9. فوائد من كتاب أدب الدنيا والدين للماوردي
A
سبب الغضب هجوم ما تكرهه النفس ممن دونها، وسبب الحزن هجوم ما تكرهه النفس ممن فوقها. والغضب يتحرك من داخل الجسد إلى خارجه، والحزن يتحرك من خارج الجسد إلى داخله. فلذلك قتل الحزن ولم يقتل الغضب لبروز الغضب وكمون الحزن. وصار الحادث عن الغضب السطوة والانتقام لبروزه، والحادث عن الحزن المرض والاسقام لكمونه. ولذلك أفضى الحزن إلى الموت ولم يفض إليه الغضب. فهذا فرق ما بين الحزن والغضب.
حكي أن بعض ملوك الفرس كتب كتابا ودفعه إلى وزير له وقال: إذا غضبت فناولنيه. وكان فيه: ما لك والغضب إنما أنت بشر، ارحم من في الارض يرحمك من في السماء.
قال عبد الله بن مسلم بن محارب لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وبالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي لما عفوت عني. فعفا عنه لما ذكره قدرة الله تعالى.
كان بعض ملوك الطوائف إذا غضب ألقي عنده مفاتيح ترب الملوك فيزول غضبه، ولذلك قال عمر رضي الله عنه: من أكثر من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير.
كانت الفرس تقول: إذا غضب القائم فليجلس وإذا غضب الجالس فليقم. ومنها: أن يتذكر ما يئول إليه الغضب من الندم ومذمة الانتقام.
كتب إبرويز إلى ابنه شيرويه: إن كلمة منك تسفك دما وأخرى منك تحقن دما، وإن نفاذ أمرك مع كلامك، فاحترس، في غضبك، من قولك أن تخطئ، ومن لونك أن يتغير، ومن جسدك أن يخف، فإن الملوك تعاقب قدرة، وتعفو حلما.
قال رجاء بن حيوة لعبد الملك بن مروان، في أسارى ابن الاشعث: إن الله قد أعطاك ما تحب من الظفر فأعط الله ما يحب من العفو.
أسمع رجل عمر بن عبد العزيز كلاما فقال عمر: أردت أن يستفزني الشيطان لعزة السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا انصرف رحمك الله. ومنها: أن يذكر انعطاف القلوب عليه، وميل النفوس إليه، فلا يرى إضاعة ذلك بتغير الناس عنه فيرغب في التألف وجميل الثناء.
قال المأمون لإبراهيم بن المهدي: إني شاورت في أمرك فأشاروا علي بقتلك الا أني وجدت قدرك فوق ذنبك فكرهت القتل للازم حرمتك. فقال: يا أمير المؤمنين إن المشير أشار بما جرت به العادة في السياسة، الا أنك أبيت أن تطلب النصر الا من حيث عودته من العفو فإن عاقبت فلك نظير، وإن عفوت فلا نظير لك.
قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {ولا تلبسوا الحق بالباطل} أي لا تخلطوا الصدق بالكذب.
قال بعض البلغاء: ليكن مرجعك إلى الحق ومنزعك إلى الصدق، فالحق أقوى معين، والصدق أفضل قرين.
دواعي الكذب: اجتلاب النفع واستدفاع الضر، فيرى أن الكذب أسلم وأغنم فيرخص لنفسه فيه اغترارا بالخدع، واستشفافا للطمع. وربما كان الكذب أبعد لما يؤمل وأقرب لما يخاف؛ لأن القبيح لا يكون حسنا والشر لا يصير خيرا.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لان يضعني الصدق وقلما يفعل، أحب إلي من أن يرفعني الكذب وقلما يفعل.
قال الجاحظ: الصدق والوفاء توأمان، والصبر والحلم توأمان فيهن تمام كل دين، وصلاح كل دنيا، وأضدادهن سبب كل فرقة وأصل كل فساد.
قال ابن المقفع: لا تتهاون بإرسال الكذبة من الهزل فإنها تسرع إلى إبطال الحق. ومنها: أن يقصد بالكذب التشفي من عدوه فيسمه بقبائح يخترعها عليه، ويصفه بفضائح ينسبها إليه. ويرى أن معرة الكذب غنم وأن إرسالها في العدو سهم وسم.
قال علي بن أبي طالب رضى الله عنه: الكذاب كالسراب. ومنها: ما يظهر عليه من ريبة الكذابين وينم عليه من ذلة المتوهمين؛ لأن هذه أمور لا يمكن الانسان دفعها عن نفسه؛ لما في الطبع من آثارها.
اعلم أن من الصدق ما يقوم مقام الكذب في القبح والمعرة ويزيد عليه في الاذى والمضرة، وهي الغيبة والنميمة والسعاية. فأما الغيبة فإنها خيانة وهتك ستر يحدثان عن حسد وغدر. قال الله تعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا}.
قال رجل لابن سيرين رحمه الله: إني اغتبتك فاجعلني في حل. فقال ما أحب أن أحل لك ما حرم الله عليك.
قيل لأنوشروان: ما الذي لا خير فيه؟ قال: ما ضرني ولم ينفع غيري، أو ضر غيري ولم ينفعني، فلا أعلم فيه خيرا.
سئل بعض الادباء عن صفة اللئيم، فقال: اللئيم إذا غاب عاب، وإذا حضر اغتاب. فأما الخبر فمحمول على الانكار لأفعال هؤلاء ولا يكون الانكار غيبة؛ لأنه نهي عن منكر، وفرق بين إنكار المجاهر وغيبة المساتر. وأما النميمة: فهي أن تجمع إلى مذمة الغيبة رداءة وشرا، وتضم إلى لؤمها دناءة وغدرا. ثم تؤول إلى تقاطع المتواصلين، وتباغض المتحابين.
قال بعض الادباء: لم يمش ماش شر من واش. فأما السعاية فهي شر الثلاثة؛ لأنها تجمع إلى مذمة الغيبة ولؤم النميمة، التغرير بالنفوس والاموال، والقدح في المنازل والاحوال.
قال بعض الحكماء: الساعي بين منزلتين قبيحتين: إما أن يكون صدق فقد خان الامانة، وإما أن يكون قد كذب فخالف المروءة.
قال بعض البلغاء: النميمة دناءة والسعاية رداءة، وهما رأس الغدر وأساس الشر فتجنب سبلهما، واجتنب أهلهما.
قال الاسكندر لرجل سعى إليه برجل: أتحب أن نقبل منك ما تقول فيه على أن نقبل منه ما يقول فيك؟ قال: لا. قال: فكف عن الشر يكف عنك الشر.
اعلم أن الحسد خلق ذميم مع إضراره بالبدن وفساده للدين، حتى لقد أمر الله بالاستعاذة من شره، فقال تعالى: {ومن شر حاسد إذا حسد} وناهيك بحال ذلك شرا.
قال بعض السلف: الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، يعني حسد إبليس لآدم عليه السلام وأول ذنب عصي الله به في الارض، يعني حسد ابن آدم لأخيه حتى قتله.
قال بعض البلغاء: الناس حاسد ومحسود، ولكل نعمة حسود. وقال بعض الادباء: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحسود نفس دائم، وهم لازم، وقلب هائم
قال معاوية رضي الله عنه: ليس في خصال الشر أعدل من الحسد، يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود.
قال رجل لشريح القاضي: إني لاحسدك على ما أرى من صبرك على الخصوم، ووقوفك على غامض الحكم. فقال: ما نفعك الله بذلك ولا ضرني.
اعلم أن دواعي الحسد ثلاثة: أحدهما: بغض المحسود فيأسى عليه بفضيلة تظهر، أو منقبة تشكر، فيثير حسدا قد خامر بغضا. وهذا النوع لا يكون عاما وإن كان أضرها؛ لأنه ليس يبغض كل الناس. والثاني: أن يظهر من المحسود فضل يعجز عنه فيكره تقدمه فيه واختصاصه به، فيثير ذلك حسدا لولاه لكف عنه. وهذا أوسطها؛ لأنه لا يحسد الاكفاء من دنا، وإنما يختص بحسد من علا. وقد يمتزج بهذا النوع ضرب من المنافسة ولكنها مع عجز فلذلك صارت حسدا. والثالث: أن يكون في الحاسد شح بالفضائل، وبخل بالنعم وليست إليه فيمنع منها، ولا بيده فيدفع عنها؛ لأنها مواهب قد منحها الله من شاء فيسخط على الله عز وجل في قضائه، ويحسد على ما منح من عطائه، وإن كانت نعم الله عز وجل عنده أكثر، ومنحه عليه أظهر.
اعلم أن بحسب فضل الانسان وظهور النعمة عليه يكون حسد الناس له. فإن كثر فضله كثر حساده، وإن قل قلوا؛ لأن ظهور الفضل يثير الحسد، وحدوث النعمة يضاعف الكمد.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما كانت نعمة الله على أحد الا وجد لها حاسدا، فلو كان الرجل أقوم من القدح لما عدم غامزا.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: خياركم كل مفتن تواب. وإن صدته الشهوة عن مراشده، وأضله الحرمان عن مقاصده، فانقاد للطبع اللئيم، وغلب عليه الخلق الذميم، حتى ظهر حسده واشتد كمده، فقد باء بأربع مذام: إحداهن: حسرات الحسد وسقام الجسد، ثم لا يجد لحسرته انتهاء، ولا يؤمل لسقامه شفاء.
قيل في منثور الحكم: الحسود لا يسود. والثالثة: مقت الناس له حتى لا يجد فيهم محبا، وعداوتهم له حتى لا يرى فيهم وليا، فيصير بالعداوة مأثورا، وبالمقت مزجورا.
اعلم أن الكلام ترجمان يعبر عن مستودعات الضمائر، ويخبر بمكنونات السرائر، لا يمكن استرجاع بوادره، ولا يقدر على رد شوارده. فحق على العاقل أن يحترز من زلله بالامساك عنه أو بالاقلال منه.
قال بعض العلماء: من أعوذ ما يتكلم به العاقل أن لا يتكلم الا لحاجته أو محجته، ولا يفكر الا في عاقبته أو في آخرته.
قال بعض البلغاء: الزم الصمت فإنه يكسبك صفو المحبة، ويؤمنك سوء المغبة، ويلبسك ثوب الوقار، ويكفيك مئونة الاعتذار.
قال بعض الفصحاء: اعقل لسانك الا عن حق توضحه، أو باطل تدحضه، أو حكمة تنشرها، أو نعمة تذكرها.
حكي عن ابن عائشة أن شابا كان يجالس الاحنف ويطيل الصمت، فأعجب ذلك الاحنف فخلت الحلقة يوما فقال له الاحنف: تكلم يا ابن أخي. فقال: يا عم لو أن رجلا سقط من شرف هذا المسجد هل كان يضره شيء؟ قال: يا ابن أخي ليتنا تركناك مستورا.
قال بعض البلغاء: احبس لسانك قبل أن يطيل حبسك أو يتلف نفسك، فلا شيء أولى بطول حبس من لسان يقصر عن الصواب، ويسرع إلى الجواب.
حكي أن بعض الحكماء رأى رجلا يكثر الكلام ويقل السكوت فقال: إن الله تعالى إنما خلق لك أذنين ولسانا واحدا ليكون ما تسمعه ضعف ما تتكلم به.
قال بعض البلغاء: كلام المرء بيان فضله، وترجمان عقله، فاقصره على الجميل واقتصر منه على القليل، وإياك ما يسخط سلطانك، ويوحش إخوانك، فمن أسخط سلطانه تعرض للمنية ومن أوحش إخوانه تبرأ من الحرية.
قال سليمان بن عبد الملك، وقد ذم الكلام في مجلسه: كلا إن من تكلم فأحسن قدر على أن يسكت فيحسن، وليس من سكت فأحسن قدر على أن يتكلم فيحسن.
قال الهيثم بن صالح لابنه: يا بني إذا أقللت من الكلام أكثرت من الصواب. فقال: يا أبت فإن أنا أكثرت وأكثرت يعني كلاما وصوابا. فقال: يا بني ما رأيت موعوظا أحق بأن يكون واعظا منك.
قيل لإياس بن معاوية: ما فيك عيب الا كثرة الكلام، فقال: أفتسمعون صوابا أو خطأ؟ قالوا: لا بل صوابا. قال: فالزيادة من الخير خير.
قال أبو عثمان الجاحظ: للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية. وما فضل عن مقدار الاحتمال، ودعا إلى الاستثقال والملال، فذلك الفاضل هو الهذر.

