فوائد من مدارج السالكين
A
لما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس ناكبون عنه، مريداً لسلوك طريق موافقُه فيها في غاية القلة والعزة، والنفوس مجبولة على وحشة التفرد، وعلى الإنس بالرفيق، نبه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق وأنهم هم (الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً)، ليزول عن الطالب للهداية وسلوط الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه، فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له، فإنهم هـم الأقلـون قدراً، وإن كانـوا الأكثرين عدداً
القلب يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولابد، وهما الرياء، والكبر. فدواء الرياء بـ[إياك نعبد] ودواء الكبر بـ[إياك نستعين].
أفضل ما يُسأل الرب تبارك وتعالى: الإعانة على مرضاته، وهو الذي علّمه النبي لمعاذ بن جبل فقال: يا معاذ! والله إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. فأنفع الدعاء: طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب: إسعافه بهذا المطلوب.
من أحسن ظنه بنفسه فهو من أجهل الناس بنفسه. لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش، ويلبّس عليه، فيرى المساوىء محاسن، والعيوب كمالاً
عقبات الشيطان:العقبة الأولى: عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه، وبصفات كماله. فإن نجا منها ببصيرة الهداية طلبه على: العقبة الثانية: وهي عقبة البدعة. فإن قطع هذه العقبة، وخلص منها بنور السنة. العقبة الثالثة: وهي عقبة الكبائر. فإن قطع هذه العقبة بعصمة من الله، أو بتوبة نصوح تنجيه منها طلبه على: العقبة الرابعة: وهي عقبة الصغائر. العقبة الخامسة: وهي عقبة المباحات التي لا حرج على فاعلها، فشغله بها عن الاستكثار من الطاعات، وعن الاجتهاد في التزود لمعاده. فإن نجا من هذه العقبة طلبه العدو على: العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحسنها في عينه، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسباً وربحاً، لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية. ولكن أين أصحاب هذه العقبة؟ فهم الأفراد في العالم، والأكثرون قد ظفر بهم في العقبات الأول.
في دعائه صلى الله عليه وسلم (والخير كله بيديك، والشر ليس إليك) لا يلتفت إلى تفسير من فسره بقوله (والشر لا يُتقرب به إليك، أو لا يصعد إليك) فإن المعنى أجل من ذلك، وأكبر وأعظم قدراً، فإن أسماؤه كلها حسنى، وأوصافه كلها كمال، وأقواله كلها صدق وعدل: يستحيل دخول الشر في أسمائه وأصافه، أو أفعاله أو أقواله
الواجب على الإنسان إذا أعطاه الله ما أعطاه بلا سؤال ان: تسأله أن يجعله عوناً لك على طاعته، وبلاغاً إلى مرضاته، ولا يجعله قاطعاً لك عنه، ولا مبعداً عن مرضاته، فلا تظن أن عطاءه كل ما أعطى لكرامة عبده عليه، ولا منعه كل ما يمنعه لهوان عبده عليه، ولكن عطاؤه ومنعه ابتلاء وامتحان يمتحن بهما عباده.
العمل لأجل الناس وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجائهم للضر والنفع منهم: لا يكون من عارف بهم البتة، بل جاهل بشأنهم، وجاهل بربه، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله
الفرق بين الإخلاص والصدق: الإخلاص: أن لا يكون المطلوب منقسماً، والصدق: أن لا يكون الطلب منقسماً، فالصدق: بذل الجهد، والإخلاص: إفراد المطلوب
كل قوة ظاهرة وباطنة صحبها تنفيذ لمرضاته وأوامره فهي منّة وإلا فهي حجة. كل حال صحبه تأثير في نصرة دينه والدعوة إليه فهو منّة منه، وإلا فهو حجة. وكل مال اقترن به إنفاق في سبيل الله وطاعته، لا لطلب الجزاء ولا للشكور، فهو منّة من الله عليه، وإلا فهو حجة. وكل فراغ اقترن به اشتغال بما يريد الرب من عبده فهو منه عليه، وإلا فهو حجة. وكل قبول في الناس، وتعظيم ومحبة له، اتصل به خضوع للرب، وذل وانكسار، ومعرفة بعيب النفس والعمل، وبذل النصيحة للخلق فهو منّة، وإلا فهو حجة. فليتأمل العبد هذا الموضع العظيم الخطر، ويميز بين مواقع المنن والمحن.
رضا العبد بطاعته دليل على حسن ظنه بنفسه، وجهله بحقوق العبودية، وعدم علمه بما يستحق الرب جل جلاله ويليق أن يعامل به، فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقاتها
أرباب البصائر أشد ما يكونون استغفاراً عقيب الطاعات لشهودهم تقصيرهم فيها، وترْك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه
الفرح بالمعصية دليل على شدة الرغبة فيها، والجهل بقدر من عصاه، والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها، وفرحه أشد ضرراً عليه من مواقعتها، والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبداً، ولا يكمل بها فرحه، بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه.
لا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوهِ، وإغاظته له، وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه. قال تعالى (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً). سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغماً يرام به عدو الله وعدوه، والله يحب من وليه مراغمة عدوه وإغاظته، كما قال تعالى (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
من تعبد الله بمراغمة عدوه، فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر، وعلى قدر محبة العبد لربه، وموالاته ومعاداته لعدوه، يكون نصيبه من هذه المراغمة، ولأجل هذه المراغمة حمِد التبختر بين الصفين، والخيلاء والتبختر عند صدقة السر، حيث لا يراه إلا الله، لما في ذلك من إرغام العدو، وبذل محبوبه من نفسه وماله لله عز وجل. وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس، ومن ذاق طعمه ولذته بكى على أيامه الأول
العارف من صغرت حسناته في عينه، وعظمت ذنوبه عنده، وكلما صغرت الحسنات في عينك كبرت عند الله، وكلما كبرت وعظمت في قلبك قلت وصغرت عند الله.
العبد سائر لا واقف، فإما إلى فوق، وإما إلى أسفل، إما إلى أمام وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة، ولا في الشريعة وقوف البتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طيء إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطىء، ومتقدم ومتأخر، وليس في الطريق واقف البتة
اتباع الهوى يطمس نور العقل ويعمي بصيرة القلب ويصد عن اتباع الحق ويضل عن الطريق المستقيم فلا تحصل بصيرة العبرة معه أبداً، والعبد إذا اتبع هواه فسد رأيه ونظره فأرته نفسه الحسن في صورة القبيح والقبيح في صورة الحسن فالتبس عليه الحق بالباطل
قصر الأمل هو من أنفع الأمور للقلب فإنه يبعثه على معافصة الأيام وانتهاز الفرص التي تمر مر السحاب ومبادرة طي صحائف الأعمال ويثير ساكن عزماته إلى دار البقاء ويحثه على قضاء جهاز سفره وتدارك الفارط ويزهده في الدنيا ويرغبه في الآخرة.
قصر الأمل بناؤه على أمرين: تيقن زوال الدنيا ومفارقتها وتيقن لقاء الآخرة وبقائها ودوامها
أثر اعتياد الغناء ما اعتاده أحد إلا نافق قلبه وهو لا يشعر ولو عرف حقيقة النفاق وغايته لأبصره في قلبه فإنه ما اجتمع في قلب عبد قط محبة الغناء ومحبة القرآن إلا طردت إحداهما الأخرى
الخوف يثمر الورع والاستعانة وقصر الأمل. وقوة الإيمان باللقاء تثمر الزهد. والمعرفة تثمر المحبة والخوف والرجاء. والقناعة تثمر الرضاء. والذكر يثمر حياة القلب. والإيمان بالقدر يثمر التوكل.
التمني يكون مع الكسل، ولا يسلك بصاحبه الجد والاجتهاد. والرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل.
المراقبة وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة وكل نفس وكل طرفة عين. قيل لبعضهم: متى يهش الراعي غنمه بعصاه عن مراتع الهلكة فقال: إذا علم أن عليه رقيباً.
سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحاً فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور، يعني أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه وقوة انشراح وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول
معنى الصبر بالله صبر الاستعانة بالله، ورؤيته أنه هو المصّبر، وأن صبر العبد بربه لا بنفسه
معنى الصبر لله هو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله، وإرادة وجهه، والتقرب إليه.
معنى الصبر مع الله هو دوران العبد مع مراد الله الديني منه، ومع أحكامه الدينية صابراً نفسه معها سائراً بسيرها مقيماً بإقامتها.
سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول:كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها: أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره لا كسب له فيها ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر،وأما صبره عن المعصية:فصبر اختيار ورضا ومحاربة للنفس
الرضى يفرغ قلب العبد ويقلل همه وغمه فيتفرغ لعبادة ربه بقلب خفيف من أثقال الدنيا وهمومها. وأن الرضى يخلص العبد من مخاصمة الرب تعالى في أحكامه وأقضيته فإن السخط عليه مخاصمة له فيما لم يرض به العبد.
سأل النبي الرضا بالقضاء كما في الحديث: (... وأسألك الرضا بعد القضاء) سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: سأله الرضا بعد القضاء لأنه حينئذ تبين حقيقة الرضا وأما الرضا قبله: فإنما هو عزم على أنه يرضى إذا أصابه وإنما يتحقق الرضا بعده
قال الفضيل: خمس من علامات الشقوة: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل
قد جرت سنة الله التي لا تبديل لها أن من آثر مرضاة الخلق على مرضاته: أن يسخط عليه من آثر رضاه ويخذله من جهته ويجعل محنته على يديه فيعود حامده ذاماً، هذا مع أن رضا الخلق: لا مقدور ولا مأمور ولا مأثور فهو مستحيل. فلا صلاح للنفس إلا بإيثار رضا ربها ومولاها على غيره.
