فوائد من ذم الهوى
A
العقل غريزة كأنها نور يقذف في القلب فيستعد لإدراك الأشياء فيعلم جواز الجائزات واستحالة المستحيلات ويتلمح عواقب الأمور وذلك النور يقل ويكثر وإذا قوى ذلك النور قمع بملاحظة العواقب عاجل الهوى
قال وهب بن منبه إني وجدت في بعض ما أنزل الله على أنبيائه أن الشيطان لم يكابد شيئا أشد عليه من مؤمن عاقل وأنه يكابد مائة جاهل فيستجرهم حتى يركب رقابهم فينقادون له حيث شاء ويكابد المؤمن العاقل فيصعب عليه حتى ما ينال منه شيئا من حاجته
قال وهب ولإزالة الجبل صخرة صخرة وحجرا حجرا أشد على الشيطان من مكابدة المؤمن العاقل فإذا لم يقدر عليه تحول إلى الجاهل فيستأسره ويستمكن من قياده حتى يسلمه إلى الفضائح التي يتعجل بها في الدنيا الجلد والحلق وتسخيم الوجه والقطع والرجم والصلب وإن الرجلين يستويان في أعمال البر ويكون بينهما كما بين المشرق والمغرب أو أبعد إذا كان أحدهما أعقل من الآخر
قال معاذ بن جبل لو أن العاقل أمسى وأصبح وله ذنوب بعدد الرمل كان وشيكا بالنجاة والسلامة والتخلص منها ولو أن الجاهل أمسى وأصبح وله من الحسنات وأعمال البر عدد الرمل لكان وشيكا ألا يسلم له منها مثقال ذرة قيل وكيف ذلك قال لأن العاقل إذا زل تدارك ذلك بالتوبة والعقل الذي قسم له والجاهل إنما هو بمنزله الذي يبني ويهدم فيأتيه من جهله ما يفسد صالح عمله
سئل ابن المبارك ما خير ما أعطى الرجل قال غريزة عقل قيل فإن لم يكن قال أدب حسن قيل فإن لم يكن قال أخ صالح يستشيره قيل فإن لم يكن قال صمت طويل قيل فإن لم يكن قال موت عاجل
عن ابن عباس أنه قال ما ذكر الله عز و جل الهوى في موضع من كتابه إلا ذمه وقال الشعبي إنما سمى هوى لأنه يهوى بصاحبه
ينبغي للعاقل أن يتمرن على دفع الهوى المأمون العواقب ليستمر بذلك على ترك ما تؤذي غايته وليعلم العاقل أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذونها وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها لأنها قد صارت عندهم كالعيش الاضطراري ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع لا يلتذ بذلك عشر التذاذ من لم يدمن غير أن العادة تقتضيه ذلك فيلقى نفسه في المهالك لنيل ما يقتضيه تعوده ولو زال رين الهوى عن بصر بصيرته لرأى أنه قد شقى من حيث قدر السعادة واغتم من حيث ظن الفرح وألم من حيث أراد اللذة فهو كالحيوان المخدوع بحب الفخ لا هو نال ما خدع به ولا أطاق التخلص مما وقع فيه
الهوى يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فكر في عاقبة ويحث على نيل الشهوات عاجلا وإن كانت سببا للألم والأذى في العاجل ومنع لذات في الآجل فأما العاقل فإنه ينهى نفسه عن لذة تعقب ألما وشهوة تورث ندما وكفى بهذا القدر مدحا للعقل وذما للهوى
من عواقب الهوى فكم قد أفات من فضيلة وكم قد أوقع في رذيلة وكم من مطعم قد أوقع في مرض وكم من زلة أوجبت انكسار جاه وقبح ذكر مع إثم غير أن صاحب الهوى لا يرى إلا الهوى فأقرب الأشياء شبها به من في المدبغة فإنه لا يجد ريحها حتى يخرج فيعلم أين كان
قل لي بالله عليك أين لذة آدم التي قضاها من همة يوسف التي ما أمضاها من كان يكون يوسف لو نال تلك اللذة فلما تركها وصبر عنها بمجاهدة ساعة صار من قد عرفت
الهوى: قال المفسرون هو نهي النفس عما حرم الله عليها قال مقاتل هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها
حدثنا مبارك بن فضالة قال حدثنا الحسن في هذه الآية أفرأيت من اتخذ إلهه هواه قال هو المنافق لا يهوى شيئا إلا ركبه
عن المعافى بن عمران عن إدريس قال سمعت وهب بن منبه يقول كان في بني إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أن مشيا على الماء فبينما هما يمشيان في البحر إذا هما برجل يمشي في الهواء فقالا له يا عبد الله بأي شيء أدركت هذه المنزلة قال بيسير من الدنيا فطمت نفسي عن الشهوات وكففت لساني عما لا يعنيني ورغبت فيما دعاني إليه ولزمت الصمت فإن أقسمت على الله أبر قسمي وإن سألته أعطاني
عن أبي الدرداء قال إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله فإن كان عمله تبعا لهواه فيومه يوم سوء وإن كان هواه تبعا لعمله فيومه يوم صالح
سمعت أعرابيا يقول إذا أشكل عليك أمران لا تدري أيهما أرشد فخالف أقربهما من هواك فإن أكثر ما يكون الخطأ مع متابعة الهوى
عن الأصمعي قال مررت بأعرابي به رمد شديد ودموعه تسيل فقلت ألا تمسح عينيك فقال زجرني الطبيب ولا خير فيمن إذا زجر لا ينزجر وإذا أمر لا يأتمر فقلت أما تشتهي شيئا فقال أشتهي ولكن أحتمي لأن أهل النار غلبت شهواتهم فلم يحتموا فهلكوا
سمعت حجاجا يقول الكفر في اربعة اشياء في الغضب والشهوة والرغبة والرهبة ثم قال حجاج رأيت منه اثنتين رجلا غضب فقتل أمه ورأيت رجلا عشق فتنصر
لقى عبد الله بن حسن امرأة جميلة في الطواف فلما نظرت إليه وإلى جماله مالت نحوه وطمعت فيه فأقبل عليها وقال أهوى هوى الدين واللذات تعجبني... فكيف لي بهوى اللذات والدين نفسي تزين لي الدنيا وزينتها... وزاجري من حذار الموت يثنيني فتركته ومضت
سمعت أبا سليمان الداراني في قول الله عز و جل وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا قال صبروا عن الشهوات
سمعت محمد بن محمد بن أبي الورد يقول إن لله عز و جل يوما لا ينجو من شره منقاد لهواه وإن أبطأ الصرعى نهضة يوم القيامة صريع شهوة
سمعت يحيى بن معاذ يقول حفت الجنة بالمكاره وأنت تكرهها وحفت النار بالشهوات وأنت تطلبها فما أنت إلا كالمريض الشديد الداء إن صبر نفسه على مضض الدواء اكتسب بالصبر عافية وإن جزعت نفسه مما يلقي طالت به علة الضنى
دخل خلف بن خليفة على سليمان بن حبيب بن المهلب بالأهواز وعند سليمان جارية له يقال لها البدر من أحسن الجواري وجها وأكمله فقال سليمان لخلف كيف ترى هذه الجارية فقال أصلح الله الأمير ما رأت عيناي جارية قط أحسن منها فقال خذ بيدها فقال خلف ما كنت لأفعل ولا أسلبها الأمير وقد عرفت عجبه بها فقال خذها ويحك على عجبي بها ليعلم هواي أني غالب
سمعت الحسن بن محمد الجريري يقول أسرع المطايا إلى الجنة الزهد في الدنيا وأسرع المطايا إلى النار حب الشهوات فمن استوى على متن شهوة من الشهوات أسرع به القود إلى ما يكره
لقى عالم من العلماء راهبا من الرهبان فقال له كيف ترى الدهر فقال يخلق الأبدان ويجدد الآمال ويبعد الأمنية ويقرب المنية قال له فأي الأصحاب أبر قال العمل الصالح قال فأي شيء أضر قال النفس والهوى
لقي رجل راهبا فقال له ما أفضل العبادة فيكم يا راهب قال ما نصبت به الأبدان واسترخت به المفاصل من المداومة قال فما أحسنها قال رقة القلوب عند التذكرة قال فما أعدلها قال الاستكانة للحق قال فما حقها قال ترك الشهوات ولزوم الخلوات
عن ابن أبي الحواري قال مررت براهب فوجدته نحيفا فقلت له أنت عليل قال نعم قلت منذ كم قال منذ عرفت نفسي قلت فتداو قال قد أعياني الدواء وقد عزمت على الكي قلت وما الكي قال مخالفة الهوى
سمعنا أعرابيا يقول ما اشد تحويل الرأي عند الهوى هو الهوان وإنما غلط باسمه فاشتق له من جنسه وإنما يعرف ما أقول من ابكته المنازل والطلول
سمعت عمر بن رفيل الشيخ الصالح يقول رأيت في جبل اللكام طائرا معلقا منكسا يصيح فدنوت منه لأخلصه فإذا تحته صخرة عظيمة مكتوب عليها نقرا داؤك هواك فإن غلبت هواك فذاك دواك
قال أحمد بن خضرويه لا نوم أثقل من الغفلة ولا رق أملك من الشهوة ولولا ثقل الغفلة لم تظفر بك الشهوة
قال أبو بكر الوراق اصل غلبة الهوى مقاربة الشهوات فإذا غلب الهوى أظلم القلب وإذا أظلم القلب ضاق الصدر وإذا ضاق الصدر ساء الخلق وإذا ساء الخلق أبغضه الخلق وإذ أبغضه الخلق أبغضهم وإذا أبغضهم جفاهم وإذا جفاهم صار شيطانا رجيما
قال أبو علي الثقفي من غلبه هواه توارى عنه عقله وقال ليس شيء أولى بأن تمسكه من نفسك ولا شيء أولى بأن تغلبه من هواك
قال علي بن سهل العقل والهوى يتنازعان فمعين العقل التوفيق وقرين الهوى الخذلان والنفس واقفة بينهما فأيهما ظفر كانت في حيزه
قال المرتعش وقيل له إن فلانا يمشي على الماء فقال إن من مكنه الله من مخالفة هواه لهو أعظم من المشي على الماء
حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال بلغني أن بعض الملوك قال لبعض الحكماء العجب لمن عرف الله وجلاله كيف يخالف أمره وينتهك حرماته فقال الحكيم بإغفال الحذر وبسط أمد الأمل وبعسى وسوف ولعل قال الملك بم يعتصم من الشهوة وقد ركبت في أبدان ضعيفة ففي كل جزء من البدن للشهوة حلول ووطن قال الحكيم إن الشهوة من نتاج الفكر وقرين كل فكرة عبرة ومع كل شهوة زاجر عنها فمن قرن شهواته بالاعتبار وحاط نفسه بالازدجار انحلت عنه ربقة العدوان ودحض سيء فكره بإيثار الصبر على شهوته لما يرجو من ثواب الله على طاعته ويخاف من عقابه على معصيته
قال بشر الحافي لحسن الفلاس من جعل شهوات الدنيا تحت قدميه فرق الشيطان من ظله ومن غلب علمه هواه فهو الصابر الغالب واعلم أن البلاء كله في هواك والشفاء كله في مخالفتك إياه
قال أبو علي الدقاق من ملك شهوته في حال شبيبته صيره الله ملكا في حال كهولته كيوسف عليه السلام إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين
عانق الفقر وعاشر الصبر وعاد الهوى وعف الشهوات واجعل بيتك أخلى من لحدك يوم تنقل إليه على هذا طاب المسير إلى الله عز و جل
قال بعض الحكماء أعدل الناس من أنصف عقله من هواه وقال آخر العاقل من كان له على جميع شهواته رقيب من عقله
اعلم وفقك الله أن النفس مجبولة على حب الهوى وقد سبق بيان أذاه فافتقرت لذلك إلى المجاهدة والمخالفة ومتى لم تزجر عن الهوى هجم عليها الفكر في طلب ما شغفت به فاستأنست بالآراء الفاسدة والأطماع الكاذبة والأماني العجيبة خصوصا إن ساعد الشباب الذي هو شعبة من الجنون وامتد ساعد القدرة إلى نيل المطلوب
قال عمر بن الخطاب حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم يوم القيامة وتزينوا للعرض الأكبر يؤمئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية
