فوائد من بستان من الفوائد العلمية والحكم الوعظية للشيخ صالح بن عبدالله الرشيد 1- 36
فوائد من بستان من الفوائد العلمية والحكم الوعظية للشيخ صالح بن عبدالله الرشيد 1- 36
وقال الجنيد رحمه الله :
إن لله عبادًا صحبوا الدنيا بأبدانهم، وفارقوها بعقود إيمانهم، أشرف بهم على اليقين على ما هم إليه صائرون، وفيه مقيمون وإليه راجعون، فهربوا من مطالبة نفوسهم الأمارة بالسوء، الداعية إلى المهالك، المعينة للأعداء المتبعة للهوى، المنغمسة في البلاء إلى قبول داعي التنزيل، المحكم الذي لا يحتمل التأويل، إذ سمعوه يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [لأنفال: 24]، فأسرعوا إلى حذف العلائق المشغلة قلوبهم، وصدقوا الله في معاملته، وأحسنوا الأدب فيما توجهوا إليه، وهانت عليهم المصائب، وعرفوا قدر ما يطلبون، فاغتنموا سلامة الأوقات وسلامة الجوارح، وأماتوا شهوات النفوس، وسجنوا همومهم عن التلفت إلى مذكور سوى وليهم! وحرسوا قلوبهم عن التطلع في مراقي الغفلة، وأقاموا عليها رقيبًا من علم من لا يخفى عليه مثقال ذرة في بر ولا بحر، فانقادت تلك النفوس بعد اعتياصها، واستبقت منافسة لأبناء جنسها، فصار شغلها بالله متصل وعن غيره منفصل، نظروا بقلوبهم قوله تعال: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ﴾ [الأنبياء: 103]، وقوله تعالى﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ [فصلت: 31][4] .