حديث «إني بين أيديكم فرط وأنا شهيد عليكم..»
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فعن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ خرج إلى قتلى أحد فصلى عليهم بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع على المنبر، فقال: إني بين أيديكم فرط، وأنا شهيد عليكم، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، ألا وأني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ[1]متفق عليه.
قوله: بأن رسول الله ﷺ خرج إلى قتلى أحد فصلى عليهم بعد ثمانية سنين، المقصود بالصلاة هنا: الدعاء، وليست صلاة الجنازة، وصلاة الجنازة إذا صلي على الميت، فإن هذه الصلاة تكون قبل دفنه، إلا لمن لم يدرك الصلاة عليه قبل الدفن، ثم بعد ذلك لا يصلى عليه، فالنبي ﷺ خرج إلى قتلى أحد، فصلى عليهم أي: دعا لهم بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات، ومعلوم أن وقعة أحد كانت في السنة الثالثة للهجرة، وكانت وفاته ﷺ في السنة العاشرة، في آخرها -عليه الصلاة والسلام-.
ثم طلع على المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط يعني أنه يسبق أمته ﷺ وكونه ﷺ فرط، بمعنى: أنه يسبقهم كذاك الذي يسبق القوم إلى الماء، يصلح لهم الحياض، ويهيئ لهم المنزل، وما أشبه ذلك، فالنبي ﷺ سابق لأمته، وهو على موعد معهم على الحوض إني بين أيديكم فرط، وأنا شهيد عليكم كما قال الله -تبارك وتعالى-: كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143] فالنبي ﷺ يشهد على أمته، كما أن كل نبي من الأنبياء يشهد على أمته: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [النساء:41].
قال: إن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا وذلك أنه كشف للنبي ﷺ عنه، وهذا حقيقة على ظاهره، وهذا يدل على أن الحوض موجود ومخلوق، كما أن الجنة وما فيها من النعيم مخلوقة وموجودة، وقد رآها النبي ﷺ ولكنه لم يدخل الجنة قبل موته -عليه الصلاة والسلام- كما هو معلوم.
قال: ألا وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا لأنه كما قال النبي ﷺ أيضًا: إن الشيطان قد أيئس أن يعبده المشركون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم[2] وهذا لا ينافي ما جاء عنه ﷺ بأنه لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان[3] وكذلك ما جاء من قبض أرواح المؤمنين ونفوسهم في آخر الزمان، فلا يبقى إلا شرار الناس[4] فذلك له حين آخر.
والمقصود هنا: أنه لم يخش على أصحابه أن يشركوا، ولكن خشي عليهم الدنيا أن يتنافسوها، ولهذا لما ذكرهم بهذا المعنى في بعض المناسبات: كيف بكم؟ فأجابه من أجابه منهم بأنهم يكونون بحال من الإحسان والشكر، والبذل في سبيل الله، وما إلى ذلك، لكن النبي ﷺ قال غير ذلك[5].
قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ كون الرسول ﷺ يقول هذا الكلام في آخر مقام قامه، يتخوف على أمته من الدنيا، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء[6].
والنصوص في كتاب الله -تبارك وتعالى- في بيان هذا المعنى كثيرة، وكذلك الأمثال المذكورة للحياة الدنيا، بالماء الذي أنزل من السماء فاختلط به نبات الأرض، ثم لم يلبث أن تقشع ذلك جميعًا، وتحول إلى حال أخرى، لا يرغب فيها أحد، فهذا حال هذه الحياة تتزين، وتتبهرج، والإنسان يعتبر بنفسه قبل غيره في مثل ذلك، فهذا الشباب يتغير، وتذهب نضارته وحسنه، ثم بعد ذلك يتحول الإنسان إذا نظرته بعد سنين إلى شيء آخر.
وهكذا أيضًا ترى ما نلابسه من هذا الأثاث، والرياش، واللباس، وما إلى ذلك، في أوله لربما يستهوي النفوس، ثم ما يلبث أن يزهد فيه أهله، وقل مثل هذا في المراكب، والمساكن، والطعام إذا ترك، أحسن ما يكون من الطعام، والفواكه، إذا ترك مدة يسيرة ما يلبث قليلاً حتى يتحول إلى شيء لا يرغب فيه أحد، هذه طبيعة هذه الحياة الدنيا، ولذلك تجد الناس لربما يزهدون في كثير من اللباس والطعام، الذي ما كانوا يزهدون فيه حينما كان له نضارة وحسن، فلا يبقى إلا وجه الله وأمر كهذا يتقضى بهذه الصورة حري أن يزهد فيه، وأن يعرف الإنسان قدر هذه الحياة، فلا يشتغل بها عن طاعة مولاه، ويعطي هذه الدنيا قدرها، وحقها الذي يليق بها، وأما الأغرار فإنهم لربما يغترون ببهرج منها، ثم بعد ذلك يتزين لهم بهرج آخر، ثم يتزين لهم بعده بهرج آخر، وهكذا، فيبقى الإنسان في لهو، وغفلة حتى يموت.
وفي رواية: ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، وتقتتلوا، فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم[7] قال عقبة: فكان آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر.
وفي رواية: إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني، والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها[8].
والمراد بكونه ﷺ قد أعطي مفاتيح خزائن الأرض، بمعنى: أن ذلك يفتح على أمته، وقد ورثوا مفاتيح خزائن كسرى وقيصر، ودانت لهم الأمم، وصارت لهم الممالك والأموال، وما إلى ذلك، فتحول تلك الحال من الفقر والشدة والمسغبة إلى غنى وسعة، ولكن التنافس في الدنيا حصل أيضًا، حصل ما كان يتخوفه ﷺ على أصحابه.
وهذا الأمر لاشك أنه مستمر في هذه الأمة على مدى الأزمان، فتجد الناس لربما يكونون في حال ملائمة من العمل والاستقامة، والدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- وبينهم من التناصر والتواد والتآزر الشيء الكثير، فإذا جاءت الدنيا غيرت الحال، وتغيرت نفوسهم، وبدأ التنافس بين هؤلاء الناس، حتى لربما أدى ذلك إلى القتال، بل رأيت بعض الناس في بعض بلاد الله الواسعة، ممن يشتغلون بالدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- وكانوا يدًا واحدة، لما تنافسوا على الدنيا بلغ الأمر ببعضهم إلى أن يكفر بعضهم بعضًا، والمنافسة على الدنيا، كانت المنافسة على الدنيا فقط لما فتح عليهم فيها، وجاءتهم الأموال من هنا وهناك حصل مثل هذا التنافس، وإلقاء هذه الأحكام العظيمة الكبيرة، يكفر أخاه على شيء من الدنيا، وأما القتال فذلك وقع منذ أزمان متطاولة، ولازال إلى يومنا هذا، والله المستعان.
اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
مختارات

