الزهد والرقائق للخطيب البغدادي
A
" لِيَكُنْ بَيْتُكَ الْخِلْوَةَ، وَطَعَامُكَ الْجُوعَ، وحَدِيثُكَ الْمُنَاجَاةَ، فَإِمَّا أَنْ تَمُوتَ بِدَائِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَصِلَ إِلَى دَوَائِكَ "
" حَرَامٌ عَلَى قَلْبٍ أَنْ يَشُمَّ رَائِحَةَ الْيَقِينِ، وَفِيهِ سُكُونٌ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ، وَحَرَامٌ عَلَى قَلْبٍ أَنْ يَدْخُلَهُ النُّورُ، وَفِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يَكْرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ "
" مُصِيبَتَانِ لِلْعَبْدِ لَمْ يَسْمَعَ الْأَوَّلُونَ، وَالْآخِرُونَ بِمِثْلِهَا لَهُ فِي مَآلِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ قِيلَ: وَمَا هُمَا؟ قَالَ: يُؤَخَّرُ مِنْهُ كُلُّهُ، وَيُسْأَلُ عَنْهُ كَلُّهُ "
" إنْ أَرَدْتَ أنْ تَنْظُرَ إِلَى الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا، فَانْظُرْ إِلَى مَزْبَلَةٍ، فَهِيَ الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى نَفْسِكَ، فَخُذْ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ، فَإِنَّكَ مِنْهَا خُلِقْتَ، وَفِيهَا تَعُودُ، وَمِنْهَا تَخْرُجُ، وَمَتَى أَرَدْتَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَا أَنْتَ، فَانْظُرْ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْكَ فِي دُخُولِكَ الْخَلَاءَ، فَمَنْ كَانَ حَالُهُ كَذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَطَاوَلَ، أَو يَتَكَبَّرَ عَلَى مَنْ هُوَ مِثْلُهُ "
" كَمْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ مَمْقُوتٍ، وَسَاكِتٍ مَرْحُومٍ قَالَ يَحْيَى: هَذَا الْمُسْتَغْفِرُ وَقَلْبُهُ فَاجِرٌ، وَهَذَا سَاكِتٌ، وَقَلْبُهُ ذَاكِرٌ "
" حَرَامٌ عَلَى قَلْبِ مُحِبٍّ لِلدَّنْيَا أَنْ يَسْكُنَهُ الْوَرَعُ الْخَفِيُّ، وَحَرَامٌ عَلَى نَفْسٍ عَلَيْهَا رَبَّانِيَّةُ النَّاسِ أَنْ تَذُوقَ حَلَاوَةَ الْآخِرَةِ، وَحَرَامٌ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ أَنْ يتَّخِذَهُ الْمُتَّقُونَ إمَامًا "
" الْعِلْمُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَالْعَمَلُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ، وَالْإِخْلَاصُ لِلَّهِ يُورِثُ الْفَهْمَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ "
" عَلَيْكَ بمُجَالَسَةِ مَنْ يُذَكِّرُكَ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ، وَتَقَعُ هَيْبَتُهُ عَلَى بَاطِنِكَ، وَيَزِيدُ فِي عِلْمِكَ مَنْطِقَهُ، وَيُزَهِّدُكَ فِي الدُّنْيَا عَمَلُهُ، وَلَا تَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى مَا دُمْتَ فِي قُرْبِهِ، يَعِظُكَ بِلِسَانِ فِعْلِهِ، وَلَا يَعِظُكَ بِلِسَانِ قَوْلِهِ "
" بُنِيَ أَمْرُنَا هَذَا عَلَى أَرْبَعٍ: لَا نَأْكُلُ إِلَّا عَنْ فَاقَةٍ، وَلَا نَنَامُ إِلَّا عَنْ غَلَبَةٍ، وَلَا نَسْكُتُ إلا عَنْ خِيفَةٍ، وَلَا نَتَكلَّمُ إلَّا عَنْ وَجْدٍ "
" مَنْ لَمُ يَكُنْ فِي حَالِهِ قَوِيًّا، وَبِمَعْرُوفِهِ عَنِيًّا، صَارَ وَقْتُهُ فَوْتًا، وَحَيَاتُهُ مَوْتًا "
" كُلُّ أَحَدٍ يَنْتَسِبُ إِلَى نَسَبٍ إِلَّا الْفُقَرَاءَ، فَإِنَّهُمْ يَنْتَسِبُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكُلُّ حَسَبٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ إِلا حَسَبَهُمْ وَنَسَبَهُمْ، فَإِنَّ نَسَبَهُمُ الصِّدْقُ، وَحَسَبَهُمُ الْفَقْرُ "
" ابْنَ آدَمَ، حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، فَأَنْتَ تَكْرَهُهَا، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، فَأَنْتَ تَطْلُبُهَا، فَمَا أَنْتَ إلَّا كَالْمَرِيضِ الشَّدِيدِ الدَّاءِ، إِنْ صَبَرَتْ نَفْسُهُ عَلَى مَضَضِ الدَّوَاءِ اكْتَسَبَ بِالصَّبْرِ عَافِيةَ الشِّفَاءِ، وَإِنْ جَزَعَتْ نَفْسُهُ عَلَى مَا تَلْقَى مِنْ أَلَمِ الدَّوَاءِ طَالَتْ بِهِ عِلَّتُهُ "
" لَا يَغُرَّنَّكُمْ صَفَاءُ الْأَوْقَاتِ، فَإِنَّ تَحْتَهَا آفَاتٍ، وَلَا يَغُرَّنَّكُمُ الْعَطَاءُ، فَإِنَّ الْعَطَاءَ عِنْدَ أَهْلِ الصَّفَاءِ مَقْتٌ "
" الزُّهْدُ أَنْ تَزْهَدَ فِيمَا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ، وَتَرْغَبَ فِيمَا لِلَّهِ عِنْدَكَ ".
" الزُّهْدُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ، زَايٌ وَهَاءٌ وَدَالٌ، أَمَّا الزَّايُ فَتَرْكُ الزِّينَةِ، وَالْهَاءُ تَرْكُ الْهَوَى، وَالدَّالُ تَرْكُ الدُّنْيَا "
" مِفْتَاحُ الدُّنْيَا الشِّبَعُ، وَمِفْتَاحُ الْآخِرَةِ الْجُوعُ، وَأَصْلُ كُلِّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ، وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَإِنَّ الْجُوعَ عِنْدَهُ فِي خَزَائِنَ مُدَّخَرَةٍ، فَلَا يُعْطِي إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ خَاصَّةً، وَلِأَنْ أَدَعَ مِنْ عَشَائِي لُقْمَةً أَحَبَّ إليَّ مِنْ أَنْ آكُلَهَا، وَأَقُومَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيلِ إِلَى آخِرِهِ "
أجْعَلِ الْقُنُوعَ ذُخْرًا تَبْلُغُ بِهِ إِلَى أَنْ يُفْتَحَ لَكَ بَابًا، يَحْسُنُ بِكَ الدَّخُولُ فِيهِ، فَإِنَّ الثِّقَةَ مِنَ الْقَانِعِ لَا تُخْذَلُ، وَعَوْنُ اللَّهِ مع ذي الأناة، وما أقرب الضيع من الملهوف، وربما كان الفقر نوعا من آداب الله، وخيره في العواقب، والحظوظ مراتب، ولا تعجل على ثمرة لم تدرك، فإنك تدركها في أوانها عذبة، والمدبر لك أعلم بالوقت الذي يصلح فيه لما تؤكل، فثق بخيرته لك في أمورك كلها
" الدَّرَجَاتُ الَّتِي عَمِلَ لَهَا أَبْنَاءُ الْآخِرَةِ سَبْعُ دَرَجَاتٍ: أَوَّلُهَا التَّوْبَةُ، ثُمَّ الْخَوْفُ، ثُمَّ الزُّهْدُ، ثُمَّ الشَّوْقُ، ثُمَّ الرِّضَا، ثُمَّ الْحُبُّ، ثُمَّ الْمَعْرِفَةُ، ثُمَّ قَالَ: بِالتَّوْبَةِ تَطَهَّرُوا مِنَ الذُّنُوبِ، وَبِالْخَوْفِ جَازُوا قَنَاطِرَ النَّارِ، وَبِالزُّهْدِ تَخَفَّفُوا مِنَ الدُّنْيَا وَتَرَكُوهَا، وَبِالشَّوْقِ اسْتَوْجَبُوا الْمَزِيدَ، وَبِالرِّضَا اسْتَعْجَلُوا الرَّاحَةَ، وَبِالْحُبِّ عَقَلُوا النَّعِيمَ، وَبِالْمَعْرِفَةِ وَصَلُوا إِلَى الْأَمَلِ "
" يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَنْظُرَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى وَجْهِهِ فِي الْمِرْآةِ، فَإِنْ كَانَ حَسَنًا لَمْ يَشُنْهُ فِعْلُ قَبِيحٍ، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ قُبْحَيْنِ "
" مِنْ عَلَامَةِ الْمُحِبِّ لِلَّهِ تَرْكُهُ كُلَّ مَا يَشْغَلُهُ عَنَ اللَّهِ، حَتَّى يَكُونَ الشَّغْلُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ "
" إِنَّ مِنْ عَلَامَةَ الْمُحِبِّينَ لِلَّهِ أَنْ لَا يَأْنَسُوا بِسِوَاهُ، وَلَا يَسْتَوْحِشُوا مَعَهُ "
" إِذَا سَكَنَ حُبُّ اللَّهِ الْقَلْبَ آنِسَ بِاللَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ فِي صُدُورِ الْعَارِفِينَ أَنْ يُحِبُّوا سِوَاهُ "
سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: كُنْتُ نَائَمًا عِنْدَ سَرِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَأَنْبَهَنِي، فَقَالَ لِي: " يَا جُنَيْدُ، رَأَيْتُ كَأَنِّي قَدْ وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ لِي: يَا سَرِيُّ، خَلَقْتُ الْخَلْقَ، فَكُلُّهُمُ ادَّعُوا مَحَبَّتِي، وَخَلَقْتُ الدُّنْيَا، فَهَرَبَ مِنِّي تِسْعَةُ أَعْشَارِهِمْ، وَبَقِيَ مَعِي الْعَشَرَةُ، فَخَلَقْتُ الْجَنَّةَ فَهَرَبَ مِنِّي تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْعُشْرِ وَبَقِيَ مَعِي عُشْرُ الْعُشْرِ، فَسَلَّطْتُ عَلْيِهِمْ ذَرَّةً مِنَ الْبَلَاءِ، فَهَرَبَ مِنِّي تِسْعَةُ أَعْشَارِ عُشْرِ الْعُشْرِ، فَقُلُتُ لِلْبَاقِينَ مَعِي: لَا لِلدُّنْيَا أَرَدْتُمْ، وَلَا الْجَنَّةَ أَخَذْتُمُ، وَلَا مِنَ النَّارِ هَرَبْتُمْ، فَمَاذَا تُرِيدُونَ؟ فَقَالُوا: أَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا نُرِيدُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: فَإِنِّي مُسَلِّطٌ عَلَيْكُمْ مِنَ الْبَلَاءِ بِعَدَدِ أَنْفَاسِكُمْ، مَا لَا تَقُومُ لَهُ الْجِبَالُ الرَّوَاسِي أَتَصْبِرُونَ؟ قَالُوا: إِذَا كُنْتَ أَنْتَ الْمُبْتَلِي لَنَا فَافْعَلْ مَا شِئْتَ فَهُؤُلَاءِ عِبَادِي حَقًّا "
" أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ: إِذَا أُوتِيتَ رِزْقًا مِنِّي، فَلَا تَنْظُرْ إِلَى قِلَّتِهِ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى مَنْ أَهْدَاهُ إِلَيْكَ، وَإِذَا نَزَلَتْ بِكَ بَلِيَّةٌ، فَلَا تَشْكُنِي إِلَى خَلْقِي، كَمَا لَا أَشْكُوكَ إِلَى مَلَائِكَتِي حِينَ صُعُودِ مَسَاوِئِكَ، وَفَضَائِحِكَ إِلَيَّ "
" كَانوا لا يَأْكُلُونَ تَلَذُّذًا، وُلا يَلْبَسُونَ تَنَعُّمًا، وَهَذَا طَرِيقُ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءِ الصَّالِحِينَ، وَمَنْ بَعْدِهِمْ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي غَيْرِ هَذَا فَهُوَ مَغْبُونٌ "
" لَوْ عَرَفَ الْفَقَيِرُ فَضْلَ الْفَقْرِ، لَطَالَ عَلَى الْمُلُوكِ لِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا بِهِ "
" النَّاسُ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ: رَجُلٌ شَغَلَةُ مَعَادُهُ عَنْ مَعَاشِهِ، وَرَجُلٌ شَغَلَهُ مَعَاشُهُ عَنْ مَعَادِهِ، وَرَجُلٌ مَشْغُولٌ بِهِمَا جَمِيعًا، فَالأُولَى دَرَجَةُ الْفَائِزِينَ، وَالثَّانِيَةُ دَرَجَةُ الْهَالِكِينَ، وَالثَالِثَةُ دَرَجَةُ الْمُخَاطِرِينَ "
" مَنْ ظَنَّ حُرِمَ الْيَقِينَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهُ حُرِمَ الصِّدْقَ، وَمَنْ شَغَلَ جَوَارِحَهُ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ حُرِمَ الْوَرَعَ، وَإِذَا لَزِمَ الْعَبْدُ هَذِهِ الْخِصَالَ الثَّلَاثَ فَهُوَ الْهَلَاكُ، وَهُوَ مُثَبَّتٌ فِي دِيوَانِ الْأَعْدَاءِ "
" ليَكُنْ حَظُّ الْمُؤمِنِ مِنْكَ ثَلَاثةٌ: إِنْ لَمْ تَنْفَعْهُ فَلَا تَضُرَّهُ، وَإِنْ لَمْ تُفْرِحْهُ فَلَا تَغُمَّهُ، وَإِنْ لَمْ تَمْدَحْهُ فَلَا تَذُمَّهُ "
" لَا تَكُونُ مِنَ الصَّادِقِينَ، أَنْ تَصْدُقَ مَكَانًا لَا يُنْجِيكَ إِلَّا الْكَذِبُ فِيهِ "
" مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ أَضَرَّ بِالدُّنْيَا، وَمَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا أَضَرَّ بِالْآخِرَةِ، أَلَا فَأَضِرُّوا بِالدُّنْيَا، فَإِنَّهَا دَارُ فَنَاءٍ، وَاعْمَلُوا لِدَارِ الْبَقَاءِ "
" قُلُوبُ الْأَبْرَارِ مُعَلَّقَةٌ بِالْخَوَاتِيمِ، وَقُلُوبُ الْمُقَرَّبِينَ مُعَلَّقةٌ بِالسَّوَابِقِ "
" مَنْ قَضَى مِنَ الْأَيَّامِ شَهْوَتَهُ، وَبَاعَ طَاعَةَ اللَّهِ بِمَعْصِيَتِهِ، فَارْضَ نِقْمَةَ اللَّهِ بَلَاغًا فِي عُقُوبَتِهِ "
كان ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ، يَقُولُ: " مَرَرْتُ بِبَعْضِ الْأَطِبَّاءِ وَإِذَا حَوْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ النِّسَاءِ، وَالرِّجَالِ بِأَيْدِيهُمْ قَوَارِيرُ الْمَاءِ، وَإِذَا هُوَ يَصِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا يُوَافِقُهُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: صِفْ لِي دَوَاءَ الذُّنُوبِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَكَانَ الطَّبِيبُ حَكِيمًا ذَا عَقْلٍ، فَأَطْرَقَ سَاعَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: يَا فَتَى، إِنْ وصَفْتُ لَكَ تَفْهَمْ؟ قُلْتُ: نَعَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ الطَّبِيبُ: يَا فَتَى، خُذْ عُرُوقَ الْفَقْرِ مَعَ وَرَقِ الصَّبْرِ، مَعَ تَعْلِيلَجِ التَّوَاضُعِ، مَعَ بَلَيْجِ الْخُشُوعِ، ثُمَّ أَلْقِهِ فِي طِنْجِيرِ التُّقَى، ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ مَاءَ الْخَوْفِ، ثُمَّ أَوْقِدْ تَحْتَهُ نَارَ الْمَحَبَّةِ، ثُمَّ حَرِّكْهُ بِانْتِظَامِ الْعِصْمَةِ، حَتَّى يَرْغَى زَبَدُ الْحِكْمَةِ، وَإِذَا أَرْغَى زَبَدُ الْحِكْمَةِ صُفَّةُ بِمِنْخَلِ الذِّكْرِ، ثُمَّ صُبَّهُ فِي جَامِ الرِّضَا، ثُمَّ رَوِّحْهُ بِمِرْوَحَةِ الْحَمْدِ حَتَّى يَبْرُدَ، فَإِذَا بَرَدَ صُبَّهُ فِي قَدَحِ الْمُنَاجَاةِ، ثُمَّ امْزِجْهُ بِالتَّوَكُّلِ، ثُمَّ ذُقْهُ بِمِلْعَقَةِ الاسْتِغْفَارِ، ثُمَّ اشْرَبْهُ وَتَمَضْمَضْ بَعْدَهُ بِالْوَرَعِ، فَإِنَّكَ لَا تَعُودُ إِلَى مَعْصِيةِ اللَّهِ أَبَدًا "
" لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ أَغْلَظُ مِنَ الدَّعْوَى وَلَا طَرِيقٌ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الافْتِقَارِ "
" يَنْبَغِي لَنَا أَنْ لَا نُحِبَّ هَذِهِ الدَّارُ، لِأَنَّهَا دَارٌ يُعْصَى اللَّهُ فِيهَا، وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَّا إِلَّا أَنَّا أَحْبَبْنَا شَيْئًا أَبْغَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَكَفَانَا "
" مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا مَلَكَهَا، وَمَنْ رَغِبَ فِيهَا عَبَدَهَا، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَعِشْ فِيهَا مَلِكًا، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَعِشْ فِيهَا عَبْدًا "
