فوائد من اللطائف
A
إياك والذنوب فإنها أذلت أباك بعد عز (اِسجدوا) وأخرجته من أقطار (اسكُن) مذ سبى الهوى آدم هوى
شَكونا إِلى أَحبابِنا طَولَ لَيلَنا فَقالوا لَنا ما أَقصَرَ اللَيلَ عِندَنا رياح الأسحار أقوات الأرواح رقت فراقت فبردت حر الوجد وبلغت رسائل الحب.
يا مؤخر توبته بمطل التسويف (لأَي يَومٍ اُجِلَت) كنت تقول: إذا شبت تبت. فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت لو كان لسيف عن عزيمتك جوهرية لقيك موت الهوى تحت ظبته. كل يوم تضع قاعدة الإنابة ولكن على شفا جرف كلما صدقت لك في التوبة رغبة حملت عليها جنود الهوى حملة فانهزمت إذبح حنجرة بالهوى بسكين العزيمة فما دام الهوى حيا فلا تأمن من قلب قلبك.
اكتب بمداد الدمع حسن الظن إلى من يحققه ولا تقنع في توبتك إلا بمكابدة حزن " يعقوب " أو بصبر " يوسف " عن الهوى فإن لم تطق فبذل إخوته يوم (وَتَصَدق عَلَينا).
قتل رجل قبلكم مائة نفس ثم خرج تائبا فأدركه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فبعث الله ملكا يحكم بينهم فقال: قيسوا ما بين القريتين وأوحى إلى هذه أن تباعدي وعلى هذه أن تقربي فوجد أقرب إلى قرية الخير بشبر فغفر له. والحاكم والخصوم لا يعرفون سر (كَذِلِكَ كِدنا لِيوسُفَ). إذ صدق التائب أجبناه وأحييناه (وَجَعَلنا لَهُ نوراً يَمشي بِهِ في الناس) يا معاشر التائبين (أَوفوا بِالعُقُود) انظروا لمن عاهدتم (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) فإن زللتم من بعد التقويم فارجعوا إلى دار المداراة (فإنّ الله لا يمل حتى تملوا).
عودوا إلى الوَصلِ عودوا فالهَجرُ صَعبٌ شَديدُ تَذكّرونا فَما عَهدي لَديكُم بَعيدُ كُنا وَكُنتُم قَريباً فَأَينَ تِلكَ العُهودُ هَل يَرجَعُ البانُ يَوماً أَم هَل تَعودُ زَرودُ مجاهدة النفس يا مقهورا بغلبة النفس صل عليها بسوط العزيمة فإنها إن عرفت جدك اِستأسرت لك وامنعها ملذوذ مباحها ليقع الإصطلاح على ترك الحرام فإذا صبرت على ترك المباح (فَإِما مناً بَعدُ وَإِما فِداء) الدنيا والشيطان خارجان عنك والنفس عدو مباطن ومن أدب الجهاد (قاتِلوا الَّذَينَ يَلونَكُم) إِن مالَت إٍلى الشَهوات فاكبِحها بِلِجامِ التَقوى وإِن أعرضت عن الطاعات فسقها بسوط المجاهدة وإن استحلت شراب التواني واستحسنت ثوب البطالة فصح عليها بصوت العزم
فإن رمقت نفسها بعين العجب فذكرها خساسة الأصل فإنك والله ما لم تجد مرارة الدواء في حلقك لم تقدر على ذرة من العافية في بدنك وقد إجتمعت عندك جنود الهوى في بيت النفس فأحكمت حصن البطالة. فيا حزب التقى جردوا سيوف العزائم وادخلوا عليهم الباب. النفس مثل كلب السوء متى شبع نام وإن جاع بصبص.
لما قويت مجاهدة نبينا صلى الله عليه وسلم تعدت إلى كل من تعدى فأسلم شيطانه اللهم دلنا على قهر نفوسها التي هي أقرب أعدائنا إلينا وأكثرهم نكاية فينا يا هذا: بدل اهتمامك بك واسرق منك لك فالعمر قليل تظلم إلى ربك منك واستنصر خالقك عليك يأمرك بالجد وأنت على الضدّ.
خوف السابقة وحذر الخاتمة قلقل قلوب العارفين وزادهم إزعاجا (يَحولُ بَينَ المَرءِ وَقَلبِهِ) ليس لهم في الدنيا راحة كلما دخلوا سكة من سك السكون أخرجهم الجزع إلى شارع من شوارع الخوف.
إخواني: إذا سبقت سابقة السعادة لشخص دلته على الدليل قبل الطلب (وَلَقَد اِختَرناهُم عَلى عِلمٍ عَلى العالمين).
أنت في الشر أجرى من جواد وفي الخير أبطأ من أعرج معاصيك أشهر من الشمس وتوبتك أخفى من السها الزكاة عندك أثقل من " أحد " والصلاة عليك كثقل صخر على صدر طريق المسجد في حسبان كسلك كفرسخي " دير كعب " صدرك عند حديث الدنيا أوسع من البحر ووقت العبادة أضيق من عقد التسعين.
يا من هو عن نجاته أنوم من فهد ضيعت وقتا أنفس من الدر وإن عرضت خطيئة وثبت وثوب النمر فإذا لاحت طاعة رغت روغان الثعلب فإذا عاملت الناس استعملت غدر الذئب تقدم على الظلم إقدام الأسد وتختطف الأمانة اختطاف الحدأة.
العقل رفيق القلب والطبع قرين النفس فلا تقارب بين النفس والقلب فرب جار جار سرادق القلب على أطناب العقل وخيمة النفس على أوتار الهوى اكسر حدة خمر الطبع بمزاج ماء الرياضة اشددن أزر العقل بجبال التقى ماء طبعك أجاج وماء شرعك عذب وقد مزج الإبتلاء بينهما نور العقل يضيء في ليل الطبع فتتبين جادة الصواب للسالك وزناد الفكر حين يوري يرى عواقب الأهوال.
" يوسف " العقل ينظر إلى العواقب و " زليخا " الهوى تتلمح العاجيل والعزائم منازل الأبطال والصبر دأب الرجال وإنما رد " يوسف عقله وحمل " زليخا " طبعها ولا أقول لك: اقلع شجر الطبع من أرض الوضع كيف يمكن وقد قال (زُينَ لِلِناسِ حُبُّ الشَهوات) وإنما أقول لك: دم على المجاهدة في الجسم وكلما نبعت عروق الهوى فاقطع
الأولياء تحت ستر الخمول ما يعلمهم إلا قليل فإن عرفتهم بسيماهم فتلمح نقاء الأسرار لا دنس الثياب (وَلا تَعدُ عَيناكَ عَنهُم). كان في " أيوب السختياني " بعض الطول لستر الحال وكان إذا تحث فرق قلبه وجاء الدمع قال: ما أشد الزكام!.
واعجبا من أهل الرياء! على من يبهرجون (وَرَبُكَ يَعلَمُ ما تَكِنُ صُدورُهُم) غلب على المخلصين الخشوع فجاء المرائي يبهرج فقيل: مهلا فالناقد بصير لما أخذ دود القز ينسج جاء العنكبوت يتشبه فنادى لسان الحال الفاروق: إِذا اِشتَبهت دُموعُ في خُدودٍ تَبينَّ مَن بَكى مِمَّن تَباكى).
يا قوم من غيرتنا عليكم حرمنا عليكم الفواحش. كم ندعوك وتأبى إلا الهجر فلا العهد رعيت ولا للتقويم استويت. يا مَن يَعزُّ عَلَينا أَن نُفارِقَهُم وَجِدانُنا كُلَّ شَيءٍ بَعدَكُم عَدَمُ وَبَينَنا لَو رُعيتُم ذاك مَعرِفةٌ إنّ المَعارِفَ في أَهلِ الهَوى ذِمَمُ
فقرك من الخير مشوب بالكسل ومتى كان الفقير كسلان فلا وجه للغنى لو كانت لك أنفة من التواني لخرجت من ربقة الذل بعت قيام الليل بفضل لقمة شربت كأس النعاس ففاتتك رفقة (تَتَجافَى جُنُوبُهُم) امتلأت طعاما فإذا غريم الفراش يتقاضاك بدين النوم فضرب على أذنك لا في موافقة أهل الكهف تناولت خمر الرقاد فوقع بك صاحب الشرطة فعمل في حقك بمقتضى أنم وأرقم فجعل حدك الحبس عن قيام الليل فخرج على توقيع قصتك وقت الفجر (رَضوا بِأَن يَكونُوا مَعَ الخوالِف).
والله لو بعت لحظة من خلوة بنا بتعمير " نوح " في ملك " قارون " لغبنت لا بل بما في الجنان كلها ما ربحت ومن ذاق عرف
الآدمي عقل وهوى غير أن بين الهوى والهدى برزخ من التوفيق لولا لطائف الإعانة قلع سكر التماسك ولم تطق البشرية المدافعة لولا لاحقة (لَنَهدِيَنّهُم) لسابقة (سَبَقَت لَهُم).
ويحك! شهوات الدنيا أحلام يزخر منها نوم الغفلة ونظر الجاهل لا يتعدى سور الهوى ولا يخرق حجاب الغفلة فأما ذو الفهم فيرى ما وراء الستر لاحت الشهوات لأعين الطباع فغمض عنها (الَّذَينَ يُؤمِنونَ بالغَيب) فوقع أكثر الخلق في التيه والقوم (عَلى هُدى مِن رَبِهِم).
إن في الماضي للمقيم عبرة وليس المرء من غده على ثقة ولا العمر إذا مر يعود وغواري الليالي في ضمان الإرتجاع والدهر يسير بالمقيم فاشتر نفسك والسوق قائمة والثمن موجود ولا تسمعن حديث التسويف.
لما عرف الصالحون قدر الحياة أماتوا فيها الهوى فعاشوا انتهبوا بأكف الجد ما قد نثرته أيدي البطالين ثم تخيلوا القيامة فاحتقروا الأعمال فماتت قلوبهم بالمخافة فاشتاقت إليهم الجوامد فالجذع يحن إلى الرسول والجنة تشتاق إلى " علي " .
تلمح القوم الوجود ففهموا المقصود فجمعوا الرحل قبل الرحيل وشمروا في سواء السبيل فالناس يخوضون في وحل الإكتساب وهم في ظل القناعة ومرض الهوى يستغيثون في مارستان البلاء وهم في قصور السلامة وكسالى البطالة على فراش التواني وهم في حلبات السباق (يَرجونَ تِجارَةً لَن تَبور)
غناهم في قلوبهم (سيماهُم في وُجوهِهِم) ما ضرهم ما عزهم أعقبهم ما سرهم هان عليهم طول الطريق لعلمهم بشرف المقصد وحلت لهم مرارات البلاء لتعجيل السلامة فيابشراهم يوم (هَذا يُومُكُم).
يا مقيما على الهوى وليس بمقيم يا مبذرا في بضاعة العمر متى يؤنس منك رشد يا أكمه البصيرة ولا حيلة فيه " لعيسى " أي طويل الرقاد ولا نومة أهل الكهف: قدر أن الموت لا يتفق بغتة أليس المرض يبغت.
لابس الثوب الأسود لا يجزع من وقوع الحبر عليه يا جرحى الذنوب قد عرفتهم المراهم إن لم تقدروا على أجرة نائحة فنسكوا رؤوس الندم فما يخفى صاحب المصيبة فإن فاتكم عز خذوا دليل العزم إن لم تعرفوا سبيل الوصول فلعل حيرة الطالب توقعه على ماء " مدين " سيروا في بوادي الدجى وأنيخوا بوادي الذل في كسر الإنكسار وأصيخوا بأسماع اليقظة لعل حداء الواصلين تحرك أطراب القلوب
الجنة ترضي منك بالزهد والنار تندفع عنك بترك الدنيا والمحبة لا تقنع إلا بالروح إن سلطان المحبة لا يقبل الرشا.
استقرت جبال المحبة في أرض القلوب فلم تزعزعها عواصف البلاء. أمر " الحجاج " بصلب " ماهان " العابد فوق خشبة فصلب وهو يسبح ويعقد بيده حتى بلغ تسعا وعشرين فبقي شهرا ويده على ذلك العقد.
فيامن قد ألقاه الهوى في جب حب الدنيا سيارة القدر تبعث كل ليلة وارد: (هَل مِن سائِل " فكن متيقظا للوارد إذا أدلى دلو التخليص وقم على قدم (تَتَجافَى) وامدد أنامل (يَدعونَ رَبَهُم) وألق ما في يمينك لتتعجل الخروج ولا تتشبث بأرجاء بئر الهوى فإنها رمل تنهار عليك فإذا تخلصت بعزائمب الإنابة فاحذر من الطريق المسبعة وسر في مصباح اليقين خلف دليل الهوى: فعند الصباح يحمد القوم السرى.
صاح بالصحابة واعظ (اِقتَرَبَ لِلناسِ حِسابُهُم) فجزعت للخوف قلوب فجرت للحزن عيون (فَسالَت أَودِيَةُ بِقَدَرِها).
لطف الحق بعبده قديم لما أظهر الولد أجرى له عين اللبن تغربل قطرها عيون الثدي وبذر في قلب الوالدين حب الحب حتى جدا في اللطف جدا فلما عرف المنعم أنفق النعم في المعاصي.
وحل التكليف يحتاج إلى قوة التحرز فانظر بين يديك (فَإِن زَلَلتُم مِن بَعدِ ما جاءَتكُم البَينات) فعيون العيون تغسل أدران القلوب. كان أول أمرك سليما يوم (وَأَشهَدَهُم عَلى أَنفُسِهِم) فأصلح آخر أمرك تسامح في الوسط.
واعجبا يتحبب إليك وهو عنك غني وتتمقت إليه فقير إن تأخرت قربك وإن توانيت عاتبك ما آثر عليك من المخلوقات شيئا وأنت تؤثر عليه كل شيء فنكس رأس الندم قبل العتاب فمالك عن هذا جواب
