أدوية أمراض القلوب (٣)
ومن أمراض القلب: البخل والشح.
وسببهما حب المال، ولحب المال سببان:
أحدهما: حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل، وإن كان قصير الأمل ولكن له أولاد، أقام الولد مقام طول الأمل.
الثاني: أن يحب عين المال، فمن الناس من يملك ما يكفيه بقية عمره وهو شيخ بلا ولد، ومعه أموال كثيرة، ولا تسمح نفسه بإخراج الزكاة، ولا بمداواة نفسه منها عند المرض، بل صار محبًا لها، عاشقًا لها، يلتذ بوجودها في يده، ويكنزها تحت الأرض أو في مكان أمين، وهو يعلم أنه يموت فتضيع أو يأخذها غيره.
ومع هذا فلا تسمح نفسه بأن يأكل أو يتصدق أو يعالج نفسه منها.
وهذا مرض للقلب عظيم.
عسير العلاج.
لا سيما في كبر السن.
فعلاج كل علة في القلب بمضادة سببها.
فتعالج حب الشهوات بالقناعة باليسير وبالصبر.
ويعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت.
ويعالج التفات القلب إلى الولد بأن خالقه خلق معه رزقه.
ومن الأدوية النافعة: كثرة التأمل في أحوال البخلاء، ونفرة الطبع عنهم، واستقباحه لهم، والتفكر في مقاصد المال، وأنه لماذا خلق؟.
وما هو ثواب إنفاقه في سبيل الله ومرضاته؟.
فإذا عرف الإنسان هذا، وعرف أن البذل خير له من الإمساك في الدنيا والآخرة، هاجت رغبته في البذل إن كان عاقلاً.
فإن هاجت شهوة الإمساك، قمعها برؤية ثمرة الإنفاق وثوابه، وحسن عاقبته.
ومن أمراض القلب: الرياء والسمعة.
والرياء: مشتق من الرؤية، والسمعة: مشتقة من السماع.
والرياء: أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم خصال الخير، والمراءى به كثير، وهو كل ما يتزين به العبد للناس.
والرياء يحصل بستة أشياء هي:
البدن.
واللباس.
والقول.
والعمل.
والأتباع.
والأشياء.
وكذلك أهل الدنيا يراؤون بهذه الأسباب.
فالرياء في الدين بالبدن يكون بإظهار النحول والصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد، وعظم الحزن على أمر الدين.
والرياء بالهيئة والزي بشعث الرأس، وإطراق الرأس في المشي، ولبس غليظ الثياب، وترك تنظيف الثياب، وترك الثوب مخرقًا، كل ذلك يرائي به ليظهر أنه متبع للسنة.
وأما الرياء بالقول فيكون بالوعظ والتذكير، والنطق بالحكمة، وحفظ الأخبار والآثار لأجل البروز في المحاورة، وإظهارًا لغريزة العلم، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، ونحو ذلك.
وأما المراءاة بالعمل فكمراءاة المصلي من حوله بطول القيام والركوع والسجود، وإطراق الرأس، وكذلك بالصوم والصدقة، وإطعام الطعام ونحو ذلك.
وأما المراءاة بالأصحاب والزوار كالذي يتكلف أن يستزير عالمًا من العلماء ليقال إن العالم فلانًا قد زار فلانًا، أو عابدًا من العباد، ليقال إن أهل الدين يتبركون بزيارته، ونحو ذلك.
فالرياء محبط للأعمال، وسبب للمقت عند الله تعالى، وهو من كبائر الذنوب والمهلكات.
وما هذا وصفه فجدير بالعاقل التشمير عن ساق الجد في إزالته، وذلك بقلع عروقه واستئصال أصوله.
وأصله: حب المنزلة والجاه عند الناس، والفرار من ألم الذم، والطمع فيما في أيدي الناس.
فيعلم أن طلب المنزلة والجاه عند الله بالطاعة، أعظم وأولى من طلبها عند الناس بالرياء والنفاق.
ويعلم أن الله تعالى هو المسخر للقلوب بالمنع والإعطاء، وأن الخلق كلهم مضطرون إليه سبحانه، فلا رازق إلا الله، ومن طمع في الخلق لم يخلُ من الذل والخيبة، وإن وصل إلى المراد لم يخلُ عن المنة والمهانة، فكيف يترك ما عند الله لذلك.
وأما ذمهم فلم يحذر منه؟.
ولا يزيده ذمهم شيئًا ما لم يكتبه الله عليه، ولا يعجل أجله، ولا يؤخر رزقه، ولا يجعله من أهل النار إن كان من أهل الجنة.
وما يعرض من الرياء أثناء العبادة لا بدَّ أنه يشمر لدفعه وقهره، بذكر ومراعاة باطن العبادة وظاهرها.
ففي إسرار الأعمال فائدة الإخلاص والنجاة من الرياء.
وفي الإظهار فائدة الاقتداء، وترغيب الناس في الخير، ولكن فيه آفة الرياء.
والسر أحرز العملين، ولكن في الإظهار فائدة الاقتداء، وفي كل خير، وذلك يختلف باختلاف الأحوال والأعمال والأشخاص: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)} [البقرة: ٢٧٤].
وقال الله سبحانه: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)} [البقرة: ٢٧١].
ومن أعظم أمراض القلوب: الكبر والعجب.
والكبر ينقسم إلى ظاهر وباطن.
فالباطن هو خلق في النفس، والظاهر هو أعمال تصدر عن الجوارح، وهي ثمرات ذلك الخلق.
وعلامة المتكبر:
إن حاج أحدًا أنف أن يرد عليه.
وإن وعظه أحدٌ استنكف من القبول.
وإن وعظ عنّف في النصح.
وإن رُد عليه شيء من قوله غضب.
وإن علم لم يرفق بالمتعلمين.
واستذلهم وامتنّ عليهم.
وإن رأى لمن دونه تكريماً حقد عليه.
ويحب قيام الناس له أو بين يديه.
ولا يمشي إلا ومعه غيره يمشي خلفه.
ويحب أن يثنى عليه في المجالس.
وأن يصدر في المجالس.
فهذا داء الكبر، وفيه يهلك الخواص من الخلق، وقلما ينفك عنه الزهاد والعبّاد والعلماء والولاة فضلاً عن عوام الخلق.
ولا يتكبر إلا من استعظم نفسه، ولا يستعظمها إلا وهو يعتقد لها صفة من صفات الكمال.
وجماع ذلك يرجع إلى أمرين:
كمال ديني.
وكمال دنيوي.
فالديني هو العلم والعمل.
والدنيوي هو النسب، والمال، والجمال، والقوة، والذكاء، وكثرة الأنصار ونحو ذلك.
فالكبر استعظام النفس، ورؤية قدرها فوق قدر الغير، وهذا الشعور الباطن له موجب واحد، وهو العجب الذي يتعلق بالمتكبر، فإنه إذا أعجب بنفسه أو بعلمه أو بعمله، أو بشيء من أسبابه، استعظم نفسه وتكبر.
فالعجب يورث كبر الباطن، وكبر الباطن يثمر التكبر الظاهر في الأقوال والأعمال والأحوال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)} [غافر: ٦٠].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يُّحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ» أخرجه أحمد والترمذي (١).
ولما كان الكبر من المهلكات، ولا يخلو أحد من الخلق عن شيء منه، وإزالته واجبة، وهو لا يزول بمجرد التمني، بل بالمعالجة، واستعمال الأدوية القامعة له، وذلك يتم بأمرين:
أحدهما: استئصال أصله، وقلع شجرته من مغرسها في القلب، وذلك بأن يعرف نفسه، ويعرف ربه تعالى، ويكفيه ذلك في إزالة الكبر.
فإنه مهما عرف نفسه حق المعرفة، علم أنه أذل من كل ذليل، وأقل من كل قليل، وأنه لا يليق به إلا التواضع والذلة والمهانة.
وإذا عرف ربه علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بالله وحده لا شريك له.
ثم يتواضع لله بالفعل، ولسائر الخلق بالمواظبة على أخلاق المتواضعين.
وأما علاج التكبر بالأسباب المذكورة السابقة:
فيعلم نسبه الحقيقي، ويذكر أباه وجده، فإن أباه القريب نطفة قذرة، وجده البعيد تراب ذليل.
ومن تكبر بجماله فدواؤه أن ينظر إلى باطنه نظر العقلاء، ولا ينظر إلى الظاهر نظر البهائم، ومهما نظر في باطنه رأى من القبائح ما يكدر عليه تعززه بالجمال.
فالأقذار في جميع أجزائه:
البول في مثانته.
والرجيع في أمعائه.
والمخاط في أنفه.
والبزاق في فيه.
والدم في عروقه.
والصديد تحت بشرته.
والصنان تحت إبطه.
والوسخ في أذنيه.
ورائحة العرق تنبعث من جلده.
فهل لأحد أن يتكبر بعد هذا؟.
وأما التكبر بالقوة والأيدي، فيمنعه منه علمه بما سلط عليه من العلل والأمراض، وأنه لو اعتل عرق واحد من بدنه، لصار أعجز من كل عاجز، وأذل من كل ذليل.
ثم إنه لا يطيق شوكة، ولا يقاوم بقة، ولا يدفع عن نفسه ذبابة، فلا ينبغي أن يفتخر بقوته وهذه حاله.
ثم إن قوي الإنسان فلا يكون أقوى من حمار أو بقرة أو جمل.
وأي افتخار في صفة يسبقك فيها البهائم؟.
ويأكل بها القوي الضعيف؟.
أما الغنى وكثرة المال، وفي معناه كثرة الأتباع والأنصار، فكل ذلك تكبر خارج عن ذات الإنسان.
وهذا أقبح أنواع الكبر.
فإن المتكبر بماله كأنه متكبر بفرسه وداره، ولو مات فرسه وانهدمت داره لعاد ذليلاً.
والمتكبر بمعرفة السلطان وتمكينه له على وجل، فلو تغير عليه كان أذل الخلق.
أما الكبر بالعلم، فهو أعظم الآفات، وأغلب الأدواء، وأبعدها عن قبول العلاج إلا بجهد جهيد، وتعب شديد، لأن قدر العلم عظيم عند الله، عظيم عند الناس، وللعلم طغيان في النفوس كطغيان المال.
ولن يقدر العالم على دفع الكبر إلا أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم آكد، وأنه يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل عشره من العالم، إذ من عصى الله تعالى عن معرفة وعلم فجنايته أفحش وذنبه أعظم من الجاهل.
وأن يعرف كذلك أن الكبر لا يليق إلا بالله الملك العزيز الجبار المتكبر وحده، وأنه إذا تكبر صار ممقوتًا عند الله، لأن اللائق بالمخلوق الضعيف العاجز التذلل والخضوع لا الكبر.
وأما التكبر بالورع والعبادة فذلك فتنة عظيمة على العباد، وسبيله أن يلزم قلبه التواضع لسائر الخلق، ويعلم أن من تقدم عليه بالعلم لا ينبغي أن يتكبر عليه كيفما كان، لما عرفه من فضيلة العلم.
(١) حسن، أخرجه أحمد برقم (٦٦٧٧).
وأخرجه الترمذي برقم (٢٤٩٢)، وهذا لفظه، صحيح سنن الترمذي رقم (٢٠٢٥).
مختارات

