الجزء الثامن المجموعة السادسة
A
الكلام عن إعجاز القرآن..
حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما من الأنبياء نبي إلا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة.
قوله " وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي ".
أي أن معجزتي التي تحديت بها الوحي الذي أنزل علي وهو القرآن لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح وليس المراد حصر معجزاته فيه ولا أنه لم يؤت من المعجزات ما أوتي من تقدمه بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اختص بها دون غيره لأن كل نبي أعطى معجزة خاصة به لم يعطها بعينها غيره تحدى بها قومه.
وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه كما كان السحر فاشيا عند فرعون فجاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة لكنها تلقفت ما صنعوا ولم يقع ذلك بعينه لغيره.
وكذلك إحياء عيسى الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لكون الأطباء والحكماء كانوا في ذلك الزمان في غاية الظهور فأتاهم من جنس عملهم بما لم تصل قدرتهم إليه.
ولهذا لما كان العرب الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه و سلم في الغاية من البلاغة جاءهم بالقرآن الذي تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فلم يقدروا على ذلك، وقيل المراد أن القرآن ليس له مثل لا صورة ولا حقيقة بخلاف غيره من المعجزات فإنها لا تخلو عن مثل.
وقيل المراد أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها ومعجزه القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته وأخباره بالمغيبات فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه.
وهذا أقوى المحتملات وتكميله في الذي بعده.
وقيل المعنى أن المعجزات الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة صالح وعصا موسى، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة فيكون من يتبعه لأجلها أكثر لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرا.
قلت – الحافظ -: ويمكن نظم هذه الأقوال كلها في كلام واحد فإن محصلها لا ينافي بعضه بعضا، قوله فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة رتب هذا الكلام على ما تقدم من معجزة القرآن المستمرة لكثرة فائدته وعموم نفعه لاشتماله على الدعوة والحجة والإخبار بما سيكون فعم نفعه من حضر ومن غاب ومن وجد ومن سيوجد فحسن ترتيب الرجوى المذكورة على ذلك وهذه الرجوى قد تحققت فإنه أكثر الأنبياء تبعا.
وقد جمع بعضهم إعجاز القرآن في أربعة أشياء:
أحدها: حسن تأليفه والتئام كلمه مع الإيجاز والبلاغة.
ثانيها: صورة سياقه وأسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من العرب نظما ونثرا حتى حارت فيه عقولهم ولم يهتدوا إلى الإتيان بشيء مثله مع توفر دواعيهم على تحصيل ذلك وتقريعه لهم على العجز عنه.
ثالثها: ما اشتمل عليه من الإخبار عما مضى من أحوال الأمم السالفة والشرائع الداثرة مما كان لا يعلم منه بعضه إلا النادر من أهل الكتاب.
رابعها: الإخبار بما سيأتي من الكوائن التي وقع بعضها في العصر النبوي وبعضها بعده.
ومن غير هذه الأربعة آيات وردت بتعجيز قوم في قضايا أنهم لا يفعلونها فعجزوا عنها مع توفر دواعيهم على تكذيبه، كتمني اليهود الموت، ومنها الروعة التي تحصل لسامعه، ومنها أن قارئه لا يمل من ترداده وسامعه لا يمجه ولا يزداد بكثرة التكرار إلا طراوة ولذاذة، ومنها أنه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا، ومنها جمعه لعلوم ومعارف لا تنقضي عجائبها ولا تنتهي فوائدها..
قوله " وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي ".
أي أن معجزتي التي تحديت بها الوحي الذي أنزل علي وهو القرآن لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح وليس المراد حصر معجزاته فيه ولا أنه لم يؤت من المعجزات ما أوتي من تقدمه بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اختص بها دون غيره لأن كل نبي أعطى معجزة خاصة به لم يعطها بعينها غيره تحدى بها قومه.
وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه كما كان السحر فاشيا عند فرعون فجاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة لكنها تلقفت ما صنعوا ولم يقع ذلك بعينه لغيره.
وكذلك إحياء عيسى الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لكون الأطباء والحكماء كانوا في ذلك الزمان في غاية الظهور فأتاهم من جنس عملهم بما لم تصل قدرتهم إليه.
ولهذا لما كان العرب الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه و سلم في الغاية من البلاغة جاءهم بالقرآن الذي تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فلم يقدروا على ذلك، وقيل المراد أن القرآن ليس له مثل لا صورة ولا حقيقة بخلاف غيره من المعجزات فإنها لا تخلو عن مثل.
وقيل المراد أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها ومعجزه القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته وأخباره بالمغيبات فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه.
وهذا أقوى المحتملات وتكميله في الذي بعده.
وقيل المعنى أن المعجزات الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة صالح وعصا موسى، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة فيكون من يتبعه لأجلها أكثر لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرا.
قلت – الحافظ -: ويمكن نظم هذه الأقوال كلها في كلام واحد فإن محصلها لا ينافي بعضه بعضا، قوله فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة رتب هذا الكلام على ما تقدم من معجزة القرآن المستمرة لكثرة فائدته وعموم نفعه لاشتماله على الدعوة والحجة والإخبار بما سيكون فعم نفعه من حضر ومن غاب ومن وجد ومن سيوجد فحسن ترتيب الرجوى المذكورة على ذلك وهذه الرجوى قد تحققت فإنه أكثر الأنبياء تبعا.
وقد جمع بعضهم إعجاز القرآن في أربعة أشياء:
أحدها: حسن تأليفه والتئام كلمه مع الإيجاز والبلاغة.
ثانيها: صورة سياقه وأسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من العرب نظما ونثرا حتى حارت فيه عقولهم ولم يهتدوا إلى الإتيان بشيء مثله مع توفر دواعيهم على تحصيل ذلك وتقريعه لهم على العجز عنه.
ثالثها: ما اشتمل عليه من الإخبار عما مضى من أحوال الأمم السالفة والشرائع الداثرة مما كان لا يعلم منه بعضه إلا النادر من أهل الكتاب.
رابعها: الإخبار بما سيأتي من الكوائن التي وقع بعضها في العصر النبوي وبعضها بعده.
ومن غير هذه الأربعة آيات وردت بتعجيز قوم في قضايا أنهم لا يفعلونها فعجزوا عنها مع توفر دواعيهم على تكذيبه، كتمني اليهود الموت، ومنها الروعة التي تحصل لسامعه، ومنها أن قارئه لا يمل من ترداده وسامعه لا يمجه ولا يزداد بكثرة التكرار إلا طراوة ولذاذة، ومنها أنه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا، ومنها جمعه لعلوم ومعارف لا تنقضي عجائبها ولا تنتهي فوائدها..
حديث شريف
مسألة ابن مسعود وتركه لكتابة المعوذات في مصحفه.
أخرج أحمد وابن حبان أن عبدالله بن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، وعند البزار قال ابن مسعود: إنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ بهما.
قال البزار: ولم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بهما في الصلاة.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه: إذا أنت صليت فاقرأ بهما. رواه أحمد بسند صحيح.
وعند سعيد بن منصور من حديث معاذ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ بهما في صلاة الفجر.
قال بعضهم إن ابن مسعود لم ينكر أنها من القرآن ولكنه أنكر إثباتها في المصحف، وهذا تأويل جيد ولكن يعكر عليه قوله: إنها ليست من كتاب الله.
وبعضهم شكك في صحة الكلام لابن مسعود كالنووي وابن حزم والفخر الرازي، ولعل ابن مسعود لم يكن خبر المعوذتين عنده متواتراً وإن كان متواتراً عند غيره..
أخرج أحمد وابن حبان أن عبدالله بن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، وعند البزار قال ابن مسعود: إنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ بهما.
قال البزار: ولم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بهما في الصلاة.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه: إذا أنت صليت فاقرأ بهما. رواه أحمد بسند صحيح.
وعند سعيد بن منصور من حديث معاذ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ بهما في صلاة الفجر.
قال بعضهم إن ابن مسعود لم ينكر أنها من القرآن ولكنه أنكر إثباتها في المصحف، وهذا تأويل جيد ولكن يعكر عليه قوله: إنها ليست من كتاب الله.
وبعضهم شكك في صحة الكلام لابن مسعود كالنووي وابن حزم والفخر الرازي، ولعل ابن مسعود لم يكن خبر المعوذتين عنده متواتراً وإن كان متواتراً عند غيره..
حديث شريف
حديث ٤٩٦٤ " لما عُرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل ؟ فقال: هذا الكوثر.
وحديث ٤٩٦٦ قال ابن عباس في الكوثر هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه.
ولا منافاة بينهما فالخير الكثير يدخل فيه النهر.
وفي صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم: أتدرون ما الكوثر ؟ هو نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير..
وحديث ٤٩٦٦ قال ابن عباس في الكوثر هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه.
ولا منافاة بينهما فالخير الكثير يدخل فيه النهر.
وفي صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم: أتدرون ما الكوثر ؟ هو نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير..
حديث شريف
بعض الأحاديث في ورقة بن نوفل.
أخرج الترمذي عن عائشة أن خديجة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ورقة: كان ورقة صدقك ولكنه مات قبل أن تظهر فقال: رأيته في المنام وعليه ثياب بيض.
وعند البزار والحاكم عن عائشة مرفوعاً " لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين ".
قال الحافظ: وقد استوعبت ما ورد في ترجمته ترجمة من كتابي في الصحابة..
أخرج الترمذي عن عائشة أن خديجة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ورقة: كان ورقة صدقك ولكنه مات قبل أن تظهر فقال: رأيته في المنام وعليه ثياب بيض.
وعند البزار والحاكم عن عائشة مرفوعاً " لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين ".
قال الحافظ: وقد استوعبت ما ورد في ترجمته ترجمة من كتابي في الصحابة..
حديث شريف
في بداية الوحي وزيارة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار " فغطني " أي غمني.
والحكمة في ذلك لإظهار الشدة والجد في الأمر تنبيهاً على ثقل القول الذي سيلقى إليه.
قال الحافظ: وذكر لنا بعض من لقيناه أن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم إذ لم ينقل عن أحد من الأنبياء أنه جرى له مثل ذلك عند ابتداء الوحي..
والحكمة في ذلك لإظهار الشدة والجد في الأمر تنبيهاً على ثقل القول الذي سيلقى إليه.
قال الحافظ: وذكر لنا بعض من لقيناه أن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم إذ لم ينقل عن أحد من الأنبياء أنه جرى له مثل ذلك عند ابتداء الوحي..
حديث شريف
حديث ٤٩٥٢ " أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في سفر فقرأ في إحدى ركعتي العشاء بالتين والزيتون ".
قال الحافظ: وقد كثر سؤال بعض الناس هل قرأ بها في الركعة الأولى أم الثانية أو قرأ فيهما معا كأن يقول أعادها في الثانية وعلى أن يكون قرأ غيرها فهل عرف ؟
وما كنت استحضر لذلك جواباً إلى أن رأيت في كتاب الصحابة لأبي علي بن السكن في ترجمة زرعة بن خليفة رجل من أهل اليمامة أنه قال سمعنا بالنبي صلى الله عليه وسلم فأتيناه فعرض علينا الإسلام فأسلمنا وأسهم لنا وقرأ في الصلاة بالتين والزيتون وإنا أنزلناه في ليلة القدر فيمكن إن كانت هي الصلاة التي عين البراء بن عازب أنها العشاء أن يقال قرأ في الأولى بالتين وفي الثانية بالقدر.
ويحصل بذلك جواب السؤال ويقوى ذلك أنا لا نعرف في خبر من الأخبار أنه قرأ بالتين والزيتون إلا في حديث البراء ثم حديث زرعة هذا..
قال الحافظ: وقد كثر سؤال بعض الناس هل قرأ بها في الركعة الأولى أم الثانية أو قرأ فيهما معا كأن يقول أعادها في الثانية وعلى أن يكون قرأ غيرها فهل عرف ؟
وما كنت استحضر لذلك جواباً إلى أن رأيت في كتاب الصحابة لأبي علي بن السكن في ترجمة زرعة بن خليفة رجل من أهل اليمامة أنه قال سمعنا بالنبي صلى الله عليه وسلم فأتيناه فعرض علينا الإسلام فأسلمنا وأسهم لنا وقرأ في الصلاة بالتين والزيتون وإنا أنزلناه في ليلة القدر فيمكن إن كانت هي الصلاة التي عين البراء بن عازب أنها العشاء أن يقال قرأ في الأولى بالتين وفي الثانية بالقدر.
ويحصل بذلك جواب السؤال ويقوى ذلك أنا لا نعرف في خبر من الأخبار أنه قرأ بالتين والزيتون إلا في حديث البراء ثم حديث زرعة هذا..
حديث شريف
حديث " لن يغلب عسر يسرين " روي مرفوعاً وموقوفاً.
أما المرفوع فأخرجه ابن مردويه من حديث جابر بسند ضعيف.
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود وإسناده ضعيف.
وأخرجه عبد بن حميد عن ابن مسعود بإسناد جيد " ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه بهذه الآية وقال: لن يغلب عسر يسرين إن شاء الله ".
وأما الموقوف فأخرجه مالك عن عمر، وقال الحاكم: صح ذلك عن عمر وعلي.
وهو في الموطأ عن عمر لكن من طريق منقطع.
وأخرجه عبد بن حميد عن ابن مسعود بسند جيد.
وأخرجه الفراء عن ابن عباس بسند ضعيف..
أما المرفوع فأخرجه ابن مردويه من حديث جابر بسند ضعيف.
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود وإسناده ضعيف.
وأخرجه عبد بن حميد عن ابن مسعود بإسناد جيد " ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه بهذه الآية وقال: لن يغلب عسر يسرين إن شاء الله ".
وأما الموقوف فأخرجه مالك عن عمر، وقال الحاكم: صح ذلك عن عمر وعلي.
وهو في الموطأ عن عمر لكن من طريق منقطع.
وأخرجه عبد بن حميد عن ابن مسعود بسند جيد.
وأخرجه الفراء عن ابن عباس بسند ضعيف..

