2. قوائد من كتاب روضة العقلاء
A
عن رياح القيسي قال: إن لله ملائكة موكلين بأرزاق بني آدم، يحملون أرزاقهم على درجاتهم. ثم قال: أيما عبد من عبادي جعل همه هما واحدا فضمنوا السماوات والأرضين وبني آدم رزقه، وأي عبد طلب رزقه، فأعطوه رزقه حيث أراده، فإن تحرى مكاسبه بالعدل، فطيبوا له رزقه، وإن يغدو إلى الحرام، فليأخذوا من هواه إلى غاية درجته التي ليس فوقها، ثم حولوا بينه وبين سائر الدنيا؛ فلا يأخذن من حلالها ولا من حرامها فوق الدرجة التي كتبت له.
قال أبو حاتم: العاقل يعلم أن الأرزاق قد فرغ منها، وتضمنها الولي الوفي، على أن يوفرها على عباده في وقت حاجتهم إليها، فالاشتغال بالسعي لما تضمن وتكفل ليس من أخلاق أهل الحزم، إلا مع انطواء صحة الضمير، على أنه وإن لم يسع في قصده أتاه رزقه من حيث لا يحتسب.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن يعلم أن السبب الذي يدرك به العاجز حاجته، هو الذي يحول بين الحازم وبين مصادفته، فلا يجب أن يحزن العاقل لما يهوى وليس بكائن، ولا لما لا يهوى وهو لا محالة كائن؛ فما كان من هذه الدنيا للمرء أتاه من غير تعب فيه، وما كان عليه لم يدفعه بقوته، ولا يدرك بالطلب المحروم، كما لا يحرم بالقعود المرزوق.
قال إسحاق بن موسى الأنصاري سمعت يمان النجراني - وكان لا يدخر شيئا - يقول: مررت براهب في قاع - فلاة من الأرض -، وأنا جائع، فقلت: يا راهب، هل عندك من فضل؟ فأدلى إلي زنبيلا فيه فلق من خبز، فأكلت منها، ورميت إليه بالباقي، فقال: تزوده، قلت: الذي أطعمني في هذا الموضع، وليس فيه إنسي، يطعمني إذا جعت، ولا يكون معي شيء.
قال أبو حاتم: التوكل هو قطع القلب عن العلائق، برفض الخلائق، وإضافته بالافتقار إلى محول الأحوال، وقد يكون المرء موسرا في ذات الدنيا وهو متوكل صادق في توكله، إذا كان العدم والوجود عنده سيان، لا فرق عنده بينهما، يشكر عند الوجود، ويرضى عند العدم، وقد يكون المرء لا يملك شيئا من الدنيا بحيلة من الحيل، وهو غير متوكل، إذا كان الوجود أحب إليه من العدم، فلا هو في العدم يرضى حالته، ولا عند الوجود يشكر مرتبته.
عن نافع بن خالد قال: دخلنا على رابعة العدوية فذكرنا أسباب الرزق فخضنا فيه وهي ساكتة، فلما فرغنا قالت رابعة: خيبة لمن يدعي حبه ثم يتهمه في رزقه !.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن يعلم أن الأشياء كلها قد فرغ منها، فمنها ما هو كائن لا محالة، وما لا يكون فلا حيلة في تكوينه للخلق، فإن دفعه الوقت إلى حال شدة، يجب أن يتزر بإزار له طرفان: أحدهما: الصبر والآخر: الرضا. ليستوفي كمال الذخر بفعله ذلك، فكم من شدة قد صعبت، وتعذر زوالها على العالم بأسره، ثم فرج عنها السهل في أقل من لحظة.
عن أبي الحجاج الأزدي قال: سألنا سلمان: ما الإيمان بالقدر؟ قال: إذا علم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
عن عبد الواحد بن زيد قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، من أين أتي هذا الخلق؟ قال: من قلة الرضا عن الله، قلت: ومن أين أوتي قلة الرضا عن الله؟ قال: من قلة المعرفة بالله.
قال أبو حاتم: يجب على العاقل إذا كان مبتدئا، أن يلزم عند ورود الشدة عليه سلوك الصبر، فإذا تمكن منه حينئذ يرتقي من درجة الصبر إلى درجة الرضا، فإن لم يرزق صبرا فليلزم التصبر؛ لأنه أول مراتب الرضا، ولو كان الصبر من الرجال لكان رجلا كريما، إذ هو بذر الخير، وأساس الطاعات.
عن سفيان بن عيينة قال: سمعت رجلا من أهل الكتاب أسلم، قال: أوحى الله - جل وعلا - إلى داود: يا داود، اصبر على المؤونة، تأتيك مني المعونة.
قال عبد الواحد بن زيد: ما أحسب أن شيئا من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا، ولا أعلم درجة أشرف ولا أرفع من الرضا، وهو رأس المحبة.
قال أبو حاتم: الصبر جماع المرء، ونظام الحزم، ودعامة العقل، وبذر الخير، وحيلة من لا حيلة له. وأول درجته: الاهتمام، ثم التيقظ، ثم التثبت، ثم التصبر، ثم الصبر، ثم الرضا، وهو النهاية في الحالات.
عن ميمون بن مهران قال: ما نال عبد شيئا من جسيم الخير، من نبي أو غيره، إلا بالصبر. قال أيوب: إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون.
قال أبو حاتم: الصبر على ضروب ثلاثة: 1- فالصبر عن المعاصي، 2- والصبر على الطاعات، 3 - والصبر عند الشدائد والمصائب. وأفضلها: الصبر عن المعاصي. فالعاقل يدبر أحواله بما يتثبت عند الأشياء الثلاثة التي ذكرناها، بلزوم الصبر على المراتب التي وصفناها قبل، حتى يرتقي بها إلى درجة الرضا عن الله - جل وعلا - في حال العسر واليسر معا، نسأل الله الوصول إلى تلك الدرجة بمنه.
عن معاذة امرأة صلة بن أشيم: لما أتاها نعي زوجها وابنها، جاءها النساء، فقالت: إن كنتن جئتن لتهنئتنا بما أكرمنا الله به وإلا فارجعن. قال ثابت: وكان صلة يأكل يوما، فأتاه رجل، فقال: مات أخوك، قال: هيهات، قد نعي إلي، اجلس فكل، فقال الرجل: ما سبقني إليك أحد، قال: قال الله: " إنك ميت وإنهم ميتون " [الزمر: 30].
قال أبو حاتم -: الواجب على العاقل توطين النفس على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة؛ إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشد من الاستعمال بمثلها.
عن يونس بن ميسرة بن حلبس قال: ثلاثة يحبهم الله: من كره سوءا يأتيه إلى أخيه وصاحبه، فذلك قمن أن يستحي الله منه، ومن كان ذا رفعة من الناس فتواضع لله، فذلك الذي عرف عظمة الله، ويخاف مقته، ومن كان عفوه قريبا من إساءته، فذلك الذي تقوم به الدنيا.
قال أبو حاتم: من أراد الثواب الجزيل، واسترهان الود الأصيل، وتوقع الذكر الجميل، فليتحمل من ورود ثقل الردى، ويتجرع مرارة مخالفة الهوى، باستعمال السنة التي ذكرناها في الصلة عند القطع، والإعطاء عند المنع، والحلم عند الجهل، والعفو عند الظلم، لأنه من أفضل أخلاق أهل الدين والدنيا.
قال أيوب السختياني: لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عنهم.
قال عمر بن عبد العزيز: أحب الأمور إلى الله ثلاثة: العفو في القدرة، والقصد في الجدة، والرفق في العبادة، وما رفق أحد بأحد في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة.
كتب الحجاج إلى عبد الملك: إنك أعز ما تكون أحوج ما تكون إلى الله، فإذا تعززت بالله فاعف، فإنك به تعز، وإليه ترجع.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل لزوم الصفح عند ورود الإساءة عليه من العالم بأسرهم، رجاء عفو الله - جل وعلا - عنه عن جناياته التي ارتكبها في سالف أيامه؛ لأن صاحب الصفح إنما يتكلف الصفح بإيثاره الجزاء، وصاحب العقاب، وإن انتقم، كان إلى الندم أقرب، فأما من له أخ يوده، فإنه يحتمل عنه الدهر كله زلاته.
قال الفضيل بن عياض: احتمل أخاك إلى سبعين زلة، قيل له: وكيف ذلك يا أبا علي؟ قال: لأن الأخ الذي آخيته في الله ليس يزل سبعين زلة.
قال أبو حاتم: أغنى الناس عن الحقد من عظم عن المجازاة، وأجل الناس مرتبة من صد الجهل بالعلم، وما الفضل إلا لمن يحسن إلى من أساء إليه، فأما مجازاة الإحسان إحسانا، فهو المساواة في الأخلاق، وربما استعملها البهائم في الأوقات، ولو لم يكن في الصفح وترك الإساءة خصلة تحمد، إلا راحة النفس وفراغ القلب، لكان الواجب على العاقل أن لا يكدر وقته بالدخول في أخلاق البهائم، بالمجازاة على الإساءة إساءة، ومن جازى بالإساءة إساءة فهو المسيء، وإن لم يكن بادئا.
عن زيد بن أسلم قال: قال لقمان لابنه: يا بني، كذب من قال: إن الشر يطفىء الشر، فإن كان صادقا، فليوقد نارا إلى جانب نار، فلينظر هل تطفىء إحداهما الأخرى؟ وإلا فإن الخير يطفىء الشر، كما يطفىء الماء النار.
قال لقمان الحكيم لابنه: أي بني، أي شيء أقل؟ وأي شيء أكثر؟ وأي شيء أحلى؟ وأي شيء أبرد؟ وأي شيء آنس؟ وأي شيء أوحش؟ وأي شيء أقرب؟ وأي شيء أبعد؟ قال: أما أي شيء أقل: فاليقين، وأما أي شيء أكثر: فالشك، وأما أي شيء أحلى: فروح الله بين العباد يتحابون بها، وأما أي شيء أبرد: فعفو الله عن عباده، وعفو الناس بعضهم عن بعض، وأي شيء آنس: حبيبك إذا أغلق عليك وعليه باب واحد، وأي شيء أوحش: جسد إذا مات، فليس شيء أوحش منه، وأي شيء أقرب: فالآخرة من الدنيا، وأي شيء أبعد: فالدنيا من الآخرة.
قال إسماعيل بن عبيد الله لبنيه: يا بني، أكرموا من أكرمكم، وإن كان عبدا حبشيا، وأهينوا من أهانكم، وإن كان رجلا قرشيا. قال أبو حاتم: هذا الذي قاله إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، إن استعمله العاقل في الأحوال كلها مع الجاهل فلا ضير، فأما من ارتفع عن حد الجهال، واتضع عن حد العقلاء، فالإغضاء عن مثله في الأوقات أحمد، مخافة الازدياد منه، ولأن يصبر المرء على حرارة الجفاء ومرارتها أولى من الانتقام مما يستجلب عليه بما هو أحر وأشد وأمر أيضا مما مضى؛ لأن من الكلام ما هو أشد من الحجر، وأنفذ من الإبر، وأمر من الصبر.
عن ابن عمر في هذه الآية: " خذ العفو وأمر بالعرف " ([الأعراف: 199] قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو عن أخلاق الناس.
قال أبو حاتم: أكرم الناس من اتقى الله، والكريم التقي. والتقوى: هو العزم على إتيان المأمورات، والانزجار عن جميع المزجورات، فمن صحح عزمه على هاتين الخصلتين، فهو التقي الذي يستحق اسم الكرم، ومن تعرى عن استعمالهما، أو أحديهما، أو شعبة من شعبهما، فقد نقص من كرمه مثله.
قال زيد بن ثابت: ثلاث خصال لا تجتمع إلا في كريم: حسن المحضر، واحتمال الزلة، وقلة الملالة.
قال أبو حاتم: الكريم لا يكون حقودا، ولا حسودا، ولا شامتا، ولا باغيا، ولا ساهيا، ولا لاهيا، ولا فاجرا، ولا فخورا، ولا كذوبا، ولا ملولا، لا يقطع إلفه، ولا يؤذي إخوانه، ولا يضيع الحفاظ، ولا يجفو في الوداد، يعطي من لا يرجو، ويؤمن من لا يخاف، ويعفو عن قدرة، ويصل عن قطيعة.
عن إبراهيم بن شكلة قال: إن لكل شيء حياة وموتا، وإن مما يحيي الكرم مواصلة الكرماء، وإن مما يميت اللؤم مجانبة اللئام.
قال أبو حاتم: الكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسو إذا ألطف، والكريم يجل الكرام، ولا يهين اللئام، ولا يؤذي العاقل، ولا يمازح الأحمق، ولا يعاشر الفاجر، مؤثرا إخوانه على نفسه، باذلا لهم ما ملك، إذا اطلع على رغبة من أخ لم يدع مكافأتها، وإذا عرف منه المودة لم ينظر في ملق العداوة، وإذا أعطاه من نفسه الإخاء لم يقطعه بشيء من الأشياء.
قال الأعمش قال لي الشعبي: إن كرام الناس أسرعهم مودة، وأبطؤهم عداوة، مثل الكوب من الفضة: يبطىء الانكسار، ويسرع الانجبار، وإن لئام الناس أبطؤهم مودة، وأسرعهم عداوة، مثل الكوب من الفخار: يسرع الانكسار، ويبطىء الانجبار.
قال أبو حاتم: الكريم من أعطاه شكره، ومن منعه عذره، ومن قطعه وصله، ومن وصله فضله، ومن سأله أعطاه، ومن لم يسأله ابتدأه، وإذا استضعف أحدا رحمه، وإذا استعطف أحدا رأى الموت أكرم له منه، واللئيم بضد ما وصفنا من الخصال كلها.
عن أبي عيسى قال: كان إبراهيم بن أدهم كريم النفس، يخالط الناس بأخلاقهم، ويأكل معهم، قال: فربما اتخذ لهم الشواء والجوذبات والخبيص، وربما خلا هو وأصحابه الذين يأنس بهم فيتصارعون، قال: وكان يعمل عمل رجلين، وكان إذا صار إلى نفسه أكل عجينا.
قال أبو حاتم: أجمع أهل التجارب للدهر، وأهل الفضل في الدين، والراغبون في الجميل: على أن أفضل ما اقتنى الرجل لنفسه في الدنيا، وأجل ما يدخر لها في العقبى، هو لزوم الكرم، ومعاشرة الكرام؛ لأن الكرم يحسن الذكر، ويشرف القدر، وهو طباع ركبها الله في بني آدم، فمن الناس من يكون أكرم من أبيه، وربما كان الأب أكرم من ابنه، وربما كان المملوك أكرم من مولاه، وربما كان مولى أكرم من مملوكه.
عن أحمد بن أبي الحواري، قـال: سمعت أبي يقول: ما من أحد إلا وله توبة، إلا سيء الخلق، فإنه لا يتوب من ذنب إلا دخل في أشر منه.
قال أبو حاتم: الكريم محمود الأثر في الدنيا، مرضي العمل في العقبى، يحبه القريب والقاصي، ويألفه المتسخط والراضي، يفارقه الأعداء واللئام، ويصحبه العقلاء والكرام. وما رأيت أشد نقصا في عمل الكريم من الفقر، سواء كان ذلك بالقلب أو بالموجود.
عن حذيفة: أنه بلغه أن رجلا ينم الحديث، فقال حذيفة رضى الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة نمام» رواه مسلم. قال أبو حاتم: الواجب على الناس كافة: مجانبة الإفكار في السبب الذي يؤدي إلى البغضاء والمشاحنة بين الناس، والسعي فيما يفرق جمعهم ويبدد شملهم، فالعاقل لا يخوض في الإفكار فيما ذكرنا، ولا يقبل سعاية الواشي بحيلة من الحيل، لعلمه بما يرتكب الواشي من الإثم في العقبى بفعله ذلك.
عن العتبي قال: سمعت أعرابية توصي ابنا لها، فقالت: عليك بحفظ السر، وإياك والنميمة، فإنها لا تترك مودة إلا أفسدتها، ولا جماعة إلا بددتها، ولا ضغينة إلا أوقدتها. ثم لا بد لمن عرف بها ونسب إلى مقارفتها من أن يحترس من مجالسته، وأن لا يوثق بمودته، وأن يزهد في مواصلته ومعاشرته.
سعى رجل بالليث بن سعد إلى والي مصر، فبعث إليه فدعاه، فلما دخل عليه، قال له: يا أبا الحارث، إن هذا أبلغني عنك كذا وكذا، فقال له الليث: سله - أصلح الله الأمير! - عما أبلغك: أهو شيء ائتمناه عليه، فخاننا فيه، فما ينبغي لك أن تقبل من خائن، أو شيء كذب علينا فيه، فما ينبغي لك أن تقبل من كاذب، فقال الوالي: صدقت يا أبا الحارث.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل لزوم الإغضاء عما ينقل الوشاة، وصرف جميعها إلى الإحسان، وترك الخروج إلى ما لا يليق بأهل العقل، مع ترك الإفكار فيما يزري بالعقل، وأنه من وشى بشيء إلى إنسان بعينه، يكون قصده إلى المخبر أكثر من قصده إلى المخبر عنه، لمشافهته إياه بالشيء الذي يشق عليه علمه وسماعه.
قال أبو حاتم: هذا وأمثاله من ثمرة النميمة؛ لأنها تهتك الأستار، وتفشي الأسرار، وتورث الضغائن، وترفع الود، وتجدد العداوة، وتبدد الجماعة، وتهيج الحقد، وتزيد الضغينة، فمن وشي إليه عن أخ، كان الواجب عليه معاتبته على الهفوة إن كانت، وقبول العذر إذا اعتذر، وترك الإكثار من العتب مع توطين النفس على الشكر عند الحفاظ، وعلى الصبر عند الضياع، وعلى المعاتبة عند الإساءة.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن لا يقصر عن معاتبة أخيه على زلته؛ لأن من لا يعاتب على الزلة، لم يكن بحافظ للخلة، ومن أعتب لم يذنب، كما أن من اغتفر لم يعاقب، وظاهر العتاب خير من مكتوم الحقد، ورب عتب أنفع من صفح.
قال أبو حاتم: لا يجب على العاقل أن يناقش على تصحيح الإعتاب بالإكثار، مخافة أن يعود المعاتب إلى ما عوتب عليه؛ لأن من عاتب على كل ذنب أخاه، فخليق أن يمله ويقلاه، وإن من سوء الأدب كثرة العتاب كما أن من أعظم الجفاء ترك العتاب، والإكثار في المعاتبة يقطع الود، ويورث الصد..
إن الواجب على العاقل إذا اعتذر إليه أخوه بجرم مضى، أو لتقصير سبق، أن يقبل عذره، ويجعله كمن لم يذنب؛ لأن من تنصل إليه فلم يقبل، أخاف أن لا يرد الحوض على المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن فرط منه تقصير في سبب من الأسباب، يجب عليه الاعتذار في تقصيره إلى أخيه.
غضب سليمان بن عبد الملك على خالد بن عبد الله، فلما دخل عليه، قال: يا أمير المؤمنين، القدرة تذهب الحفيظة، وأنت تجل عن العقوبة، فإن تعف فأهل ذاك أنت، وإن تعاقب فأهل ذاك أنا، قال: فعفا عنه.
قال أبو حاتم: لا يجب للمرء أن يعتذر بحيلة إلى من لا يحب أن يجد له عذرا، ولا يجب أن يكثر من الاعتذار إلى أخيه؛ فإن الإكثار من الاعتذار هو السبب المؤدي إلى التهمة، وإني لأستحب الإقلال من الاعتذار على الأحوال كلها، لعلمي أن المعاذير يعتريها الكذب، وقل ما رأيت أحدا اعتذر إلا شاب اعتذاره بالكذب، ومن اعترف بالزلة استحق الصفح عنها؛ لأن ذل الاعتذار عن الزلة يوجب تسكين الغضب عنها، والمعتذر إذا كان محقا يخضع في قوله، ويذل في فعله.
عن أبي قلابة قال: إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له عذرا، فإن لم تجد له عذرا فقل: لعل له عذرا لا أعلمه.
قال أبو حاتم: لا يجب للمرء أن يعلن عقوبة من لم يعلن ذنبه، ولا يخلو المعتذر في اعتذاره من إحدى حالتين: إما أن يكون صادقا في اعتذاره، أو كاذبا؛ فإن كان صادقا فقد استحق الغفران ؛ لأن شر الناس من لم يقل العثرات، ولا يستر الزلات، وإن كان كاذبا فالواجب على المرء إذا علم من المعتذر إثم الكذب وريبته وخضوع الاعتذار وذلته: أن لا يعاقبه على الذنب السالف، بل يشكر له الإحسان المحدث، الذي جاء به في اعتذاره، وليس بعيب على المعتذر إن ذل وخضع في اعتذاره إلى أخيه.
قال أبوحاتم: الاعتذار يذهب الهموم، ويجلي الأحزان، ويدفع الحقد، ويذهب الصد، والإقلال منه تستغرق فيه الجنايات العظيمة والذنوب الكثيرة، والإكثار منه يؤدي إلى الاتهام وسوء الرأي، فلو لم يكن في اعتذار المرء إلى أخيه خصلة تحمد إلا نفي العجب عن النفس في الحال، لكان الواجب على العاقل أن لا يفارقه الاعتذار عند كل زلة يزل.
عن عمرو بن العاص أنه قال: عجبت من الرجل يفر من القدر، وهو مواقعه، ومن الرجل يرى القذاة في عين أخيه، ويدع الجذع في عينه، ومن الرجل يخرج الضغن [من موضع]، ويدع الضغن في نفسه، وما ندمت على أمر قط فلمت نفسي على تندمي عليه، وما وضعت سري عند أحد فلمته على أن يفشيه، كيف ألومه وقد ضقت به؟.
عن المدائني قال: كان يقال: أصبر الناس الذي لا يفشي سره إلى صديقه، مخافة أن يقع بينهما شيء فيفشيه.
قال أبو حاتم: من حصن بالكتمان سره تم له تدبيره، وكان له الظفر بما يريد، والسلامة من العيب والضرر، وإن أخطأه التمكن والظفر، فالحازم يجعل سره في وعاء، ويكتمه عن كل مستودع ؛ فإن اضطره الأمر وغلبه أودعه العاقل الناصح له؛ لأن السر أمانة، وإفشاؤه خيانة، والقلب له وعاؤه، فمن الأوعية ما يضيق بما يودع، ومنها ما يتسع بما استودع.
قال أبو حاتم: الإفراط في الاسترسال بالأسرار عجز، وما كتمه المرء من عدوه فلا يجب أن يظهره لصديقه، وكفى لذوي الألباب عبرا ما جربوا، ومن استودع حديثا فليستر، ولا يكن مهتاكا، ولا مشياعا؛ لأن السر إنما سمي سرا؛ لأنه لا يفشى. فيجب على العاقل أن يكون صدره أوسع لسره من صدر غيره، بأن لا يفشيه.
قال أبو حاتم: الظفر بالحزم، والحزم بإحالة الرأي، والرأي بتحصين الأسرار، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده، ومن أنبأ الناس بأسراره هان عليهم وأذاعوها، ومن لم يكتم السر استحق الندم، ومن استحق الندم صار ناقص العقل، ومن دام على هذا رجع إلى الجهل فتحصين السر للعاقل أولى به من التلهف بالندم بعد خروجه منه.
قيل للأحنف بن قيس: ما أحلمك! قال: والله ما فعلته إلا تعليما من عمومتي، ولقد قلت ذات يوم لأحدهم: أي عم، ماذا لقيت من ضراسي البارحة؟ فقال: إنها قد ذهبت عين عمك منذ سنة، ما شعر بها أحد.
قال أبو حاتم - رحمه الله -: لا بد لصاحب السر المكاتم له على ما وصفنا، أن يضيق صدره، فيشتهي إذاعة ما به، فإذا كان كذلك، اختار إفشاءه بالاستشارة مع الدين العاقل الودود له، ولا يستشير إلا من وجد فيه الخصال الثلاث التي ذكرنا؛ فإنه إن لم يكن دينا خانه، وإن لم يكن عاقلا أخطأ موضع الإصابة، وإن لم يكن وادا، ربما لم ينصحه.
عن الحسن قال: الناس ثلاثة: رجل تام، ورجل نصف رجل، ورجل لا شيء. فأما التام فله تجربة ولا يدع المشاورة في الأمر، وأما النصف فرجل له رأي ولا يقطع أمرا حتى يشاور، وأما الذي ليس بشيء فرجل ليس له رأي ولا يشاور أحدا.
عن الحسن في قوله تعالى: وشاورهم في الأمر [آل عمران: 159]. قال: ما كان يحتاج إليهم، ولكن أحب أن تستسن من بعده.
قال أبو حاتم: المستشار مؤتمن، وليس بضامن، والمستشير متحصن من السقط، متخير للرأي. والواجب على العاقل، السالك سبيل ذوي الحجى: أن يعلم أن المشاورة تفشي الأسرار، فلا يستشير إلا اللبيب الناصح الودود الفاضل في دينه، وإرشاد المشير المستشير قضاء حق النعمة في الرأي. والمشورة لا تخلو من البركة إذا كانت مع مثل من وصفنا نعته.
قال الحسن: ما حزب قوما قط أمر، فاجتمعوا فتشاوروا فيه، إلا أرشدهم الله - جل وعلا - لأصوبه.
عن وهب بن منبه أنه قال: في التوراة أربعة أحرف مكتوبة: من لم يشاور يندم، ومن استغنى استأثر، والفقر الموت الأحمر، وكما تدين تدان.
قال أبو حاتم: لا أنس آنس من استشارة عاقل ودود، ولا وحشة أوحش من مخالفته، لأن المشاورة والمناظرة بابا بركة ومفتاحا رحمة. ومن استشير فليشر بالنصيحة، وليجتهد بالرأي، وليلزم الحق وقصد السبيل، وليجعل المستشير كنفسه، بترك الخيانة، وبذل النصيحة.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل إذا استشير قوم هو فيهم، أن يكون آخر من يشير؛ لأنه أمكن من الفكر، وأبعد من الزلل، وأقرب من الحزم، وأسلم من السقط، ومن استشار فلينفذ الحزم بأن لا يستشير عاجزا، كما أن الحازم لا يستعين كسلانا، وفي الاستشارة عين من الهداية، ومن شاور لم يعدم رشدا، ومن ترك المشاورة لم يعدم غيا، ولا يندم من شاور مرشدا.
قال أبو حاتم - رحمه الله -: إن من شيم العاقل عند النائبة تنوبه: أن يشاور عاقلا ناصحا ذا رأي، ثم يطيعه، وليعترف للحق عند المشورة، ولا يتمادى في الباطل، بل يقبل الحق ممن جاء به، ولا يحقر الرأي الجليل إذا أتاه الرأي الحقير؛ لأن اللؤلؤة الخطيرة لا يشينها قلة خطر غائصها الذي استخرجها، ثم يستخير الله، ويمضي فيما أشار عليه.
قال أبو حاتم: الواجب على المرء لزوم النصيحة للمسلمين كافة، وترك الخيانة لهم، بالإضمار والقول والفعل معا.
قال علي بن أبي طالب رضى الله عنه: لا تعمل بالخديعة؛ فإنها خلق اللئام، وامحض أخاك النصيحة، حسنة كانت أو قبيحة، وزل معه حيث زال.
قال أبو حاتم - رحمه الله -: خير الإخوان أشدهم مبالغة في النصيحة، كما أن خير الأعمال أجملها عاقبة، وأحسنها إخلاصا، وضرب الناصح خير من تحية الشانئ. ويجب أن يكون للعاقل نصيحة مبذولة للعامة، مكتوم من العام والخاص ما قدر عليه، وليس الناصح بأولى بالنصيحة من المنصوح له.
لما قدم علي رضى الله عنه الكوفة، لقيه المغيرة بن شعبة، فقال له: إني أشير عليك برأي فاقبله، قال: هات، قال: أقرر معاوية على الشام، تسمح لك طاعته، فإن أهل الشام قد ذاقوه فاستعذبوه، ووليهم عشرين سنة لم يعيبوا عليه، ولم يعتبوه في عرض ولا مال، فقال: والله لو سألني قرية ما وليته إياها. قال: فقال المغيرة: أراه سيلي أرضين وقريات.
عن الحسن قال: إن المؤمن شعبة من المؤمن، وهو مرآة أخيه، إن رأى منه ما لا يعجبه سدده وقومه، ونصحه في السر والعلانية.
قال بعض الحكماء: اثنان ظالمان: رجل أهديت له النصيحة فاتخذها ذنبا، ورجل وسع له في مكان ضيق فقعد متربعا.
قال أبو حاتم: النصيحة منوطة بالتهمة، وليست النصيحة إلا لمن قبلها، كما أن الدنيا ليست إلا لمن تركها، ولا الآخرة إلا لمن طلبها، وليس على كل ذي نصح إلا الجهد، ومن لم يقبل من نصائحه ما يثقل عليه، لم يحمد غب رأيه، ومشاورة الأصم أحمد من الناصح المعرض عنه. ومن بذل نصيحته لمن لا يشكره، كان كالباذر في السباخ، وأكثر ما يوجد ترك قبول النصيحة في المعجب برأيه.
قال أبو حاتم - رحمه الله -: النصيحة تجب على الناس كافة، على ما ذكرنا قبل، ولكن إبداؤها لا يجب أن يكون إلا سرا؛ لأن من وعظ أخاه علانية فقد شانه، ومن وعظه سرا فقد زانه، فإبلاغ المجهود للمسلم فيما يزين أخاه، أحرى من القصد فيما يشينه.
عن سفيان عيينة قال: قلت لمسعر: تحب أن يخبرك رجل بعيوبك؟ قال: أما أن يجيء إنسان فيوبخني بها فلا، وأما أن يجيء ناصح فنعم.
عن ابن المبارك قال: كان الرجل إذا رأى من أخيه ما يكره، أمره في ستر، ونهاه في ستر، فيؤجر في ستره، ويؤجر في نهيه، فأما اليوم: فإذا رأى أحد من أحد ما يكره، استغضب أخاه وهتك ستره.
جاء طلحة بن مصرف إلى عبد الجبار بن وائل - وعنده قوم - فساره بشيء، ثم انصرف، فقال: أتدرون ما قال لي؟ قال: رأيتك التفت أمس وأنت تصلي.
علامة الناصح إذا أراد زينة المنصوح له، أن ينصحه سرا، وعلامة من أراد شينه، أن ينصحه علانية، فليحذر العاقل نصيحة الأعداء في السر والعلانية.

