(وظائف شهر رمضان المعظم) فوائد من كتاب لطائف المعارف للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله
A
في الصحيحين عن النبيﷺ قال: (إن في الجنة بابا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون لا يدخل منه غيرهم).
إن الصيام من الصبر، وقد قال الله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} ولهذا ورد عن النبيﷺ: (أنه سمى شهر رمضان شهر الصبر) وفي حديث آخر عنهﷺ قال: (الصوم نصف الصبر) خرجه الترمذي.
ذكر أبوبكر بن أبي مريم عن أشياخه أنهم كانوا يقولون: إذا حضر شهر رمضان فانبسطوا فيه بالنفقة، فإن النفقة فيه مضاعفة كالنفقة في سبيل الله، وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة في غيره.
في الحديث: (إن الله ليرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها) وربما استجيب دعاؤه عند ذلك كما جاء في الحديث المرفوع الذي خرجه ابن ماجه: (إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد، وإن نوى بأكله وشربه تقوية بدنه على القيام والصيام كان مثابا على ذلك، كما أنه إذا نوى بنومه في الليل والنهار التقوّي على العمل كان نومه عبادة).
فالصائم في ليله ونهاره في عبادة، ويستجاب دعاؤه في صيامه وعند فطره، فهو في نهاره صائم صابر، وفي ليله طاعم شاكر. وفي الحديث الذي خرجه الترمذي وغيره: (الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر).
قال رسول اللهﷺ: (إنك لن تدع شيئا اتقاء الله إلا آتاك الله خيرا منه) خرجه الإمام أحمد. فهذا الصائم يعطى في الجنة ما شاء الله من طعام وشراب ونساء. قال الله تعالى: {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} قال مجاهد وغيره: نزلت في الصائمين.
لما كان أمر المخلصين بصيامهم لمولاهم سرا بينه وبينهم أظهر الله سرّهم لعباده، فصار علانية، فصار هذا التجلّي والإظهار جزاء لذلك الصون والإسرار. في الحديث: (ما أسرّ أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية).
خلوف أفواه الصائمين له أطيب من ريح المسك، عري المحرمين لزيارة بيته أجمل من لباس الحلل، نوح المذنبين على أنفسهم من خشيته أفضل من التسبيح، انكسار المخبتين لعظمته هو الجبر، ذل الخائفين من سطوته هو العز، تهتك المحبين في محبته أحسن من الستر، بذل النفوس للقتل في سبيله هو الحياة، جوع الصائمين لأجله هو الشبع، عطشهم في طلب مرضاته هو الريّ، نصب المجتهدين في خدمته هو الراحة.
يا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي، يا شموس التقوى والإيمان اطلعي، يا صحائف أعمال الصائمين ارتفعي، يا قلوب الصائمين اخشعي، يا أقدام المتهجدين اسجدي لربك واركعي، يا عيون المجتهدين لا تهجعي، يا ذنوب التائبين لا ترجعي، يا أرض الهوى ابلعي ماءك ويا سماء النفوس أقلعي، يا بروق العشاق للعشاق المعي، يا خواطر العارفين ارتعي، يا همم المحبين بغير الله لا تقنعي،، {يا قومنا أجيبوا داعي الله} ويا همم المؤمنين اسرعي، فطوبى لمن أجاب فأصاب.
في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبيﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) وخرجه الإمام أحمد بزيادة في آخره وهي: (لا يسأل عن شيء إلا أعطاه) والجود: هو سعة العطاء وكثرته والله تعالى يوصف بالجود.
في الأثر المشهور عن فضيل بن عياض: أن الله تعالى يقول كل ليلة: أنا الجواد ومني الجود أنا الكريم ومني الكرم. فالله سبحانه وتعالى أجود الأجودين، وجوده يتضاعف في أوقات خاصة كشهر رمضان وفيه أنزل قوله: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} وفي الحديث الذي اخرجه الترمذي وغيره: (أنه ينادي فيه مناديا يا باغي الخير هلم ويا باغي الشرّ أقصر) ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة.
وكان جوده ﷺ يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، وكان كله لله وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال إما لفقير أو محتاج أو ينفقه في سبيل الله أو يتألف به على الإسلام من يقوي الإسلام بإسلامه، وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء.
كان يتضاعف جوده ﷺ وإفضاله في هذا الشهر (رمضان) لقرب عهده بمخالطة جبريل عليه السلام وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم (القرآن) الذي يحث على المكارم والجود، ولا شك إن المخالطة تؤثر وتورث أخلاقا من المخالطة.
وفي تضاعف جوده ﷺ في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة:
منها: شرف الزمان ومضاعفة أجر العمل فيه، وفي الترمذي عن أنس مرفوعا: (أفضل الصدقة صدقة رمضان).
ومنها: إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم، عن النبي ﷺ قال: (من فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء).
ومنها: أن شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، لا سيما في ليلة القدر، والله تعالى يرحم من عباده الرحماء كما قالﷺ: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل، والجزاء من جنس العمل.
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنم والمباعدة عنها، وخصوصا إن ضم إلى ذلك قيام الليل، فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الصيام جُنة).
منها: شرف الزمان ومضاعفة أجر العمل فيه، وفي الترمذي عن أنس مرفوعا: (أفضل الصدقة صدقة رمضان).
ومنها: إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم، عن النبي ﷺ قال: (من فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء).
ومنها: أن شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، لا سيما في ليلة القدر، والله تعالى يرحم من عباده الرحماء كما قالﷺ: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل، والجزاء من جنس العمل.
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنم والمباعدة عنها، وخصوصا إن ضم إلى ذلك قيام الليل، فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الصيام جُنة).
قال الشافعي رحمه الله: أحب للرجل الزيادة في الجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله ﷺ ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم.
استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له، واستحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان وفي حديث فاطمة رضي الله عنها عن أبيها ﷺ (أنه أخبرها أن جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن كل عام مرة، وأنه عارضه في عام وفاته مرتين).
في حديث ابن عباس أن المدارسة بينهﷺ وبين جبريل كان ليلا يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلا، فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر كما قال تعالى: {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا} وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن كما قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن}.
كان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها، كان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان، وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفي بقية الشهر في ثلاث، وكان قتادة يختم في كل سبع دائما، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر كل ليلة. وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة.
ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان.
اعلم أن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام، فمن جمع بين هذين الجهادين ووفى بحقوقهما وصبر عليهما وفّى أجره بغير حساب.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: " ينبغي لقاريء القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، ونهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون ".
قال أحمد بن أبي الحواري: " إني لأقرا القرآن وأنظر في آية فيحير عقلي بها، وأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم ويسعهم أن يشغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله، أما إنهم لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه وتلذذوا به واستحلوا المناجاة به لذهب عنهم النوم فرحا بما قد رزقوا ".
يا من ضيّع عمره في غير الطاعة، يا من فرّط في شهره بل في دهره وأضاعه، يا من بضاعته التسويف والتفريط، وبئست البضاعة، يا من جعل خصمه القرآن، وشهر رمضان، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة.
أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة! وإذا تليت عليهم آيات الله جلّت قلوبهم جلوة! وإذا صاموا صامت منه الألسنة والأسماع والأبصار! أفما لنا فيهم أسوة؟
في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاما حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه، قال: (من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، وقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر، فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد، فبصرت عيناي رسول الله ﷺ على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين).
للإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيﷺ قال: (أعطيت أمتي في رمضان خمس خصال لم تعطه أمة قبلهم، خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله كل يوم جنته، ثم يقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى، ويصيروا إليك وتصفد مردة الشياطين، فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره يغفر لهم في آخر ليلة. قيل: يا رسول الله! أهي ليلة القدر؟ قال: لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله).
وفي ليلة القدر تنتشر الملائكة في الأرض، فيبطل سلطان الشياطين، كما قال الله تعالى: {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر}.
وفي المسند عن أبي هريرة عن النبيﷺ أنه قال: (الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى) وفي صحيح ابن حبان عن جابر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (في ليلة القدر لا يخرج شيطانها حتى يخرج فجرها).
عباد الله! هذا شهر رمضان قد انتصف، فمن منكم حاسب نفسه فيه لله وانتصف، من منكم قام في هذا الشهر بحقه الذي عرف، من منكم عزم قبل غلق أبواب الجنة أن يبني له فيها غرفا من فوقها غرف؟ ألا إن شهركم قد أخذ في النقص. فزيدوا أنتم في العمل فكأنكم به، وقد انصرف فكل شهر فعسى أن يكون منه خلف، وأما شهر رمضان فمن أين لكم منه خلف؟!
في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله) كان النبي يخصّ العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر فمنها: إحياء الليل: فيحتمل أن المراد إحياء الليل كله، ويحتمل أن يريد بإحياء الليل إحياء غالبه.
قال مالك في الموطأ: بلغني أن ابن المسيب قال: من شهد ليلة القدر -يعني في جماعة- فقد أخذ بحظه منها، وكذا قال الشافعي في القديم: من شهد العشاء والصبح ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها.
قال سفيان الثوري: أحب إلي إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل، ويجتهد فيه وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك.
في حديث أبي ذر أن النبي ﷺ لما قام بهم ليلة ثلاث وعشرين وخمس وعشرين ذكر أنه دعا أهله ونساءه ليلة سبع وعشرين خاصة. وهذا يدل على أنه يتأكد إيقاظهم في أكد الأوتار التي ترجى فيها ليلة القدر.
صح عن النبي ﷺ (أنه كان يطرق فاطمة وعليا ليلا، فيقول لهما: ألا تقومان فتصليان، وكان يوقظ عائشة بالليل إذا قضى تهجده وأراد أن يوتر) وورد الترغيب في إيقاظ أحد الزوجين صاحبه للصلاة، ونضح الماء في وجهه.
وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: الصلاة الصلاة ويتلو هذه الآية: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}.
ويتأكد تأخير الفطر في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر، قال ذر بن حبيش: في ليلة سبع وعشرين من استطاع منكم أن يؤخر فطره فليفعل، وليفطر على ضياح لبن.
قال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر، وكان النخعي يغتسل في العشر كل ليلة، ومنهم من كان يغتسل ويتطيب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر.
قال حماد بن سلمة: كان ثابت البناني وحميد الطويل يلبسان أحسن ثيابهما ويتطيّبان، ويطيبون المسجد بالنضوح والدخنة في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر، وقال ثابت: كان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم، وكان يلبسها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر.
يستحب في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر التنظف والتزين والتطيب بالغسل والطيب واللباس الحسن، كما يشرع ذلك في الجمع والأعياد، وكذلك يشرع أخذ الزينة بالثياب في سائر الصلوات، كما قال تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} وقال ابن عمر: الله أحق أن يتزين له.
كان يعتكف النبي ﷺ في هذا العشر التي يطلب فيها ليلة القدر قطعا لأشغاله، وتفريغًا للياليه، وتخليا لمناجاة ربه وذكره ودعائه.
واختلف في ليلة القدر والحكمة في نزول الملائكة في هذه الليلة: إن الملوك والسادات لا يحبون أن يدخل دارهم أحد حتى يزينون دارهم بالفرش والبسط، ويزينوا عبيدهم بالثياب والأسلحة، فإذا كانت ليلة القدر أمر الرب تبارك وتعالى الملائكة بالنزول إلى الأرض، لأن العباد زينوا أنفسهم بالطاعات بالصوم والصلاة في ليالي رمضان، ومساجدهم بالقناديل والمصابيح، فيقول الرب تعالى: أنتم طعنتم في بني آدم وقلتم: {أتجعل فيها من يفسد فيها} الآية. فقلت لكم: {إني أعلم ما لا تعلمون} اذهبوا إليهم في هذه الليلة حتى تروهم قائمين ساجدين راكعين لتعلموا أني اخترتهم على علم على العالمين.
في المسند عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: (من قامها ابتغاءها ثم وقعت له غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر).
قال جويبر: قلت للضحاك: أرأيت النفساء والحائض والمسافر والنائم لهم في ليلة القدر نصيب؟ قال: نعم كل من تقبل الله عمله سيعطيه نصيبه من ليلة القدر.
العبد مأمور بالسعي في اكتساب الخيرات، والاجتهاد في الأعمال الصالحات، وكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة.
فالمبادرة إلى اغتنام العمل فيما بقي من الشهر فعسى أن يستدرك به ما فات من ضياع العمر.
فالمبادرة إلى اغتنام العمل فيما بقي من الشهر فعسى أن يستدرك به ما فات من ضياع العمر.
في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ أُرُوا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر فقال رسول الله ﷺ: (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر).
قال الجمهور: هي منحصرة في العشر الأواخر -ليلة القدر- واختلفوا في أي ليالي العشر أرجى، فحكي عن الحسن ومالك أنها تطلب في جميع ليال العشر أشفاعه وأوتاره.
ذهب أبوقلابة وطائفة إلى أنها تنتقل -ليلة القدر- في ليالي العشر. وروي عنه أنها تنتقل في أوتاره خاصة. وممن قال بانتقالها في ليال العشر: المزني وابن خزيمة وحكاه ابن عبد البر عن مالك والثوري والشافعي وأحمد وأبي ثور.
رجحت طائفة ليلة سبع وعشرين -ليلة القدر- وحكاه الثوري عن أهل الكوفة، وقال نحن نقول: هي ليلة سبع وعشرين لما جاءنا عن أبيّ بن كعب. وكان أبيّ يحلف على ذلك ويقول بالآية أو بالعلامة التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ أن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها، وروي بلفظ آخر عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: والله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين.
في مسند الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قال: (يا رسول الله إني شيخ كبير عليل يشق عليّ القيام فمرني بليلة يوفقني الله فيها لليلة القدر. قال: عليك بالسابعة) -سبع وعشرين- وإسناده على شرط البخاري
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (من كان منكم متحريها فليتحرها ليلة سبع وعشرين أو قال: تحروها ليلة سبع وعشرين) يعني ليلة القدر.
عن ابن عمرو قال: كانوا لا يزالون يقصون على النبي ﷺ إنها الليلة السابعة من العشر الأواخر، فقال رسول الله ﷺ: (أرى رؤياكم قد تواطأت، إنها ليلة السابعة في العشر الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها ليلة السابعة من العشر الأواخر)
ومما يرجح أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين أنها من السبع الأواخر التي أمر النبي ﷺ بالتماسها فيها بالاتفاق.
قال ابن عباس رضي الله عنهما دعا عمر بن الخطاب أصحاب محمد ﷺ فسألهم عن ليلة القدر فأجمعوا أنها في العشر الأواخر قال ابن عباس: فقلت لعمر رضي الله عنه: إني لأعلم أو إني لأظن أي ليلة هي؟ قال عمر رضي الله عنه: وأي ليلة هي؟: قلت: سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر الأواخر فقال عمر رضي الله عنه: ومن أين علمت ذلك؟ قال: فقلت: إن الله خلق سبع سموات وسبع أرضين وسبعة أيام وإن الدهر يدور على سبع وخلق الله الإنسان في سبع ويأكل من سبع ويسجد على سبع والطواف بالبيت سبع ورمي الجمار سبع لا يشاء ذكرها فقال عمر رضي الله عنه: لقد فطنت لأمر ما فطنا له.
ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) وقيامها إنما هو إحياؤها بالتهجد فيها والصلاة، وقد أمر عائشة بالدعاء فيها أيضا.
قال سفيان الثوري: الدعاء في تلك الليلة أحب إليّ من الصلاة.
قال: وإذا كان يقرأ وهو يدعو ويرغب إلى الله في الدعاء والمسألة لعله يوافِقُ انتهى.
قال: وإذا كان يقرأ وهو يدعو ويرغب إلى الله في الدعاء والمسألة لعله يوافِقُ انتهى.
لو قام المذنبون في هذه الأسحار على أقدام الانكسار، ورفعوا قصص الاعتذار مضمونها: {يا أيها العزيز مسّنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا} لبرز لهم التوقيع عليها: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين}.
قالت عائشة رضي الله عنها للنبيﷺ: أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها قال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) العفو من أسماء الله تعالى، وهو يتجاوز عن سيئات عباده الماحي لأثارهم عنهم، وهو يحب العفو فيحب أن يعفو عن عباده، ويحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض، فإذا عفا بعضهم عن بعض عاملهم بعفوه.
لما عرف العارفون بجلاله خضعوا، ولما سمع المذنبون بعفوه طمعوا، ما تم إلا عفو الله أو النار، لولا طمع المذنبين في العفو لاحترقت قلوبهم باليأس من الرحمة، ولكن إذا ذكرت عفو الله استروحت إلى برد عفوه.
وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر، لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملا صالحا ولا حالا ولا مقالا فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر. قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (من صام رمضان فعرف حدوده وتحفظ مما ينبغي له أن يتحفظ منه كفّر ذلك ما قبله) والجمهور على أن ذلك إنما يكفر الصغائر.
هذه الأسباب الثلاثة كل واحد منها مكفر لما سلف من الذنوب، صيام رمضان وقيامه وقيام ليلة القدر.
روي أن الصائمين يرجعون يوم الفطر مغفورا لهم، وإن يوم الفطر يسمى يوم الجوائز، وقال الزهري (إذا كان يوم الفطر خرج الناس إلى الجبار اطلع عليهم قال: عبادي لي صمتم ولي قمتم ارجعوا مغفورا لكم).
إذا أكمل الصائمون صيام رمضان وقيامه فقد وفوا ما عليهم من العمل، وبقي ما لهم من الأجر، وهو المغفرة، فإذا خرجوا يوم عيد الفطر إلى الصلاة قسمت عليهم أجورهم، فرجعوا إلى منازلهم وقد استوفوا الأجر واستكملوه.
عن ابن عباس رضي الله عنهما: (إذا كان يوم الفطر هبطت الملائكة إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك ينادون بصوت يسمعه جميع من خلق الله إلا الجن والإنس يقولون: يا أمة محمد أخرجوا إلى رب كريم يعطي الجزيل ويغفر الذنب العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله عز وجل لملائكته: يا ملائكتي ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون: إلهنا وسيدنا أن توفيه أجره، فيقول: إني أشهدكم أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم وقيامهم رضائي ومغفرتي انصرفوا مغفورا لكم).
ومن نقص من العمل الذي عليه نقص من الأجر بحسب نقصه، فلا يلم إلا نفسه قال سلمان: الصلاة مكيال فمن وفى وفي له، ومن طفّف فقد علمتم ما قيل في المطفّفين، فالصيام وسائر الأعمال على هذا المنوال من وفاها فهو من خيار عباد الله الموفين، ومن طفف فيها فويل للمطففين.
كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل، وإكماله وإتقانه ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من رده، وهؤلاء الذين: {يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة}
روي عن علي رضي الله عنه قال: كونوا لقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: {إنما يتقبل الله من المتقين}
قال ابن دينار: الخوف على العمل أن لا يتقبل أشدّ من العمل.
وقال عطاء السلمي: الحذر الاتقاء على العمل أن لا يكون لله.
وقال عطاء السلمي: الحذر الاتقاء على العمل أن لا يكون لله.
قال بعض السلف كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم.
عن الحسن قال: إن الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون.
شهر رمضان تكثر فيه أسباب الغفران، فمن أسباب المغفرة فيه صيامه وقيامه وقيام ليلة القدر فيه كما سبق.
ومنها: تفطير الصوام والتخفيف عن المملوك وهما مذكوران في حديث سلمان المرفوع.
ومنها: الذكر وفي حديث مرفوع: (ذاكر الله في رمضان مغفور له).
ومنها: الاستغفار والاستغفار طلب المغفرة، ودعاء الصائم مستجاب في صيامه وعند فطره، ولهذا كان ابن عمر إذا أفطر يقول: اللهم يا واسع المغفرة اغفر لي. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه المرفوع في فضل شهر رمضان: ويغفر فيه إلا لمن أبى قالوا: يا أبا هريرة ومن يأبى؟ قال: يأبى أن يستغفر الله.
ومنها: استغفار الملائكة للصائمين حتى يفطروا، وقد تقدم ذكره. فلما كثرت أسباب المغفرة في رمضان كان الذي تفوته المغفرة فيه محروما غاية الحرمان.
ومنها: تفطير الصوام والتخفيف عن المملوك وهما مذكوران في حديث سلمان المرفوع.
ومنها: الذكر وفي حديث مرفوع: (ذاكر الله في رمضان مغفور له).
ومنها: الاستغفار والاستغفار طلب المغفرة، ودعاء الصائم مستجاب في صيامه وعند فطره، ولهذا كان ابن عمر إذا أفطر يقول: اللهم يا واسع المغفرة اغفر لي. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه المرفوع في فضل شهر رمضان: ويغفر فيه إلا لمن أبى قالوا: يا أبا هريرة ومن يأبى؟ قال: يأبى أن يستغفر الله.
ومنها: استغفار الملائكة للصائمين حتى يفطروا، وقد تقدم ذكره. فلما كثرت أسباب المغفرة في رمضان كان الذي تفوته المغفرة فيه محروما غاية الحرمان.
وإنما كان يوم الفطر من رمضان عيدا لجميع الأمة لأنه تعتق فيه أهل الكبائر من الصائمين من النار، فيلتحق فيه المذنبون بالأبرار.
لما كانت المغفرة والعتق كل منهما مرتبا على صيام رمضان وقيامه أمر الله سبحانه وتعالى عند إكمال العدة بتكبيره وشكره فقال: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون}
قال الله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} فيا أيها العاصي وكلنا ذلك لا تقنط من رحمة الله بسوء أعمالك، فكم يعتق من النار في هذه الأيام من أمثالك، فأحسن الظن بمولاك وتب إليه، فإنه لا يهلك على الله هالك.
ينبغي لمن يرجو العتق في شهر رمضان من النار أن يأتي بأسباب توجب العتق من النار وهي متيسرة في هذا الشهر.
ينبغي لمن يرجو العتق في شهر رمضان من النار أن يأتي بأسباب توجب العتق من النار وهي متيسرة في هذا الشهر.
في بعض الآثار: أن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار. والاستغفار ختام الأعمال الصالحة كلها فيختم به الصلاة والحج وقيام الليل ويختم به المجالس، فإن كانت ذكرا كان كالطابع عليها، وإن كانت لغوا كان كفارة لها، فكذلك ينبغي أن تختم صيام رمضان بالاستغفار.
كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضان بالاستغفار والصدقة، صدقة الفطر، فإن صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، والاستغفار يرقع ما تخرق من الصيام باللغو والرفث.
كان بعض السلف إذا صلى صلاة استغفر من تقصيره فيها كما يستغفر المذنب من ذنبه. إذا كان هذا حال المحسنين في عباداتهم فكيف حال المسيئين مثلنا في عباداتهم! ارحموا من حسناته كلها سيئات وطاعاته كلها غفلات.
قال كعب: من صام رمضان وهو يحدث نفسه أنه إذا أفطر بعد رمضان أنه لا يعصي الله دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب.
يا من أعتقه مولاه من النار! إياك أن تعود بعد أن صرت حرا إلى رق الأوزار، أيبعدك مولاك من النار وتتقرب منها، وينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ولا تحيد عنها؟!
قال عمر بن عبد العزيز في كتابه: قولوا كما قال أبوكم آدم: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} وقولوا كما قال نوح عليه السلام: {وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} وقولوا كما قال موسى عليه السلام: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} وقولوا كما قال ذوالنون عليه السلام: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}.
أين حرق المجتهدين في نهاره! أين قلق المجتهدين في أسحاره! فكيف حال من خسر في أيامه ولياليه! ماذا ينفع المفرط فيه بكاؤه! وقد عظمت فيه مصيبته، وجل عزاؤه، كم نصح المسكين فما قبل النصح! كم دعي إلى المصالحة فما أجاب إلى الصلح! كم شاهد الواصلين فيه وهو متباعد! كم مرت به زمر السائرين وهو قاعد حتى إذا ضاق به الوقت وخاف المقت ندم على التفريط حين لا ينفع الندم، وطلب الاستدراك في وقت العدم.
لقد ذهبت أيامه وما أطعتم، وكتبت عليكم فيه آثامه وما أضعتم، وكأنكم بالمشمرين فيه وقد وصلوا وانقطعتم، أترى ما هذا التوبيخ لكم أوما سمعتم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: الغيبة تخرق الصيام والاستغفار يرقعه، فمن استطاع منكم أن يجيء بصوم مرقع فليفعل. وعن ابن المنكدر معنى ذلك: الصيام جنة من النار ما لم يخرقها، والكلام السيء يخرق هذه الجنة، والاستغفار يرقع ما تخرق منها، فصيامنا هذا يحتاج إلى استغفار نافع، وعمل صالح له شافع.
فإن أعظم نفحاته -رمضان- مصادفة دعوة الإجابة، يسأل العبد فيها الجنة والنجاة من النار فيجاب سؤاله، فيفوز بسعادة الأبد قال الله تعالى: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز}.
عباد الله! إن شهر رمضان قد عزم على الرحيل ولم يبق منه إلا القليل، فمن منكم أحسن فيه فعليه التمام، ومن فرط فليختمه بالحسنى والعمل بالختام، فاستغنموا منه ما بقي من الليالي اليسيرة والأيام، واستودعوه عملا صالحا يشهد لكم به عند الملك العلام، وودعوه عند فراقه بأزكى تحية وسلام.
يا شهر رمضان! ترفقُ دموع المحبين تدفق قلوبهم من ألم الفراق تشقق، عسى وقفة للوداع تطفىء من نار الشوق ما أحرق! عسى ساعة توبة وإقلاع ترفو من الصيام كلما تخرق! عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق! عسى أسير الأوزار يطلق! عسى من استوجب النار يعتق!.
