ابن القيم
A
أرباب البصائر أشد ما يكونون استغفاراً عقيب الطاعات لشهودهم تقصيرهم فيها، وترْك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه
الفرح بالمعصية دليل على شدة الرغبة فيها، والجهل بقدر من عصاه، والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها، وفرحه أشد ضرراً عليه من مواقعتها، والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبداً، ولا يكمل بها فرحه، بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه.
بعض علامات التوبة المقبولة: منها: أن يكون بعد التوبة خيراً مما كان قبلها. ومنها: أنه لا يزال الخوف مصاحباً له، لا يأمن مكر الله طرفة عين. ومنها: انخلاع قلبه، وتقطعه ندماً وخوفاً.
لا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوهِ، وإغاظته له، وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه. قال تعالى (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً). سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغماً يرام به عدو الله وعدوه، والله يحب من وليه مراغمة عدوه وإغاظته، كما قال تعالى (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
من تعبد الله بمراغمة عدوه، فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر، وعلى قدر محبة العبد لربه، وموالاته ومعاداته لعدوه، يكون نصيبه من هذه المراغمة، ولأجل هذه المراغمة حمِد التبختر بين الصفين، والخيلاء والتبختر عند صدقة السر، حيث لا يراه إلا الله، لما في ذلك من إرغام العدو، وبذل محبوبه من نفسه وماله لله عز وجل. وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس، ومن ذاق طعمه ولذته بكى على أيامه الأول
كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية
قال بعض العارفين: دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها، فما دخلت من باب إلا رأيت عليه زحاماً، فلم أتمكن من الدخول، حتى جئت باب الذل والافتقار، فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه، ولا مزاحم فيه ولا معوق، فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته، فإذا هو سبحانه قد أخذ بيدي وأدخلني عليه
منزلة الإنابة: هي تتضمن أربعة أمور: محبته، والخضوع له، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، فلا يستحق اسم (المنيب) إلا من اجتمعت فيه هذه الأربع
الوقوف عند مدح الناس وذمهم: علامة انقطاع القلب وخلوه من الله وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه.
جمع النبي الورع كله في كلمة واحدة فقال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) فهذا يعم الترك لما لا يعني: من الكلام والنظر والاستماع والبطش والمشي والفكر وسائر الحركات الظاهرة والباطنة
سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحاً فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور، يعني أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه وقوة انشراح وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول
أولياء الله وخاصته يتوكلون عليه في الإيمان ونصرة دينه وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه، وفي محابه وتنفيذ أوامره.
للعبد فيما يصيبه من أذى الخلق مشاهد. منها: مشهد الصبر فيشهده ويشهد وجوبه وحسن عاقبته وجزاء أهله وما يترتب عليه من الغبطة والسرور. مشهد العفو والصفح والحلم فإنه متى شهد ذلك وفضله وحلاوته وعزته: لم يعدل عنه إلا لعشي في بصيرته فإنه ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، هذا وفي الصفح والعفو والحلم: من الحلاوة والطمأنينة والسكينة وشرف النفس وعزها ورفعتها عن تشفيها بالانتقام: ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام
قال المسيح عليه السلام: (إن كنت قلته فقد علمته) ولم يقل: لم أقله وفرق بين الجوابين في حقيقة الأدب، ثم أحال الأمر على علمه سبحانه بالحال وسره فقال: (تعلم ما في نفسي) ثم برأ نفسه عن علمه بغيب ربه وما يختص به سبحانه فقال: (ولا أعلم ما في نفسك) ثم أثنى على ربه ووصفه بتفرده بعلم الغيوب كلها فقال: (إنك أنت علام الغيوب)
قال الإمام أحمد رضي الله عنه: الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه.
علامات العارف: أنه لا يطالب ولا يخاصم ولا يعاتب ولا يرى له على أحد فضلاً، ولا يرى له على أحد حقاً. ومن علاماته: أنه لا يأسف على فائت، ولا يفرح بفائت، لأنه ينظر إلى الأشياء بعين الفناء والزوال، لأنها في الحقيقة كالظلال والخيال
إذا غذي القلب بالتذكر وسقي بالتفكر ونقي من الدغل، رأى العجائب وألهم الحكمة.
قوله: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} (الآية: 24 من سورة الأنفال.) المشهور في الآية أنه يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان، ويحول بين أهل طاعته وبين معصيته، وبين أهل معصيته وبين طاعته، وهذا قول ابن عباس وجمهور المفسرين. وفي الآية قول آخر: أن المعنى: أنه سبحانه قريب من قلبه لا تخفى عليه خافية فهو بينه وبين قلبه، ذكره الواحدي عن قتادة، وكان هذا أنسب بالسياق؛ لأن الاستجابة أصلها بالقلب، فلا تنفع الاستجابة بالبدن دون القلب، فإن الله سبحانه بين العبد وبين قلبه، فيعلم هل استجاب له قلبه وهل أضمر ذلك أو أضمر خلافه؟
الجاهل يشكو الله إلى الناس، وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو إليه فإنه لو عرف ربه لما شكاه، ولو عرف الناس لما شكا إليهم. ورأى بعض السلف رجلا يشكو إلى رجل فاقته وضرورته، فقال: يا هذا، والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك
قوله تعالى: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا } (سورة الفرقان الآية 73.) قال مقاتل: إذا وعظوا بالقرآن لم يقعوا عليه صما لم يسمعوه، وعميانا لم يبصروه، ولكنهم سمعوا وأبصروا وأيقنوا به. وقال ابن عباس: لم يكونوا عليها صما وعميانا، بل كانوا خائفين خاشعين. وقال الكلبي: يخرون عليها سمعا وبصَرا. وقال الفراء: وإذا تلي عليهم القرآن لم يقعدوا على حالهم الأولى كأنهم لم يسمعوه
الجنة ترضى منك بأداء الفرائض، والنار تندفع عنك بترك المعاصي، والمحبة لا تقنع منك إلا ببذل الروح.
لو عرفت قدر نفسك عندنا ما أهنتها بالمعاصي، إنما أبعدنا إبليس إذ لم يسجد لك، وأنت في صلب أبيك، فواعجبا كيف صالحته وتركتنا! لو كان في قلبك محبة لبان أثرها على جسدك.
تالله ما عدا عليك العدو إلا بعد أن تولى عنك الولي، فلا تظن أن الشيطان غلب ولكن الحافظ أعرض.
لا تسأم من الوقوف على الباب ولو طردت، ولا تقطع الاعتذار ولو رددت، فإن فتح الباب للمقبولين دونك فاهجم هجوم الكذابين وادخل دخول الطفيلية وابسط كف: {وتصدق علينا}(الآية: 88 من سورة يوسف.).
قال يحيى بن معاذ من جمع الله عليه قلبه في الدعاء لم يرده. قلت: إذا اجتمع عليه قلبه وصدقت ضرورته وفاقته وقوي رجاؤه فلا يكاد يرد دعاؤه.
من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن الإجابة، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره، وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته، وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه ثم لا تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره ومناجاته، وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره ولا تهرب منه بنعيم الإقبال عليه والإنابة إليه. وأعجب من هذا علمك أنك لا بد لك منه وأنك أحوج شيء إليه وأنت عنه معرض، وفيما يبعدك عنه راغب.
من فقد أنسه بين الناس ووجده في الوحدة فهو صادق ضعيف. ومن وجده بين الناس وفقده في الخلوة فهو معلول. ومن فقده بين الناس وفي الخلوة فهو ميت مطرود، ومن وجده في الخلوة وفي الناس فهو المحب الصادق القوي في حاله، ومن كان فتحه في الخلوة لم يكن مزيده إلا منها، ومن كان فتحه بين الناس ونصحهم وإرشادهم كان مزيده معهم، ومن كان فتحه في وقوفه مع مراد الله حيث أقامه في أي شيء استعمله كان مزيده في خلوته ومع الناس، فأشرف الأحوال ألا تختار لنفسك حالة سوى ما يختاره لك ويقيمك فيه فكن مع مراده منك ولا تكن مع مرادك منه.
ليس العجب من مملوك يتذلل لله ويتعبد له ولا يمل من خدمته مع حاجته وفقره إليه، إنما العجب من مالك يتحبب إلى مملوك بصنوف إنعامه ويتودد إليه بأنواع إحسانه مع غناه عنه. كفى بك عزًّا أنك له عبد ** وكفى بك فخراً أنه لك رب
المخلوق إذا خفته استوحشت منه وهربت منه، والرب تعالى إذا خفته أنست به وقربت إليه.
من تحقق بمعاني الفاتحة علماً ومعرفة وعملاً وحالاً فقد فاز من كماله بأوفر نصيب، وصارت عبوديته عبودية الخاصة الذين ارتفعت درجتهم عن عوام المتعبدين، والله المستعان.
قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} يتضمن بيان أن العبد لا سبيل له إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم، وأنه لا سبيل له إلى الاستقامة على الصراط إلا بهدايته. وقوله: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} يتضمن بيان طرفي الانحراف عن الصراط المستقيم، وأن الانحراف إلى أحد الطرفين انحراف إلى الضلال الذي هو فساد العلم والاعتقاد، والانحراف إلى الطريق الآخر انحراف إلى الغضب الذي سببه فساد القصد والعمل. فأول السورة رحمة وأوسطها هداية وآخرها نعمة.
من صفات اهل الجنه: {من خشي الرحمن بالغيب} (الآية: 33 من سورة ق.)، يتضمن الإقرار بوجوده وربوبيته وقدرته،وعلمه واطلاعه على تفاصيل أحوال العبد، ويتضمن الإقرار بكتبه ورسله وأمره ونهيه، ويتضمن الإقرار بوعده ووعيده ولقائه، فلا تصح خشية الرحمن بالغيب إلا بعد هذا كله.
قال عبيد بن عمير: الأواب: الذي يتذكر ذنوبه ثم يستغفر منها، وقال مجاهد: هو الذي إذا ذكر ذنبه استغفر منه. وقال سعيد بن المسيب : هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب.
إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله.
يتضمن قول العبد في الحديث (اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك)ان العبد ليس له غير باب سيده وفضله وإحسانه. وأن سيده إن أهمله وتخلى عنه هلك ولم يؤهِ أحد، ولم يعطف عليه، بل يضيع أعظم ضيعة. وفي ضمن ذلك الاعتراف بأنه مربوب مدبَّر مأمور منهي، إنما يتصرف بحكم العبودية لا بحكم الاختيار لنفسه، فليس هذا شأن العبد بل شأن الملوك الأحرار، وأما العبيد فتصرفهم على محض العبودية. ويتضمن التزام عبوديته من الذل والخضوع والإنابة وامتثال أمر سيده واجتناب نهيه ودوام الافتقار إليه واللجأ إليه والاستعانة به والتوكل عليه. وفيه أيضاً: إني عبد من جميع الوجوه: صغيراً وكبيراً، حياً وميتاً، مطيعاً وعاصياً، معافى ومبتلى بالروح والقلب واللسان والجوارح.
السر في ذلك، أي أن القلب لا يمكن شغله بمحبة الله إلا إذا فرغ من محبة غير الله: أن إصغاء القلب كإصغاء الأذن، فإذا أصغى إلى غير حديث الله لم يبق فيه إصغاء ولا فهم لحديثه، كما إذا مال إلى غير محبة الله لم يبق فيه ميْل إلى محبته
قوله تعالى (ألهاكم التكاثر) يدخل فيه كل ما يكاثر به العبدُ غيره، سوى طاعة الله ورسوله، وما يعود عليه بنفع معاده، فهو داخل في هذا التكاثر، فالتكاثر في كل شيء من مال أو جاه أو رياسة أو نسوة أو حديث أو علم، ولا سيما إذا لم يحتج إليه، والتكاثر في الكتب والتصانيف وكثرة المسائل وتفريعها وتوليدها، والتكاثر أن يطلب الرجل أن يكون أكثر من غيره، وهذا مذمـوم إلا فيما يقرب إلى الله، فالتكاثر فيه منافسـة في الخيرات ومسابقة إليها
