حكم ومواعظ
A
" وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ " البقرة (186): أنواع الدعاء و القرب لله تعالى: والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة. والقرب نوعان: قرب بعلمه من كل خلقه، وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق. فمن دعا ربه بقلب حاضر، ودعاء مشروع، ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء، كأكل الحرام ونحوه، فإن الله قد وعده بالإجابة، وخصوصا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء، وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية، والإيمان به، الموجب للاستجابة، فلهذا قال: { فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة. ولأن الإيمان بالله والاستجابة لأمره، سبب لحصول العلم كما قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا }.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ﴾ [سورة البقرة آية:﴿١٥٣﴾]
هذه معية خاصة، تقتضي محبته ومعونته، ونصره وقربه، وهذه منقبة عظيمة للصابرين؛ فلو لم يكن للصابرين فضيلة إلا أنهم فازوا بهذه المعية من الله لكفى بها فضلا وشرفا. السعدي: 75.
هذه معية خاصة، تقتضي محبته ومعونته، ونصره وقربه، وهذه منقبة عظيمة للصابرين؛ فلو لم يكن للصابرين فضيلة إلا أنهم فازوا بهذه المعية من الله لكفى بها فضلا وشرفا. السعدي: 75.
[مراجعة الاهتمامات] يقول ابن تيمية: " من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن، ومن أدمن أخذ الحكمة والآداب من كلام فارس والروم لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام، ونظير هذا كثير ".
قال ابن القيم رحمه الله تعالى واصفاً الهمّة العالية: (علو الهمّة ألا تقف (أي النفس) دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلاً منه، ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية. فالهمّة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور،لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإن الهمّة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها، وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان)
يقول الأستاذ المودوديّ رحمه الله تعالى مخاطباً قوماً ممن ذكرناهم آنفاً: (إنه من الواجب أن تكون في قلوبكم نار متّقدة تكون في ضرامها – على الأقل مثل النار التي تتقد في قلب أحدكم عندما يجد ابناً له مريضاً ولا تدعه حتى تجرّه إلى الطبيب، أو عندما لا يجد في بيته شيئاً يسد به رمق حياة أولاده فتقلقه وتضطره إلى بذل الجهد والسعي. إنه من الواجب أن تكون في صدوركم عاطفة صادقة تشغلكم في كل حين من أحيانكم بالسعي في سبيل غايتكم، وتعمر قلوبكم بالطمأنينة، وتكسب لعقولكم الإخلاص والتجرد، وتستقطب عليها جهودكم وأفكاركم بحيث إن شؤونكم الشخصية وقضاياكم العائلية إذا استرعت اهتمامكم فلا تلتفتون إليها إلا مكرهين.
قال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن و عمر بن عبد العزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما. روى ضمرة عن حفص بن عمر قال: بكى الحسن فقيل ما يبكيك؟ قال: أخاف أن يطرحني غدا في النار و لا يبالي.
قال سفيان بن عيينة: خلق الله النار رحمة يخوف بها عباده لينتهوا. قال سليمان بن سحيم: أخبرني من رأى ابن عمر يصلي و هو يترجح و يتمايل و يتأوه حتى لو رآه غيرنا ممن يجهله لقال: لقد أصيب الرجل و ذلك لذكر النار إذا مر بقوله تعالى: " و إذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا ".
يقول ابن حجر -رحمه الله-: " كل داع يستجاب له، لكن تتنوع الإجابة، فتارة تقع بعين ما دعا به، وتارةً بعِوضه ".
اعلم أن الزمان لا يثبت على حال كما قال عز وجل: " وتلكَ الأيامُ نداولها بينَ الناس ". فتارة فقر، وتارة غنى، وتارة عز، وتارة ذل، وتارة يفرح الموالي، وتارة يشمت الأعادي. فالسعيد من لازم أصلاً واحداً على كل حال، وهو تقوى الله عز وجل فإنه إن استغنى زانته، وإن افتقر فتحت له أبواب الصبر، وإن عوفي تمت النعمة عليه، وإن ابتلى حملته، ولا يضره إن نزل به الزمان أو صعد، أو أعراه أو أشبعه أو أجاعه
اعلم أن العقوبة تختلف فتارة تتعجل وتارة تتأخر وتارة يظهر أثرها وتارة يخفى وأطرف العقوبات مالا يحس بها المعاقب وأشدها العقوبة بسلب الايمان والمعرفة ودون ذلك موت القلوب ومحو لذة المناجاة منه وقوة الحرص على الذنب ونسيان القرآن وإهمال الإستغفار ونحو ذلك مما ضرره في الدين وربما دبت العقوبة في الباطن دبيب الظلمة إلى أن يمتلىء أفق القلب فتعمى البصيرة
اجتمع في الحجر عبد الله، ومصعب، وعروة – بنو الزبير – وابن عمر، فقال ابن عمر: تمنوا، فقال ابن الزبير: أتمنى الخلافة، وقال عروة: أتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أتمنى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة وسُكينة بنت الحسين. فقال ابن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة. قال أبو الزناد: فنالوا ما تمنوا، ولعل ابن عمر قد غُفر له.
قال معمر بن راشد الأزدي: كان يقال: إن الرجل يطلب العلم لغير الله، فيأبى عليه العلم حتى يكون لله. قال الذهبي: نعم، يطلبه أولا والحامل حب العلم، وحب إزالة الجهل عنه، وحب الوظائف، ونحو ذلك. ولم يكن عَلِم وجوب الإخلاص فيه، ولا صدق النية، فإذا علم حاسب نفسه، وخاف من وبال قصده، فتجيئه النية الصالحة كلها أو بعضها، وقد يتوب من نيته الفاسدة ويندم. وعلامة ذلك أنه يقصر من الدعاوى وحب المناظرة، ومن قصد التكثر بعلمه، ويزري على نفسه، فإن تكثر بعلمه أو قال: أنا أعلم من فلان، فبُعدا له.
قال علي بن خشرم: ما رأيت بيد وكيع كتابا قط، إنما هو حفظ، فسألته عن أدوية الحفظ، فقال: إن علّمتك الدواء استعملته؟ قلت: إي والله. قال: ترك المعاصي، ما جربت مثله في الحفظ.
كتب عبد الله بن عمر العمري العابد إلى مالك بن أنس يحضه على الانفراد والعبادة، فكتب إليه مالك: أما بعد، فإن الله عز وجل قد قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فُتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد. فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فُتح لي فيه. وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه. وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر.
من كلام الموفق أبي محمد الموصلي: من لم يحتمل ألم التعلم لم يذق لذة العلم، ومن يكدح لم يفلح. إذا خلوت من التعلم والتفكر فحرك لسانك بالذكر وخاصة عند النوم، وإذا حدث لك فرح بالدنيا فاذكر الموت وسرعة الزوال وكثرة المنغصات، إذا حزبك أمر فاسترجع، وإذا اعترتك غفلة فاستغفر.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا وحاسبوها قبل أن تحاسبوا فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم إني أعوذ بك أن تأخذني على غرة أو تذرني في غفلة أو تجعلني من الغافلين.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: احفظوا عني خمساً فلو ركبتم الإبل في طلبهن لأنضيتموهن (أي أهلكتم الإبل وما وصلتم إليهن) قبل أن تدركوهن لا يرجو عبد إلا ربه ولا يخاف إلا ذنبه ولا يستحي جاهل أن يسأل عما لا يعلم ولا يستحي عالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول الله أعلم والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا إيمان لمن لا صبر له.
ليس في التكليف أصعب من الصبر على القضاء، ولا فيه أفضل من الرضى به. فأما الصبر: فهو فرض. وأما الرضا فهو فضل.
حُكي أن الإمام المزني، دخل على الإمام الشافعي في مرضه الذي مات فيه، فقال: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ فأجابه قائلاً: أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقًا، ولسَيِّء عملي مُلاقيًا، ولكأس المنية شاربًا، وعلى ربي تبارك وتعال واردًا، لا أدري: تصير روحي إلى الجنَّة فأُهَنِّيها، أو إلى النار فأُعَزِّيها، ثُمَّ أنشد قائلاً: ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي،جعلت الرجا مني لعفوك سُلَّما، تعاظمني ذنبي فلما قرنته، عفوك ربي كان عفوك أعظما، وما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل، تجود وتعفو منَّةً وتكرُّما (سمير المؤمنين في المواعظ والحكم والقصص).
قال رجلٌّ: اشتكيت إلى صديق لي بعض ما غمَّني، فسمعني شريح القاضي، فأخذ بيدي، وقال: يا ابنُ أخي، إيَّاك والشَّكوى إلى غير الله، فإنه لا يخلو من تشكو إليه أن يكون صديقًا أو عدُوًّا، فأمَّا الصديق فتُحزنه ولا يَنفعك، وأمَّا العدو فيشمت بك، انظر إلى عيني هذه، وأشار إلى إحدى عينيه، فوالله ما أبصرت بها شخصًا ولا طريقًا، منذ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وما أخبرت بها أحدًا إلى هذه الغاية، أمَا سمعت قول يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86] فاجعله مَشْكَاك ومَفْزَعك عند كل نائبة تَنُوبك، فإنه أكرم مسؤول، وأقرب مدعو إليك. (العقد الفريد).
" إِنَّ اللَّهَ (مَعَ) الصَّابِرِينَ " هب أنك خسرت كل شيء ورحل عنك كل غال ولم يعد معك أحد ثم صبرت فكان الله العظيم بدلا عنهم معك
