فوائد من كتاب محبة الله عز وجل وعلاماتها لأزهرى احمد محمود
A
أخي في الله: تلك هي الغاية التي رفع لها المخلصون رؤوسهم.. محبة الله عز وجل.. «وهل المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون وإليها شخص العاملون وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفاني المحبون وبروح نسيمها تروَّح العابدون فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام..» [الإمام ابن القيم].
قالوا: «المحبة سفر القلب في طلب المحبوب ولهج اللسان بذكره على الدوام» قال الإمام ابن القيم: أما سفر القلب في طلب المحبوب فهو الشوق إلى لقائه وأما لهج اللسان بذكره فلا ريب أن من أحب شيئًا أكثر ذكره.
«إذا غرست شجرة المحبة في القلب وسقيت بماء الإخلاص، ومتابعة الحبيب، أثمرت أنواع الثمار وآتت أكلها كل حين بإذن ربها، أصلها ثابت في قرار القلب وفرعها متصل بسدرة المنتهى، لا يزال سعي المحب صاعدًا إلى حبيبه لا يحجبه دونه شيء { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}.
أخي المسلم: إن من أعظم الثمار التي تجنيها من شجرة المحبة، أن يحبك الله تعالى.. فآه لها من درجة.. فيا لسعادة نائليها.. ويا لنُجْحَ مقتنصيها.. هنالك حيث الأقدام زلت.. وتعبت في الوصول إليها وكلَّت.. {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران]، قال ابن القيم: وهي تسمى آية المحبة. قال أبو سليمان الداراني: «لما أدعت قلوب محبة الله أنزل الله لها محنة {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ..}.
علامات محبة الله: منها: أن يحب ما أحب الله تعالى، أما رأيت أخي كيف ارتفعت درجة المتحابين في الله إذ أن الله يحب أولياءه، ومن أحبهم فقد أحب الله تعالى، قال النبى صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء» [رواه الترمذي].
علامات محبة الله: منها: حبه لكلامه تعالى وتلاوته والأنس بمناجاته وذكره.. قيل لعامر بن عبد قيس: أما تسهو في صلاتك؟ قال: أو حديث أحب إلي من القرآن حتى أشتغل به؟! وكان مسلم بن يسار لا يلتفت في صلاته، حتى انهدمت ناحية من نواحي المسجد فزع لها أهل السوق فما التفت.
علامات محبة الله: منها: ما ذكر الله تعالى في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه وما زال عبدي يتقرب إلي بالنواقل حتى أحبه، فإذا أحببته فكنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته» [رواه البخاري]. «وقد قيل إنه أشرف حديث روى في ذكر الأولياء» [الإمام ابن رجب].
أخي في الله: «فمن أحبه الله رزقه محبته وطاعته والاشتغال بذكره وخدمته فأوجب له ذلك القرب منه والزلفى لديه والحظوة عنده...» [الإمام ابن رجب].
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانًا فأحبه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض» [رواه البخاري ومسلم].
«من فاته الله فلو حصلت له الجنة بحذافيرها لكان مغبونًا فكيف إذا لم يحصل له إلا نزر يسير حقير من دار كلها لا تعدل جناح بعوضة»! [الإمام ابن رجب].
أخي في الله: هم أحباء الله «أجابوا منادى الشوق إذ نادى بهم حيَّ على الفلاح، وبذلوا نفوسهم في طلب الوصول إلى محبوبهم كان بذلهم بالرضى والسماح، وواصلوا إليه المسير بالإدلاج والغدو والرواح، تالله لقد حمدوا عند الوصول سراهم، وشكروا مولاهم على ما أعطاهم، وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح» [الإمام ابن القيم].
قال الإمام ابن الجوزي: «تأملت قوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} فإذا النفس تأبى إثبات محبة للخالق توجب قلقًا وقالت: محبته طاعته».
«ولما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوة فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخَلىُّ حُرْقة الشَّجى فتنوع المدعون في الشهود فقيل: لا تقبل هذه الدعوة إلا ببينة { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ..} فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه..» [الإمام ابن القيم].
من الأسباب الجالبة للمحبة: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإنها توصل إلى درجة المحبوبية بعد المحبة.
من الأسباب الجالبة للمحبة: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها وتقلبه في رياض هذه المعرفة، فمن عرف الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة.
من الأسباب الجالبة للمحبة: مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة فإنها داعية إلى محبته.
من الأسباب الجالبة للمحبة: الخلوة به في وقت النزول الإلهي لمناجاته، وتلاوة كلامه، والوقوف بين يديه بأدب العبودية، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.
من الأسباب الجالبة للمحبة: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر.
قال محمد بن النضر الحارثي: «ما يكاد يمل القربة إلى الله تعالى محب لله عز وجل وما يكاد يسأم من ذلك».
قال بعضهم: «المحب لله طائر القلب كثير الذكر متسبب إلى رضوانه بكل سبيل يقدر عليها من الوسائل والنوافل دوبًا دوبًا وشوقًا شوقًا».
أخي في الله: «فإذا رجع كمال النعيم في الآخرة وكمال اللذة إلى العلم والحب فمن كان بالله وأسمائه وصفاته ودينه أعرف كان له أحب وكانت لذته بالوصول إليه ومجاورته والنظر إلى وجهه وسماع كلامه أتم وكل لذة ونعيم وسرور وبهجة بالإضافة إلى ذلك كقطرة في بحر. فكيف يؤثر من له عقل لذة ضعيفة قصيرة مشوبة بالآلام على لذة عظيمة دائمة أبد الآباد» [الإمام ابن القيم].
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» [رواه البخاري ومسلم]. قال الشيخ أبو محمد بن أبي حمزة: «إنما عبر بالحلاوة لأن الله شبه الإيمان بالشجرة في قوله تعالى: {مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} فالكلمة هي كلمة الإخلاص والشجرة أصل الإيمان وأغصانها اتباع الأمر واجتناب النهي، وورقها ما يهتم به المؤمن من الخير وثمرها عمل الطاعات وحلاوة الثمر جني الثمرة، وغاية كماله تناهي نضج الثمرة وبه تظهر حلاوتها» [الإمام ابن حجر].
أخي: «إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله وإذا فرحوا بالدنيا فافرح أنت بالله وإذا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله وإذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فتعرف أنت إلى الله وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة» [الإمام ابن القيم].
أخي في الله: أولئك المحظوظون المحفوظون من كيد الشيطان لا سبيل له إليهم «قال تعالى حكاية عن عدوه إبليس أنه قال: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}. قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} وقال: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}. وقال في حق الصديق يوسف عليه السلام: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [الإمام ابن القيم].
قيل لبعض العارفين: أنا لنوسوس في صلاتنا، قال: بأي شيء بالجنة أو الحور العين والقيامة؟ قالوا: لا بل بالدنيا، فقال: «لأن تختلف في الأسنة أحب إلى من ذلك!».
