كتاب التلخيص لوجوه التخليص لأبي محمد ابن حزم رحمه الله
A
فوالله أيها الأحبة إن أحدنا ليشتد روعه، ويخفق قلبه من وعيد آدمي ضعيف مثله لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فكيف بذلك اليوم المذكور، وبعذاب أهونه الوقوف في حال دنو الشمس من الرءوس، وبلوغ العرق إلى أكثر مساحة الأجسام، في يوم طوله خمسون ألف عام، ثم بعد ذلك يرى مصيره إما إلى جنةٍ أو إلى نار، فأين المفر إلا إلى الله وحده لا شريك.
من استوت حسناته وسيئاته وفضُلَت -أي: زادت- له حسنة واحدة لم يرَ نارًا، فيا لها من سرور ما أجلَّه.
وصح عن النبي ﷺ شيءٌ وجبَ إتحافكم به، فهو من أفضل الهدايا، وذلك قوله ﷺ: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة ؛ فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى»
ودَعُوا أقوال البطَّالين، الكذَّابين، المفسدين في الأرض، القائلين: إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة البطالين! كذبوا وأفكوا، بل هم البطالون المبطلون حقًا، العائجون عن سبيل ربهم، وعن صراط نبيهم المستقيم، بل الاستغفار تركه علامة الفاسقين المُصرِّين المستخفين، نعوذ بالله من مثل سيرتهم.
أكثروا من الصلاة على النبي ﷺ متى ذكرتم، قال ﷺ: «من صلى علي صلاة واحدة صلَّى الله عليه عشرًا» أفيزهد أحدكم أن يصلي الله عليه؟! لا يزهد في هذا إلا محروم.
أكثروا من قول: «لا إله إلا الله» فإنها ألفاظ تتم بحركة اللسان دون حركة الشفتين، فلا يشعر بذلك الجليس.
صح عن النبي ﷺ أن صلاة الصبح في الجماعة تعدل قيام ليلة، وصلاة العشاء تعدل قيام نصف ليلة، فأيكم أيها الإخوة يطيق القيام ما بين طرفي ليلة لا ينام فيها، أو نصف ليلة كذلك؟! فقد حصل له هذا الأجر تامًّا بأهون سعي وأيسر شيء.
واعلموا رحمنا الله وإياكم لو أن امرءًا وافى عرصة القيامة بملء الأرض صغائر، إلا أنه لم يأت كبيرة، أو أتاها ثم تاب منها، لمَا طالبه الله بشيء منها، قال تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلًا كريمًا}
من عمل الكبائر ما شاء الله، ثم مات مُصرًّا عليها ثم استوت حسناته وسيئاته لم يفضل له سيئة؛ مغفور له، غير مؤاخذ بشيء مما فعل، قال الله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات}
العالِم الذي يُعلِّم الناس دينهم، شريكٌ لهم في الأجر إلى يوم القيامة على آباد الدهور، فيا لها منزلة ما أرفعها، أن يكون المرء أشلاء متمزعة في قبره، أو مشتغلًا في أمور دنياه، وصحف حسناته متزايدة، وأعمال الخير مهداة إليه من حيث لا يحتسب.
فبشِّروا من سنَّ المكوس ووجوه الظلم بأخزى الجزاء وأعظم البوار في الآخرة، إذ سيئاتهم تتزايد على مرور الأيام والليالي، والبلايا تترادف عليهم وهم في قبورهم، لقد كان أحظى لهم أن لم يكونوا خُلِقوا من الإنس.
واعلموا أنه لولا العلماء الذين ينقلون العلم، ويعلمونه الناس جيلًا بعد جيل، لهلك الإسلام جملة، فتدبروا هذا، وقفوا عنده وتفكروا فيه، ولذلك سُمُّوا «ورثة الانبياء»
اعلموا أيها الإخوة الأصفياء: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا السبب في بلوغ الإسلام إلينا، وفي تعلمنا العلم، وفي الحكم بالعدل فيما ولوا، وفي فتوح البلاد شرقًا وغربًا، فهُم شركاؤنا وشركاء من يأتي بعدنا إلى يوم القيامة، وفي كل خير يعمل به مما كانوا السبب في تعليمه أو بسطه أو فتحه من الأرض.
فاعتمدوا على نصِّ ما نصَّ لكم نبيكم عليه السلام، ودعوا كلام الفساق من أهل الجهل الذين يفسدون في الأرض أكثر مما يصلحون.
فوالله إن أحدنا ليستشنع موقف جنايته أو موقف قصاصه بين يدي مخلوق ضعيف، فكيف بين يدي الخالق الذي ليس كمثله شيء، والذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء فكيف بنار أشد من نارنا بسبعين ضعفاً فتأملوا ذلك عافانا الله وإياكم منها في فعل الصواعق في صم الهضاب وشم الجبال، فإنها تبلغ في التأثير فيها في ساعة ما لا تبلغه نارنا لو وقدناها هنالك عاماً مجرمًا، فكيف بجلود ضعيفة ونفوس ألِمَة.
وأنا أكره لكل أحد أن يزيد على عدد ما كان يتنفَّل به نبيه محمد ﷺ لوجهين: أحدهما قول الله عز وجل: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} والثاني: أن يخطر الشيطان في قلبه فيوسوس أنه قد فعل من الخير أكثر مما كان يفعله محمد ﷺ، فيهلك في الأبد ويحبط عمله، ويجد صلاته وصيامه في ميزان سيئاته، فيا لها مصيبة ما أعظمها، أن يحصل في جملة من قال الله تعالى: {وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة * تصلى نارًا حامية}
فمن ابتلي بالتقصير، فليتدارك نفسه بالتوبة، والندم، والاستغفار فيما سلف، فإنه يجد ربه قريبًا إذا راجعه، قابلًا له إذا فزع إليه، غافرًا لما سلف من ذنوبه، كما قال تعالى: {غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب}
- واعلموا رحمكم الله أني أقول إعلانًا لا أسره أن تقليد الآراء لم يكن قط في قرن الصحابة رضي الله عنهم، ولا في قرن التابعين ولا في قرن تابع التابعين، وهذه هي القرون التي أثنى النبي ﷺ عليها، وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسان النبي ﷺ، وأنه لا سبيل إلى وجود رجل في القرون الثلاثة المتقدمة قلَّد صاحبًا أو تابعًا أو إمامًا أخذ عنه في جميع قوله فأخذه كما هو وتدين به وأفتى به الناس!
فالله الله في أنفسكم، لا تفارقوا ما مضى عليه جميع الصحابة أولهم عن آخرهم وتابعهم عن متبوعهم، وتابع التابعين أولهم عن آخرهم، دون خلاف من واحد منهم، من تَرْكِ التقليد واتِّباع أحكام القرآن وحديث النبي عليه السلام وروايته والعمل به.
فمن جمع إلى هذا - أي قراءة كتب الرأي متدينًا بها دون عرضها على الكتاب والسنة - استحلال مخالفة ما روي عن النبي ﷺ مما يعتقد صحته عنه عليه السلام لقول أحد دونه، واعتقد أن هذا جائز فهو كافر مشرك مرتد عن الديانة، منسلخ عن الإسلام، حلال الدم والمال. وروينا عن النبي أنه قال: «كل أحد يدخل الجنة إلا من أبى. قيل: يا رسول الله ومن يأبى قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى»
قال ابن حزم: بلغني عن مالك رحمه الله أنه سأله سائلٌ فقال: يا أبا عبدالله! ما تقول في رجل قيل له: قال النبي ﷺ كذا، فقال هو: قال إبراهيم النخعي كذا؟ فقال مالك: أرى أن يستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل.
ذكر محمد بن نصر عن إسحاق بن راهويه؛ أنه قال: من ردَّ حديثًا مسندًا صحيحًا بلغه عن رسول الله ﷺ فهو كافر مشرك!
ووالله لأن يلقى العبد ربه بكل بائقة دون الشرك، أخف وزرًا من أن يلقاه وقد تدين لغيره، وصلى وصام لسواه -أي:مرائيًا-.
اعلموا رحمكم الله: أن من تعمَّد اللهو واللعب حتى مضى وقت صلاة مفروضة ولم يصلِّها؛ أخف ذنبًا عند الله ممن صلاها لأجل الناس، ولولاهم ما صلَّاها.
قال ابن حزم متحدثًا عن الرياء: فالجِد الجِد! فإن لإبليس اللعين هاهنا مسلكًا خفيًا، ومدبًّا لطيفًا، ومولجًا دقيقًا، يُحبِط به الأعمال، ويُهلِك به الرجال، أجارنا الله وإياكم من كيده وبغيه، ولا وكلنا إلى أنفسنا طرفة عين فنهلك.
ولا يغرنكم ما يقول كاذبٌ على العلماء: «طلبنا العلم لغير الله فما زال بنا حتَّى ردنا إلى الله» فلعمري! إن جديرًا أن لا يبارك تعالى في كل شيء ابتدأ لغير وجهه عز وجل، وحسبنا الله ونعم الوكيل!
واعلموا رحمكم الله أنه لا عذاب أشد من الفتنة في الدين، قال الله تعالى: {والفتنة أشد من القتل}
فأما الغرض الذي لا يسع أحدًا فيه تقية، فأن لا يعين ظالمًا بيده ولا بلسانه، ولا أن يزين له فعله، ويصوّب شره.
سئل ابن حزم عن السبيل للسلامة في المطعم والملبس والمكسب. فأجاب: هيهات أيها الإخوة! إن هذا لمن أصعب ما بحثتم عنه، وأوجعه للقلوب، وآلمه للنفوس
فإذا فاتنا الخَلاصُ فلا يفوتنا الاعتراف والندم والاستغفار، ولا نجمع بين ذنبين: ذنب المعصية، وذنب استحلالها، فيجمع الله علينا خزيين وضِعفين من العذاب، ونعوذ بالله من ذلك ولنكن كما قال تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}
فإذا فاتنا الخَلاصُ فلا يفوتنا الاعتراف والندم والاستغفار، ولا نجمع بين ذنبين: ذنب المعصية، وذنب استحلالها، فيجمع الله علينا خزيين وضِعفين من العذاب، ونعوذ بالله من ذلك ولنكن كما قال تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}
قال ابن حزم عن السلاطين الظلمة: والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية لأمورهم لبادروا إليها، لعن الله جميعهم، وسلَّط عليهم سيفًا من سيوفه.
كذبُ الكاذِب بعد العصر أعظم منه إثمًا في سائر الأوقات، قال ﷺ: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم» وذكر منهم: «رجل ساوم رجلًا بسلعة بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطى به كذا وكذا، فأخذها»
قال ابن حزم: لأن أقطع الطريق، وأقتل النفس التي حرم الله بغير حق، وأنا أعلم ذلك حرام، أحب إلي من أن أستحلَّ الاحتجاج بحديث عن النبي ﷺ لا أعتقده صحيحًا، أو أن أرد حديثًا صحيحًا عنه ﷺ ولم يصح نسخه بنص آخر!
قال ابن حزم بعدما أوصى طلابه: ولعمري! إني لأفقر منكم إلى قبول ما أوصيتكم به، وأحوج إلى استعماله، فإني والله أعلم من عيوب نفسي أكثر مما أعلم من عيوب الناس ونقصهم.
فمن رام أن يصد عن هذه السبيل بالاعتراض الذي قدمنا -أنه لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر عاصٍ - فهو فاسق صاد عن سبيل الله، داعية من دواعي النار، ناطق بلسان الشيطان، عون لإبليس على ما يحب، إذ لا ينهى عن باطل ولا يأمر بالمعروف ولا يعمل خيراً.
لو لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا من لا يذنب لما أمر به أحدٌ من خلق الله بعد النبي ﷺ فكلٌّ منهم قد أذنب، وفي هذا هدمٌ للإسلام جملة.
فخذوا حذركم من إبليس وأتباعه، ولا تدعوا الأمر بالمعروف وإن قصَّرتم في بعضه، ولا تدعوا المنكر وإن كنتم تأتونه كله.
وإذا رأيتم من يعتقد أنه لا ذنب له فاعلموا أنه قد هلك، وإن العُجْب من أعظم الذنوب وأمحقها للأعمال، فتحفظوا حفظنا الله وإياكم من العجب والرياء
واعلموا أن كل حديث ذكرتُه لكم في رسالتي هذه؛ فليس شيء منه إلا صحيح السند، متصل، ثابت بنقل الثقات، مُبَلَّغٌ إلى رسول الله ﷺ.
واعلموا أن كل ما اخترت في رسالتي هذه من صفة ذِكرٍ، أو كيفية عمل؛ فليس من رأيي وأعوذ بالله العظيم! ولكنه كله إما إخبارٌ مروي عن النبي ﷺ وإما عملٌ ولا بد، وكل ذلك منقول بالأسانيد الصحاح، ولله الحمد.
