4. فوائد من كتاب أدب الدنيا والدين للماوردي
A
قيل لزاهد: قد خلعت الدنيا فكيف سخت نفسك عنها؟ فقال: أيقنت أني أخرج منها كارها، فرأيت أن أخرج منها طائعا.
قال صاحب كليلة ودمنة: طالب الدنيا كشارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا. وقيل لحرقة بنت النعمان: ما لك تبكين؟ فقالت: رأيت لأهلي غضارة، ولن تمتلئ دار فرحا، الا امتلات ترحا.
سمع رجل رجلا يقول لصاحبه: لا أراك الله مكروها، فقال: كأنك دعوت على صاحبك بالموت، إن صاحبك ما صاحب الدنيا فلا بد أن يرى مكروها.
دخل أبو حازم على بشر بن مروان فقال: يا أبا حازم ما المخرج مما نحن فيه؟ قال: تنظر ما عندك فلا تضعه الا في حقه، وما ليس عندك فلا تأخذه الا بحقه. قال: ومن يطيق هذا يا أبا حازم؟ قال: فمن أجل ذلك ملئت جهنم من الجنة والناس أجمعين.
دخل قوم منزل عابد فلم يجدوا شيئا يقعدون عليه فقال: لو كانت الدنيا دار مقام لاتخذنا لها أثاثا. قيل: الفقر ملك ليس فيه محاسبة.
قيل لبعض الزهاد: الا توصي؟ قال: بماذا أوصي والله ما لنا شيء، ولا لنا عند أحد شيء، ولا لأحد عندنا شيء. انظر إلى هذه الراحة كيف تعجلها وإلى السلامة كيف صار إليها.
قال بعض الحكماء: رب مغبوط بمسرة هي داؤه، ومرحوم من سقم هو شفاؤه. قال بعض الادباء: الناس أشتات ولكل جمع شتات.
قال بعض البلغاء: الزهد بصحة اليقين، وصحة اليقين بنور الدين، فمن صح يقينه زهد في الثراء، ومن قوي دينه أيقن بالجزاء، فلا تغرنك صحة نفسك، وسلامة أمسك، فمدة العمر قليلة، وصحة النفس مستحيلة.
حكي أن عبد الله بن عبيد الله بن عتبة بن مسعود باع دارا بثمانين ألف درهم فقيل له: اتخذ لولدك من هذا المال ذخرا. فقال: أنا أجعل هذا المال ذخرا لي عند الله عز وجل وأجعل الله ذخرا لولدي، وتصدق بها.
عوتب سهل بن عبد الله المروزي في كثرة الصدقة فقال: لو أن رجلا أراد أن ينتقل من دار إلى دار أكان يبقي في الاولى شيئا.
قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم: ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم أخربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب.
قيل لعبد الله بن عمر: ترك زيد بن خارجة مائة ألف درهم، فقال: لكنها لا تتركه. قال ابن السماك: من جرعته الدنيا حلاوتها بميله إليها، جرعته الاخرة مرارتها لتجافيه عنها.
قال الحسن البصري رحمه الله: ما أنعم الله على عبد نعمة الا وعليه فيها تبعة الا سليمان بن داود عليه السلام فإن الله تعالى قال له: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب}.
قال أبو حازم: إن عوفينا من شر ما أعطينا لم يضرنا فقد ما زوي عنا. قال بعض السلف: قدموا كلا ليكون لكم، ولا تخلفوا كلا فيكون عليكم.
قال سعيد بن المسيب: مر بي صلة بن أشيم فما تمالكت أن نهضت إليه فقلت: يا أبا الصهباء، ادع لي. فقال: رغبك الله فيما يبقى، وزهدك فيما يفنى، ووهب لك اليقين الذي لا تسكن النفس الا إليه، ولا يعول في الدين الا عليه.
لما ثقل عبد الملك بن مروان رأى غسالا يلوي بيده ثوبا فقال: وددت أني كنت غسالا لا أعيش الا بما أكتسبه يوما فيوما. فبلغ ذلك أبا حازم فقال: الحمد لله الذي جعلهم يتمنون عند الموت ما نحن فيه، ولا نتمنى نحن عنده ما هم فيه.
قال مورق العجلي: يا ابن آدم تؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن، وينقص عمرك وأنت لا تحزن، تطلب ما يطغيك وعندك ما يكفيك.
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: إنَّمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُلُوكِ يَوْمٌ وَاحِدٌ. أَمَّا أَمْسِ فَقَدْ مَضَى فَلاَ يَجِدُونَ لَذَّتَهُ. وَإِنَّا وَهُمْ مِنْ غَدٍ عَلَى وَجَلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمُ فَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ.
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: تَعَزَّ عَنْ الشَّيْءِ إذَا مُنِعْته لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُك إذَا أُعْطِيتَهُ.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ تَرَكَ نَصِيبَهُ مِنْ الدُّنْيَا اسْتَوْفَى حَظَّهُ مِنْ الاخِرَةِ. قَالَ آخَرُ: تَرْكُ التَّلَبُّسِ بِالدُّنْيَا قَبْلَ التَّشَبُّثِ بِهَا أَهْوَنُ مِنْ رَفْضِهَا بَعْدَ مُلاَبَسَتَهَا. قَالَ آخَرُ: لِيَكُنْ طَلَبُك لِلدُّنْيَا اضْطِرَارًا، وَتَذَكُّرُك فِي الامُورِ اعْتِبَارًا، وَسَعْيُك لِمَعَادِك ابْتِدَارًا.
مَنْ آمَنَ بِالاخِرَةِ لَمْ يَحْرِصْ عَلَى الدُّنْيَا، وَمَنْ أَيْقَنَ بِالْمُجَازَاةِ لَمْ يُؤْثِرْ عَلَى الْحُسْنَى.
قَالَ مِسْعَرٌ كَمْ مِنْ مُسْتَقْبِلٍ يَوْمًا وَلَيْسَ يَسْتَكْمِلُهُ، وَمُنْتَظِرٍ غَدًا وَلَيْسَ مِنْ أَجَلِهِ. وَلَوْ رَأَيْتُمْ الاجَلَ وَمَسِيرَهُ، لاَبْغَضْتُمْ الامَلَ وَغُرُورَهُ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضى الله عنه: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إنْ قُلْتُمْ سَمِعَ، وَإِنْ أَضْمَرْتُمْ عَلِمَ، وَبَادِرُوا الْمَوْتَ الَّذِي إنْ هَرَبْتُمْ أَدْرَكَكُمْ، وَإِنْ أَقَمْتُمْ أَخَذَكُمْ.
قَالَ الْعَلاَءُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لَيْسَ قَبْلَ الْمَوْتِ شَيْءٌ الا وَالْمَوْتُ أَشَدُّ مِنْهُ، وَلَيْسَ بَعْدَ الْمَوْتِ شَيْءٌ الا الْمَوْتُ أَيْسَرُ مِنْهُ.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إنَّ لِلْبَاقِي بِالْمَاضِي مُعْتَبَرًا، وَلِلْآخِرِ بِالاوَّلِ مُزْدَجَرًا، وَالسَّعِيدُ لاَ يَرْكَنُ إلَى الْخُدَعِ، وَلاَ يَغْتَرُّ بِالطَّمَعِ.
قَالَ بَعْضُ الصُّلَحَاءِ: إنَّ بَقَاءَك إلَى فَنَاءٍ، وَفَنَاءَك إلَى بَقَاءٍ، فَخُذْ مِنْ فَنَائِك الَّذِي لاَ يَبْقَى؛ لِبَقَائِك الَّذِي لاَ يَفْنَى.
قَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: كُلُّ امْرِئٍ يَجْرِي مِنْ عُمُرِهِ إلَى غَايَةٍ تَنْتَهِي إلَيْهَا مُدَّةُ أَجَلِهِ، وَتَنْطَوِي عَلَيْهَا صَحِيفَةُ عَمَلِهِ، فَخُذْ مِنْ نَفْسِك لِنَفْسِك، وَقِسْ يَوْمَك بِأَمْسِك، وَكَفَّ عَنْ سَيِّئَاتِك، وَزِدْ فِي حَسَنَاتِك قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَ مُدَّةَ الاجَلِ وَتُقَصِّرْ عَنْ الزِّيَادَةِ فِي السَّعْيِ وَالْعَمَلِ.
عَزَّى أَعْرَابِيٌّ رَجُلاً عَنْ ابْنٍ صَغِيرٍ لَهُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّاهُ مِمَّا هَهُنَا مِنْ الْكَدَرِ، وَخَلَّصَهُ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْخَطَرِ.
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ عَمِلَ لِلْآخِرَةِ أَحْرَزَهَا وَالدُّنْيَا، وَمَنْ آثَرَ الدُّنْيَا حُرِمَهَا وَالاخِرَةَ.
قَالَ بَعْضُ الصُّلَحَاءِ: اسْتَغْنِمْ تَنَفُّسَ الاجَلِ، وَإِمْكَانَ الْعَمَلِ، وَاقْطَعْ ذِكْرَ الْمَعَاذِيرِ وَالْعِلَلِ، فَإِنَّك فِي أَجَلٍ مَحْدُودٍ، وَنَفَسٍ مَعْدُومٍ، وَعُمُرٍ غَيْرِ مَمْدُودٍ.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الطَّبِيبُ مَعْذُورٌ، إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِ الْمَحْذُورِ.
قَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: اعْمَلْ عَمَلَ الْمُرْتَحِلِ فَإِنَّ حَادِيَ الْمَوْتِ يَحْدُوك، لِيَوْمٍ لَيْسَ يَعْدُوك.
رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: غَرَّ جَهُولاً أَمَلُهْ يَمُوتُ مَنْ جَا أَجَلُهْ وَمَنْ دَنَا مِنْ حَتْفِهِ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ حِيَلُهْ وَمَا بَقَاءُ آخِرٍ قَدْ غَابَ عَنْهُ أَوَّلُهْ وَالْمَرْءُ لاَ يَصْحَبُهُ فِي الْقَبْرِ الا عَمَلُهْ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه لِأَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه: عِظْنِي فَقَالَ: ارْضَ بِالْقَوْتِ وَخَفْ مِنْ الْفَوْتِ، وَاجْعَلْ صَوْمَك الدُّنْيَا وَفِطْرَك الْمَوْتَ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رضي الله عنه: مَا رَأَيْت يَقِينًا لاَ شَكَّ فِيهِ، أَشْبَهَ بِشَكٍّ لاَ يَقِين فِيهِ، مِنْ يَقِينٍ نَحْنُ فِيهِ. فَلَئِنْ كُنَّا مُقِرِّينَ إنَّا لِحَمْقَى، وَلَئِنْ كُنَّا جَاحِدِينَ إنَّا لَهَلْكَى.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: نَهَارُك ضَيْفُك فَأَحْسِنْ إلَيْهِ فَإِنَّك إنْ أَحْسَنْت إلَيْهِ ارْتَحَلَ بِحَمْدِك، وَإِنْ أَسَأْت إلَيْهِ ارْتَحَلَ بِذَمِّك، وَكَذَلِكَ لَيْلُك.
قَالَ الْجَاحِظُ، فِي كِتَابِ الْبَيَانِ وُجِدَ مَكْتُوبًا فِي حَجَرٍ: يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ رَأَيْت يَسِيرَ مَا بَقِيَ مِنْ أَجَلِك، لَزَهِدْت فِي طَوِيلِ مَا تَرْجُو مِنْ أَمَلِك، وَلَرَغِبْت فِي الزِّيَادَةِ مِنْ عَمَلِك، وَلَقَصَّرْت مِنْ حِرْصِك وَحِيَلِك، وَإِنَّمَا يَلْقَاك غَدًا نَدَمُك، لَوْ قَدْ زَلَّتْ بِك قَدَمُك، وَأَسْلَمَك أَهْلُك وَحَشَمُك، وَتَبَرَّأَ مِنْك الْقَرِيبُ، وَانْصَرَفَ عَنْك الْحَبِيبُ.
لَمَّا حَضَرَ بِشْرَ بْنَ مَنْصُورٍ الْمَوْتُ فَرِحَ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْرَحُ بِالْمَوْتِ؟ فَقَالَ: أَتَجْعَلُونَ قُدُومِي عَلَى خَالِقٍ أَرْجُوهُ كَمُقَامِي مَعَ مَخْلُوقٍ أَخَافُهُ؟
قِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: لَوْ أَرْسَلْت إلَى الطَّبِيبِ؟ فَقَالَ: قَدْ رَآنِي. قَالُوا: فَمَا قَالَ لَك؟ قَالَ: قَالَ: إنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ.
قِيلَ لِلرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وَقَدْ اعْتَلَّ: نَدْعُو لَك بِالطَّبِيبِ؟ قَالَ: قَدْ أَرَدْت ذَلِكَ فَذَكَرْت عَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا وَعَلِمْت أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ الدَّاءُ وَالْمُدَاوِي فَهَلَكُوا جَمِيعًا.
سَأَلَ أَنُوشِرْوَانَ: مَتَى يَكُونُ عَيْشُ الدُّنْيَا أَلَذَّ؟ قَالَ: إذَا كَانَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَهُ فِي حَيَاتِهِ مَعْمُولاً.
كَتَبَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَم إلَى أَخٍ لَهُ: قَدِّمْ جَهَازَك، وَافْرَغْ مِنْ زَادِك، وَكُنْ وَصِيَّ نَفْسِك وَالسَّلاَمُ. وَ
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: أَصَابَ الدُّنْيَا مَنْ حَذِرَهَا، وَأَصَابَتْ الدُّنْيَا مَنْ أَمِنَهَا.
مَرَّ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - بِقَوْمٍ فَقِيلَ: هَؤُلاَءِ زُهَّادٌ. فَقَالَ: مَا قَدْرُ الدُّنْيَا حَتَّى يُحْمَدَ مَنْ زَهِدَ فِيهَا.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: السَّعِيدُ مَنْ اعْتَبَرَ بِأَمْسِهِ، وَاسْتَظْهَرَ لِنَفْسِهِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ جَمَعَ لِغَيْرِهِ وَبَخِلَ عَلَى نَفْسِهِ.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: أَمْسُ أَجَلٌ، وَالْيَوْمُ عَمَلٌ، وَغَدًا أَمَلٌ.
قِيلَ لِزَاهِدٍ: مَا لَك تَمْشِي عَلَى الْعَصَا وَلَسْت بِكَبِيرٍ وَلاَ مَرِيضٍ؟ فَقَالَ: إنِّي أَعْلَمُ أَنِّي مُسَافِرٌ وَأَنَّهَا دَارُ بُلْغَةٍ وَإِنَّ الْعَصَا مِنْ آلَةِ السَّفَرِ.
قِيلَ فِي بَعْضِ الْمَوَاعِظِ: عَجَبًا لِمَنْ يَخَافُ الْعِقَابَ كَيْفَ لاَ يَكُفَّ عَنْ الْمَعَاصِي، وَعَجَبًا لِمَنْ يَرْجُو الثَّوَابَ كَيْفَ لاَ يَعْمَلُ.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْمُسِيءُ مَيِّتٌ وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْحَيَاةِ، وَالْمُحْسِنُ حَيٌّ وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الامْوَاتِ، وَكُلٌّ بِالاثَرِ يَوْمُهُ أَوْ غَدُهُ.
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى أَلْسِنَةٍ تَصِفُ، وَقُلُوبٍ تَعْرِفُ، وَأَعْمَالٍ تُخَالِفُ.
قيل: عِبَادَ اللَّهِ، الْحَذَرَ الْحَذَرَ، فَوَاَللَّهِ لَقَدْ سَتَرَ، حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ غَفَرَ، وَلَقَدْ أَمْهَلَ، حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ أَهْمَلَ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: النَّاسُ طَالِبَانِ يَطْلُبَانِ: فَطَالِبٌ يَطْلُبُ الدُّنْيَا فَارْفُضُوهَا فِي نَحْرِهِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَدْرَكَ الَّذِي يَطْلُبُهُ مِنْهَا فَهَلَكَ بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، وَطَالِبٌ يَطْلُبُ الاخِرَةَ فَإِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبًا يَطْلُبُ الاخِرَةَ فَنَافِسُوهُ فِيهَا.
دَخَلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه الشَّامَ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الشَّامِ اسْمَعُوا قَوْلَ أَخٍ نَاصِحٍ، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكُمْ تَبْنُونَ مَا لاَ تَسْكُنُونَ، وَتَجْمَعُونَ مَا لاَ تَأْكُلُونَ إنَّ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَكُمْ بَنَوْا مَشِيدًا، وَأَمَّلُوا بَعِيدًا، وَجَمَعُوا كَثِيرًا فَأَصْبَحَ أَمَلُهُمْ غُرُورًا، وَجَمْعُهُمْ ثُبُورًا، وَمَسَاكِنُهُمْ قُبُورًا.
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: إنَّ الدُّنْيَا غَرَّتْ أَقْوَامًا فَعَمِلُوا فِيهَا بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَاجَلَهُمْ الْمَوْتُ فَخَلَّفُوا مَالَهُمْ لِمَنْ لاَ يَحْمَدُهُمْ وَصَارُوا لِمَنْ لاَ يَعْذُرْهُمْ، وَقَدْ خُلِقْنَا بَعْدَهُمْ فَيَنْبَغِي أَنْ نَنْظُرَ لِلَّذِي كَرِهْنَاهُ مِنْهُمْ فَنَجْتَنِبَهُ، وَاَلَّذِي غَبَطْنَاهُمْ بِهِ فَنَسْتَعْمِلَهُ.
مَرَّ بَعْضُ الزُّهَّادِ بِبَابِ مَلِكٍ فَقَالَ: بَابٌ جَدِيدٌ، وَمَوْتٌ عَتِيدٌ، وَسَفَرٌ بَعِيدٌ.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَا أَنْصَفَ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ أَيْقَنَ بِالْحَشْرِ وَالْحِسَابِ، وَزَهِدَ فِي الاجْرِ وَالثَّوَابِ.
حَفَرَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَم فِي دَارِهِ قَبْرًا فَكَانَ إذَا وَجَدَ فِي قَلْبِهِ قَسْوَةً جَاءَ فَاضْطَجَعَ فِي الْقَبْرِ فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يَقُولُ: {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ}. ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: قَدْ أَرْجَعْتُك فَجِدِّي. فَمَكَثَ كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ.
قِيلَ لِبَعْضِ الزُّهَّادِ: مَا أَبْلَغُ الْعِظَاتِ؟ قَالَ: النَّظَرُ إلَى مَحَلَّةِ الامْوَاتِ.
قَالَ بَعْضُ الصُّلَحَاءِ: لَنَا مِنْ كُلِّ مَيِّتٍ عِظَةٌ بِحَالِهِ، وَعِبْرَةٌ بِمَالِهِ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَنْ لَمْ يَتَّعِظْ بِمَوْتِ وَلَدٍ، لَمْ يَتَّعِظْ بِقَوْلِ أَحَدٍ.
قَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مَا نَقَصَتْ سَاعَةٌ مِنْ أَمْسِك، الا بِبِضْعَةٍ مِنْ نَفْسِك.
لَمَّا مَاتَ الاسْكَنْدَرُ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: كَانَ الْمَلِكُ أَمْسِ أَنْطَقَ مِنْهُ الْيَوْمَ وَهُوَ الْيَوْمَ أَوَعْظُ مِنْهُ أَمْسِ.
كَتَبَ رَجُلٌ إلَى صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْقُدُّوسِ: الْمَوْتُ بَابٌ وَكُلُّ النَّاسِ دَاخِلُهُ فَلَيْتَ شَعْرِي بَعْدَ الْبَابِ مَا الدَّارُ فَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: الدَّارُ جَنَّاتُ عَدْنٍ إنْ عَمِلْت بِمَا يُرْضِي الالَهَ وَإِنْ خَالَفْت فَالنَّارُ هُمَا مَحَلاَنِ مَا لِلنَّاسِ غَيْرُهُمَا فَانْظُرْ لِنَفْسِك مَاذَا أَنْتَ مُخْتَارُ.
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لِنَافِذِ قُدْرَتِهِ وَبَالِغِ حِكْمَتِهِ، خَلَقَ الْخَلْقَ بِتَدْبِيرِهِ وَفَطَرَهُمْ بِتَقْدِيرِهِ، فَكَانَ مِنْ لَطِيفِ مَا دَبَّرَهُ وَبَدِيعِ مَا قَدَّرَهُ، أَنَّهُ خَلَقَهُمْ مُحْتَاجِينَ وَفَطَرَهُمْ عَاجِزِينَ، لِيَكُونَ بِالْغِنَى مُنْفَرِدًا وَبِالْقُدْرَةِ مُخْتَصًّا حَتَّى يُشْعِرَنَا بِقُدْرَتِهِ أَنَّهُ خَالِقٌ، وَيُعْلِمَنَا بِغِنَاهُ أَنَّهُ رَازِقٌ، فَنُذْعِنَ بِطَاعَتِهِ رَغْبَةً وَرَهْبَةً وَنُقِرَّ بِنَقَائِصِنَا عَجْزًا وَحَاجَةً. ثُمَّ جَعَلَ الانْسَانَ أَكْثَرَ حَاجَةً مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْحَيَوَانِ مَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ عَنْ جِنْسِهِ، وَالانْسَانُ مَطْبُوعٌ عَلَى الافْتِقَارِ إلَى جِنْسِهِ. وَاسْتِعَانَتُهُ صِفَةٌ لاَزِمَةٌ لِطَبْعِهِ، وَخِلْقَةٌ قَائِمَةٌ فِي جَوْهَرِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَخُلِقَ الانْسَانُ ضَعِيفًا}. يَعْنِي عَنْ الصَّبْرِ عَمَّا هُوَ إلَيْهِ مُفْتَقِرٌ وَاحْتِمَالِ مَا هُوَ عَنْهُ عَاجِزٌ.
لَمَّا كَانَ الانْسَانُ أَكْثَرَ حَاجَةً مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ كَانَ أَظْهَرَ عَجْزً ا؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الشَّيْءِ افْتِقَارٌ إلَيْهِ، وَالْمُفْتَقِرُ إلَى الشَّيْءِ عَاجِزٌ بِهِ.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ: اسْتِغْنَاؤُك عَنْ الشَّيْءِ خَيْرٌ مِنْ اسْتِغْنَائِك بِهِ. وَإِنَّمَا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى الانْسَانَ بِكَثْرَةِ الْحَاجَةِ وَظُهُورِ الْعَجْزِ نِعْمَةً عَلَيْهِ وَلُطْفًا بِهِ؛ لِيَكُونَ ذُلُّ الْحَاجَةِ وَمُهَانَةُ الْعَجْزِ يَمْنَعَانِهِ مِنْ طُغْيَانِ الْغِنَى وَبَغْيِ الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّ الطُّغْيَانَ مَرْكُوزٌ فِي طَبْعِهِ إذَا اسْتَغْنَى، وَالْبَغْيَ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ إذَا قَدَرَ. وَقَدْ أَنْبَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ عَنْهُ فَقَالَ: {كَلاً إنَّ الانْسَانَ لِيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}. ثُمَّ لِيَكُونَ أَقْوَى الامُورِ شَاهِدًا عَلَى نَقْصِهِ، وَأَوْضَحَهَا دَلِيلاً عَلَى عَجْزِهِ.

