فوائد من سير السلف الجزء الثالث
A
قال سفيان: صلى ابن المنكدر على رجل يذكر بكل سوء، فقيل له: لم تصلي على فلان؟ قال: إني أستحيي من الله أن يعلم مني أن رحمته تعجز عن أحد من خلقه.
قال محمد بن المنكدر: بت أغمر رجل أمي، وبات عمر، يعني أخاه، يصلي وما يسرني أن ليلتي بليلته.
قال محمد بن المنكدر: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان، أدخلوهم في رياض الجنة، ثم يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي وثنائي وأخبروهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
قال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس رضي الله عنه ثلاثين عرضا، أوقفه على كل آية أسأله فيما نزلت وكيف كانت؟
قال مجاهد: لابن آدم جلساء من الملائكة، فإذا ذكر الرجل المسلم أخاه المسلم بخير، قالت الملائكة ولك بمثله، فإذا ذكره بسوء قالت الملائكة: يا ابن آدم المستور عورته، اربع على نفسك، واحمد الله الذي ستر عليك.
قال عمر بن ذر: قال مجاهد: ما من مرض يمرضه العبد إلا ورسول ملك الموت عنده، حتى إذا كان آخر مرض يمرضه العبد أتاه ملك الموت، فقال: أتاك رسول بعد رسول فلم تعبأ به وقد أتاك رسول يقطع أثرك من الدنيا.
قال مجاهد: سأل موسى عليه السلام ربه تعالى: أي عبادك أغنى؟ قال: «الذي يقنع بما يؤتى». قال: فأي عبادك أحكم؟ قال: «الذي يحكم للناس بما يحكم لنفسه»، قال: فأي عبادك أعلم؟ قال: «أخشاهم».
قال مالك بن دينار: خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا أطيب شيء فيها، قالوا: وما هو يا أبا يحيى؟ قال: معرفة الله تعالى.
قال مالك بن دينار: قرأت في التوراة: أيها الصديقون تنعموا بذكري في الدنيا فإنه لكم في الدنيا نعيم وفي الآخرة جزاء.
قال مالك: يا حملة القرآن، ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع المؤمن، كما أن الغيث ربيع الأرض، وقد ينزل الغيث من السماء فيصيب الحش فيكون فيه الحبة فلا يمنعها نتن موضعها أن تهتز وتخضر وتحسن.
قال مالك: إن البدن إذا سقم لم ينجع فيه طعام ولا شراب ولا نوم ولا راحة، كذلك القلب إذا علقه حب الدنيا لم تنجع فيه الموعظة.
قال محمد بن عمر: ما كان لمالك إلا درهمان. درهم لورقة كاغد، ودرهم يشتري به خوصا يعمل به، وكان أدمه في كل سنة ملحا بفلسين. وكان يكتب المصاحف فلا يأخذ عليها من الأجر أكثر من عمل يده، وكان يكتب المصحف في أربعة أشهر، وقال: أعطى البقال كل شهر درهما ودانقين فأخذ منه ستين رغيفا لكل ليلة رغيفين.
قال مالك: مثل المؤمن مثل اللؤلؤة أينما كانت كان حسنها معها يصطلح المؤمن وقال: كان الأبرار يتواصون بثلاث: سجن اللسان، وكثرة الاستغفار، والعزلة.
قال مالك: ما من خطيب يخطب إلا عرضت خطبته على عمله، فإن كان صادقا صدق، وإن كان كاذبا قرضت شفتاه بمقاريض من نار، كلما قرضتا نبتتا.
قال مالك: إذا رأيت قساوة في قلبك ووهنا في بدنك وحرمانا في رزقك، فاعلم أنك تكلمت فيما لا يعنيك. وقال: ما ضرب العبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب.
قال محمد بن واسع: القرآن بستان العارفين. وقال: لو كان يوجد للذنوب ريح ما قدرتم أن تدنوا مني لنتن ريحي.
قال محمد بن واسع: أربعة يمتن القلب: الذنب على الذنب، وكثرة مثافنة النساء وحديثهن، وملاحاة الأحمق تقول له ويقول لك، ومجالسة الموتى. قيل: وما الموتى؟ قال: كل غني مترف وسلطان جائر.
قال بلال بن أبي بردة لمحمد بن واسع: ما تقول في القضاء والقدر؟ قال: أيها الأمير إن الله عز وجل لا يسأل يوم القيامة عباده عن قضاءه وقدره، إنما يسأل عن أعمالهم.
قال ميمون بن مهران: لا تبلون نفسك بثلاث لا تدخل على السلطان، وإن قلت: آمره بطاعة الله، ولا تدخل على امرأة وإن قلت: أعلمها كتاب الله، ولا تصغين سمعك لذي هوى فإنك لا تدري متى يعلق بقلبك منه.
قال ميمون بن مهران: من أراد أن يعلم منزلته عند الله فلينظر في عمله، فإنه قادم على عمله كائنا ما كان.
قال ميمون بن مهران: يا معشر الشباب اجعلوا نشاطكم وشبابكم في طاعة الله، يا معشر الشيوخ حتى متى؟ ! وقال: لأن أتصدق في حياتي بدرهم أحب إلي من أن يتصدق عني بعد موتي بمائة درهم.
قال ميمون بن مهران: في المال ثلاث خصال: ينبغي أن يكون أصله من طيب، وأن تؤدي الحقوق منه التي فيه، ولا تسرف في النفقة ولا تقتر.
قال وهب: إن أمس شاهد مقبول، وأمين مؤد قد فجعك بنفسه، وخلف فيك حكمته، واليوم صديق مودع، كان طوال الغيبة وهو سريع الظعن والأوبة، وأما الغد فلا تأمنه، فما الطمع فيما لا يرتجى، وما الحيلة لرد ما قد ذهب.
قال وهب: قرأت في بعض الكتب أن مناديا ينادي من السماء الرابعة كل صباح أبناء الأربعين زرع: قد دنا حصاده، أبناء الخمسين: ماذا قدمتم، وماذا أخرتم، أبناء الستين: لا عذر لكم، ليت الخلق لم يخلقوا، وإذا خلقوا علموا لم خلقوا، قد أتتكم الساعة خذوا حذركم.
قال وهب لعطاء الخراساني: ويحك تحمل علمك إلى أبواب الملوك وأبناء الدنيا، أتأتي من يغلق عليك بابه، ويظهر الفقر ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه ويقول: {ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60]. ويحك ارض بالدون من الدنيا مع الحكمة، ولا ترض بالدون من الحكمة مع الدنيا، ويحك إن كان يغنيك ما يكفيك، فإن أدنى ما في الدنيا يكفيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس في الدنيا شيء يكفيك، إنما بطنك بحر من البحور وواد من الأودية لا يملأه شيء إلا التراب.
قال وهب: قال موسى: يا رب أي عبادك أشقى؟ قال: " من لا تنفعه مواعظه ولا يذكرني إذا خلا. قال: أي عبادك أحب إليك؟ قال: " الذين يعودون المرضى، ويشيعون الهلكى، ويعزون الثكلى.
قال وهب بن منبه: كان لسليمان بن داود عليه السلام ألف بيت أعلاه قوارير، وأسفله حديد، فركب الريح يوما فمر بحراث، فنظر إليه الحراث، فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما، فحملت الريح كلامه فألقته في أذن سليمان، قال: فنزل حتى أتى الحراث، فقال: إني سمعت قولك، إنما مشيت إليك لئلا تتمنى مالا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك خير مما أوتي آل داود، فقال الحراث: أذهب الله همك كما أذهبت همي.
قال وهب: قال الله عز وجل لإبراهيم عليه السلام: «أتدري لم اتخذتك خليلا؟» قال: لا يا رب. قال: «لذل مقامك بين يدي في الصلاة».
قال وهب: قال الله: «يا داود أتدري من أسرع الناس ممرا على الصراط؟ الذين يرضون بحكمي وألسنتهم رطبة من ذكري، هل تدري أي الفقراء أفضل؟ الذين يرضون بحكمي وقسمي ويحمدونني على ما أنعمت عليهم. هل تدري أي المؤمنين أعظم عندي منزلة؟ الذي هو بما أعطي أشد فرحا منه بما يحبس».
عن إبراهيم بن محمد أبي إسحاق، حدثني أبي، قال: " قلت لإبراهيم بن أدهم: أوصني، قال: اتخذ الله صاحبا، وذر الناس جانبا
قال أحمد بن علي بن الحسن المقرئ، يقول: سمعت محمد بن غالب بن تمام، يقول: كتب إبراهيم بن أدهم، إلى سفيان الثوري: " من عرف ما يطلب، هان عليه ما يبذل، من أطلق بصره طال أسفه، ومن طال أمله ساء عمله، ومن أطلق لسانه قتل نفسه
قال إبراهيم بن أدهم لرجل في الطواف: " اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حتى تجوز ست عقبات أوله: تغلق باب النعمة، وتفتح باب الشدة، والثاني: تغلق باب العز، وتفتح باب الذل، والثالث تغلق باب الراحة، وتفتح باب الجهد، والرابع تغلق باب النوم، وتفتح باب السهر، والخامس: تغلق باب الغنى، وتفتح باب الفقر، والسادس: تغلق باب الأمل، وتفتح باب الاستعداد للموت ".
قال بشر بن المنذر قاضي المصيصة، قال: كنت إذا رأيت إبراهيم بن أدهم كأنه ليس فيه روح، لو نفخته الريح لوقع، قد اسود، متدرع بعباءة، فإذا خلا بأصحابه فمن أبسط الناس.
قال يعلى بن عبيد: دخل إبراهيم بن أدهم على أبي جعفر أمير المؤمنين، فقال: كيف شأنك يا أبا إسحاق؟ قال: يا أمير المؤمنين: نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع.
قال إبراهيم بن أدهم: كثرة النظر إلى الباطل يذهب بمعرفة الحق من القلب. وقال إبراهيم بن أدهم: كنا إذا سمعنا الشاب يتكلم في المجلس أيسنا من خيره.
قال إبراهيم بن أدهم: لقيت عابدا من العباد، قيل: إنه لا ينام الليل، قلت له: لم لا تنام؟ قال: منعتني عجائب القرآن أن أنام.
قال إسماعيل بن عبيد الله: لما حضر أبي الوفاة جمع بنيه، وقال: يا بني عليكم بتقوى الله، وعليكم بالقرآن فتعاهدوه، وعليكم بالصدق حتى لو قتل أحدكم قتيلا ثم سئل عنه أقر به، والله ما كذبت كذبة منذ قرأت القرآن، يا بني عليكم بسلامة الصدور لعامة المسلمين، فوالله لقد رأيتني وإني لأخرج من بابي وما ألقى مسلما إلا والذي في نفسي له كالذي في نفسي لنفسي، أفترون أني أحب لنفسي إلا خيرا.
قال إسماعيل بن عبيد الله: كان داود عليه السلام يعاتب في كثرة البكاء فقال: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، قبل أن يؤمر بي: {ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم:
قيل: لما مات أبو إسحاق الفزاري بكى عطاء، وقال: ما دخل على أهل الإسلام من موت أحد ما دخل عليهم من موت أبي إسحاق.
قال العباس بن الوليد: أتينا بشر بن منصور بعد العصر فخرج إلينا وكأنه متغير، فقلت له: يا أبا محمد لعلنا شغلناك عن شيء فرد ردا ضعيفا، ثم قال: ما أكتمكم أو كلمة نحوها، كنت أقرأ المصحف فشغلتموني، ثم قال: ما أكاد ألقى أحدا فأربح عليه شيئا أو نحو هذا.
قال أسيد بن جعفر، ابن أخيه،: ما رأيت عمي بشر بن منصور فاتته التكبيرة الأولى قط، ولا رأيته قام في مسجدنا سائل قط، فلم يعط شيئا إلا أعطاه، وأوصاني في كتبه أن أغسلها وأدفنها.
قال بشر بن منصور: أقلل من معرفة الناس فإنك لا تدري ما يكون، فإن كان شيء، يعني فضيحة في القيامة، كان من يعرفك قليلا.
قال جعفر بن سليمان: كنت إذا رأيت في قلبي قسوة نظرت إلى وجه محمد بن واسع، وكان وجهه كأنه وجه ثكلى.
قال جعفر بن سليمان: كنا نأتي فرقد السبخي ونحن شببة فيعلمنا فيقول: إن من ورائكم زمانا شديدا، شدوا الأزر على أنصاف البطون، وصغروا اللقم، وشدوا المضغ، ومصوا الماء، فإذا أكل أحدكم فلا يحلن إزاره فتتسع أمعاؤه وإذا جلس ليأكل فليقعد على إليته وليلزقن فخذيه ببطنه، وإذا فرغ فلا يقعد وليجئ وليذهب واختفوا فإن من ورائكم زمانا شديدا.
قال موسى بن إسماعيل لو قلت لكم إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكا قط صدقتكم، كان مشغولا بنفسه، إما أن يحدث وإما أن يقرأ وإما أن يسبح وإما أن يصلي، وكان قد قسم النهار على هذه الأعمال.
قال حماد: والله لو خيرت بين محاسبة الله إياي وبين محاسبة أبوي لاخترت محاسبة الله على محاسبة أبوي، وذلك أن الله أرحم بي من أبوي.
قال محمد بن الحجاج: كان رجل يسمع معنا عند حماد بن سلمة فركب إلى الصين فلما رجع أهدى إلى حماد بن سلمة هدية، فقال حماد: إني إن قبلتها لم أحدثك بحديث، وإن لم أقبلها حدثتك، قال: لا تقبلها وحدثني.
قال أبان بن عبد الرحيم: رئي حماد بن يزيد في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قال: فما فعل حماد بن سلمة؟ قال: هيهات ذاك في أعلى عليين.
قال حبيب: كنت إذا صمت أفطرت على بسير، وكان أهلي قد عرفوا ذلك مني، فكانوا يهيئونه لي، فانصرفت ذات ليلة وأنا صائم فطلبته فلم أجده، فوقع في نفسي، فأتاني آت فناولني بسرة فقال: هذا بسر. فأكلته.
قال سفيان بن عيينة: قدم حميد الرؤاسي من سفر فرأى أمه تصلي، فلما رآها قائمة تصلي قام، فلما فطنت طولت الصلاة ليؤجر.
قال حذيفة: قيل لرجل كيف تصنع في شهوتك؟ فقال: ما في الأرض نفس أبغض إلي منها، فكيف أعطيها شهوتها.
قال موسى بن المعلى قال لي حذيفة: يا موسى ثلاث خصال إن كن فيك لم ينزل من السماء خير إلا كان لك فيه نصيب: يكون عملك لله، وتحب للناس ما تحب لنفسك، وهذه الكسرة تحر فيها ما قدرت.
قال ضمرة: نظر حماد بن زيد إلى سفيان الثوري مسجى على السرير، فقال: يا سفيان لست أغبطك اليوم بكثرة الحديث إنما أغبطك بعمل صالح قدمت.
قال سفيان الثوري: كان رجل له حظ من عقل... سبقنا لناس ومضوا أمامنا وبقينا على حمر دبرة! فقال الرجل لسفيان لو كنت على الطريق فشأنك أصلح.
قال سفيان بن عيينة: رأيت الثوري في المنام فقلت: أوصني، قال: أقلل من مخالطة الناس، قلت: زدني، قال: سترد فتعلم.
قال عبد العزيز بن أبي خالد: مر سفيان الثوري بالغاضري وهو يتكلم ببعض ما يضحك به الناس، فقال له: يا شيخ أما علمت أن لله يوما يخسر فيه المبطلون، فما زالت تعرف في الغاضري حتى لقي الله عز وجل.
قال يوسف بن أسباط: قال لي سفيان الثوري وأنا وهو في المسجد: ا يوسف، ناولني المطهرة أتوضأ، فناولتها فأخذها بيمينه ووضع يساره على خده، ونمت واستيقظت وقد طلع الفجر، فنظرت إليه فإذا المطهرة في يده على حالها، فقلت يا أبا عبد الله قد طلع الفجر، قال: لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكر في الآخرة إلى هذه الساعة.
قال ابن وهب: رأيت الثوري في المسجد بعد المغرب صلى ثم سجد سجدة فلم يرفع رأسه حتى نودي بصلاة العشاء.
قال أبو نعيم الفضل بن دكين: كان سفيان الثوري إذا ذكر الموت لا ينتفع به أياما، وإذا سئل عن شيء قال: لا أدري لا أدري.
قال الفريابي: كان سفيان الثوري يصلي ثم يلتفت إلى الشباب فقال: إذا لم تصلوا اليوم فمتى، وقيل لسفيان: لو دعوت بدعوات، قال: ترك الذنوب هو الدعاء، وكان ربما يأخذ في التفكر فينظر إليه الناظر فيقول: مجنون، وكان في جيبه رقعة ينظر فيها كثيرا فوقعت منه فنظروا فيها فإذا فيها مكتوب: سفيان اذكر وقوفك بين يدي الله.
عن سفيان،،أنه قال: " عجبت لمن فيه الخير وليس يفرح، وعجبت لمن فيه الشر وهو فيه كيف يغضب، وأعجب من ذلك من أحب نفسه عن الناس، وأغضب الناس على الظنون
قال إسحاق: كان سليمان الخواص أتى بيروت فدخل عليه سعيد بن عبد العزيز، وقال: مالي أراك في الظلمة؟ قال: ظلمة القبر أشد، قال: مالي أراك ليس لك رفيق؟ قال: أخاف أن يكون لي رفيق لا أقدر أن أقوم بحقه، قال له سعيد: خذ هذه الدراهم فأنا لك بها يوم القيامة، قال: يا سعيد إن نفسي لم تجبني إلى هذا الذي أجبتني إليه إلا بعد كد، فأنا أكره أن أعود بها مثل دراهمك هذه، فمن لي بمثلها إذا أنا أصبحت لا حاجة لي فيها.
قال المعافى بن عمران: كان أشرط ممن مضى من أهل العلم ينظرون في الحلال النظر السديد، لا يدخلون في بطونهم إلا ما يعرفون من الحلال وإلا اشتكوا التراب، ثم عد بشر بن الحارث، وإبراهيم بن أدهم، وسليمان الخواص، وعلي بن الفضيل، ويمانا أبا معاوية الأسود، ويوسف بن أسباط، ووهب بن الوردي، وداود الطائي، وحذيفة المرغني.
قال أبو عبد الرحمن الأسدي: قلت لسعيد بن عبد العزيز: يا أبا محمد ما هذا البكاء الذي يعرض لك في الصلاة؟ قال: يا ابن أخي ما سؤالك عن هذا؟ قلت: يا عمي لعل الله أن ينفعني به، فقال سعيد: ما قمت في صلاتي إلا مثلت لي جهنم.
قال أبو مسهر قال رجل لسعيد بن عبد العزيز: أطال الله بقاءك فغضب، وقال: بل عجل الله بي إلى رحمته.
قال أبو بحر البكراوي: ما رأيت أعبد لله من شعبة، لقد عبد الله حتى جف جلده على عظمه ليس بينهما لحم.
قال أبو قطن: ما رأيت شعبة ركع قط إلا ظننت أنه قد نسي، ولا قعد بين السجدتين إلا ظننت أنه قد نسي.
قال حجاج: ركب شعبة حمارا له فلقيه سليمان بن المغيرة فشكى إليه، فقال له شعبة: والله ما أملك إلا هذا الحمار، ثم نزل عنه ودفعه إليه.
قال قراد أبو نوح: رأى علي شعبة قميصا فقال: بكم اشتريت؟ فقلت بثمانية دراهم، فقال: ويحك أما تتقي الله، تلبس قميصا ثمانية دراهم، ألا اشتريت قميصا بأربعة وتصدقت بأربعة كان خيرا لك.
قال محمد بن حمزة الربعي: كان شيبان الراعي إذا خرج إلى الجمعة خط على غنمه بعصاة ثم جاء إلى الجمعة، فلا يخرج من الخط شيء حتى يرجع.
ال سفيان الثوري رحمة الله عليه: خرجت حاجا أنا وشيبان الراعي فلما صرنا ببعض الطرق إذا نحن بأسد قد عارضنا، فقلت لشيبان: أما ترى هذا الكلب قد عرض لنا فقال لي: لا تخف يا سفيان، ثم صاح بالأسد فبصبص وضرب بذنبه مثل الكلب، فأخذ شيبان بأذنه فعركها فقلت له: ما هذه الشهرة؟ لي: وأي شهرة ترى يا ثوري، لولا كراهية الشهرة ما حملت زادي إلى مكة إلا على ظهره.
سئل ابن المبارك عن التواضع فقال: التكبر على الأغنياء. وسئل ابن المبارك: من الناس؟ قال: العلماء. قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد.
قال عبد الله بن المبارك: دخل سفيان الثوري الحمام فدخل عليه غلام صبيح فقال: أخرجوه أخرجوه، فإني أرى مع كل امرأة شيطانا ومع كل غلام بضعة عشر شيطانا.
قال علي بن الحسن بن شقيق: كنت مع عبد الله بن المبارك في ليلة شتوية باردة في المسجد، فقمنا لنخرج، فلما كنا عند باب المسجد ذاكرني بحديث أو ذاكرته فما زال يذاكرني وأذاكره حتى جاء المؤذن فأذن لصلاة الصبح.
