفسك على الصبر تخلص من الإثم.
يا طالب العلم تفرغ للعلم إن كنت تريده، فإنما العلم لمن تفرغ له، ولا تكوننَّ مكثارا بالمنطق مهذارا، فإن كثرة المنطق، تشين العلماء، وتبدي مساوي السخفاء، ولكن عليك بذي اقتصاد، فإن ذلك من التوفيق والسداد، وأعرض عن الجهال، واحلم عن السفهاء، فإن ذلك فضل الحكماء، وزين العلماء، وإذا شتمك الجاهل فاسكت عنه سلما، وجانبه حزما، فإن ما بقي من جهله عليك، وشتمه إياك أعظم وأكثر.
يا طالب العلم: إذا قرب منك العلم فلا تطلب ما بعد، وإذا سهل لك من وجه، فلا تطلب ما صعب، وإذا حمدت من خَبرتَه فلا تطلب من لم تخبره، فإن العدول عن القريب إلى البعيد، عناء ؛ وترك الأسهل بالأصعب بلاء ؛ والانتقال عن المخبور إلى غيره خطر.
قال ابن المبارك رحمه اله تعالى: لا يزال المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنَّ أنه قد علم فقد جهل.
يا طالب العلم: إياك وإصدار الأحكام بدون تأني (كالتكفير والتبديع والتفسيق) خاصة مع المعروفين بالانتماء للسنة.
قال ابن القيم رحمه الله: " السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعة، فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية، فثمرته حنظل، وإنما يكون الجداد يوم المعاد فعند الجداد يتبين حلو الثمار من مرها ".
قال قتادة رحمه الله تعالى: (لو كان أحد مكتفيا من العلم، لاكتفى نبي الله موسى عليه السلام، إذ قال للعبد الصالح (هل اتبعك على ان تعلمني مما علمت رشدا).
كيف تبلغ الدرجات العلى؟: قال الخطيب البغدادي في كتابه اقتضاء العلم العمل: وهل أدرك من أدرك من السلف الماضين الدرجات العلى إلا بإخلاص المعتقد، والعمل الصالح، والزهد الغالب في كل ما راق من الدنيا، وهل وصل الحكماء إلى السعادة العظمى، إلا بالتشمير في السعي، والرضى بالميسور، وبذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم، وهل جامع كتب العلم إلا كجامع الفضة والذهب؟! وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما؟! وهل المغرم بحبها إلا ككانزها وكما لا تنفع الأموال إلا بإنفاقها؛ كذلك لا تنفع العلوم إلا لمن عمل بها، وراعى واجباتها، فلينظر امرؤ لنفسه، وليغتنم وقته فإن الثواء قليل، والرحيل قريب، والطريق مخوف، والاغترار غالب، والخطر عظيم، والناقد بصير، والله تعالى بالمرصاد، وإليه المرجع والمعاد (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره).

