7. فوائد من كتاب أدب الدنيا والدين للماوردي
A
حكي أن رجلا شكا كثرة عياله إلى بعض الزهاد فقال: انظر من كان منهم ليس رزقه على الله عز وجل فحوله إلى منزلي.
قال ابن سيرين لرجل كان يأتيه على دابة ففقد الدابة: ما فعل برذونك؟ قال: اشتدت علي مؤنته فبعته. قال: أفتراه خلف رزقه عندك؟
قال ابن الرومي رحمه الله: إن لله غير مرعاك مرعى يرتعيه وغير مائك ماء إن لله بالبرية لطفا سبق الامهات والاباء.
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أعرابيا أتاه فقال: يا عمر الخير جزيت الجنه اكس بنياتي وأمهنه وكن لنا من الزمان جنه أقسم بالله لتفعلنه فقال عمر رضي الله عنه: فإن لم أفعل يكون ماذا؟ فقال: إذا أبا حفص لاذهبنه فقال: فإذا ذهبت يكون ماذا؟ فقال: يكون عن حالي لتسألنه يوم تكون الاعطيات هنه وموقف المسئول بينهنه إما إلى نار وإما جنه فبكى عمر رضي الله عنه حتى اخضلت لحيته ثم قال: يا غلام أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره أما والله لا أملك غيره.
قال ابن عباس رضي الله عنهما في تأويل قوله تعالى: {ولا تمنن تستكثر} إنه لا يعطي عطية يلتمس بها أفضل منها. وكان الحسن البصري رضي الله عنه يقول في تأويل ذلك: لا تمنن بعملك تستكثر على ربك.
قال ابن عباس رضي الله عنهما، في تأويل قوله تعالى: {والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا} إنها الكلام الطيب وكان سعيد بن جبير يتأول أنها الصلوات الخمس.
قال علي بن أبي طالب رضى الله عنه: لا يزهدنك في المعروف كفر من كفره فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الكافر.
قال سهل بن هارون: خل إذا جئته يوما لتسأله أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا يخفي ضائعه والله يظهرها إن الجميل إذا أخفيته ظهرا ومن شروط المعروف تصغيره عن أن يراه مستكبرا، وتقليله عن أن يكون مستكثرا، لئلا يصير به مدلا بطرا ومستطيلا أشرا.
قال العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: لا يتم المعروف الا بثلاث خصال: تعجيله وتصغيره وستره، فإذا عجلته هنأته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته أتممته.
سمع ابن سيرين رجلا يقول لرجل: فعلت إليك وفعلت. فقال ابن سيرين: اسكت فلا خير في المعروف إذا أحصي.
قال عبد الله بن جعفر: لا تستح من القليل فإن المنع أقل منه، ولا تجبن عن الكثير فإنك أكثر منه.
قال بعض الادباء: شكر الاله بطول الثناء وشكر الولاة بصدق الولاء وشكر النظير بحسن الجزاء وشكرك الدون بحسن العطاء.
حكي أن الحجاج أتي إليه بقوم من الخوارج، وكان فيهم صديق له فأمر بقتلهم الا ذلك الصديق فإنه عفا عنه وأطلقه ووصله. فرجع الرجل إلى قطري بن الفجاءة فقال له: عد إلى قتال عدو الله فقال هيهات، غل يدا مطلقها واسترق رقبة معتقها.
قال بعض الادباء من حكماء المتقدمين: من شكرك على معروف لم تسده إليه فعاجله بالبر والا انعكس فصار ذما.
عن المأمون قال: معايش الناس على أربعة أقسام: زراعة وصناعة وتجارة وإمارة. فمن خرج عنها كان كلا عليها.
قال بعض السلف: خير المال عين خرارة في أرض خوارة تسهر إذا نمت، وتشهد إذا غبت، وتكون عقبا إذا مت.
قال كسرى للموبد: ما قيمة تاجي هذا؟ فأطرق ساعة ثم قال: ما أعرف له قيمة الا أن تكون مطرة في نيسان فإنها تصلح من معايش الرعية ما تكون قيمته مثل تاج الملك.
روي عن أبي ظبيان أنه قال: قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما مالك يا أبا ظبيان؟ قال قلت: عطائي ألفان. قال: اتخذ من هذا الحرث والسائبات قبل أن تليك غلمة من قريش لا تعد العطاء معهم مالا، والسائبات النتاج.
حكي أن الاسكندر لما أراد الخروج إلى أقاصي الارض قال لأرسطاطاليس: اخرج معي. قال: قد نحل جسمي وضعفت عن الحركة فلا تزعجني. قال فما أصنع في عمالي خاصة؟ قال انظر إلى من كان له عبيد فأحسن سياستهم فوله الجنود، ومن كانت له ضيعة فأحسن تدبيرها فوله الخراج. فنبه باعتبار الطباع على ما أغناه عن كلفة التجربة.
حكى عبد الله بن المبارك قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح بن عبد الله الحكمي: إن استطعت أن تدع مما أحل الله لك ما يكون حاجزا بينك وبين الحرام فافعل، فإنه من استوعب الحلال تاقت نفسه إلى الحرام.
قال بعض البلغاء: خير الاموال ما أخذته من الحلال وصرفته في النوال، وشر الاموال ما أخذته من الحرام، وصرفته في الاثام.
حكي عن ابن المعتمر السلمي قال: الناس ثلاثة أصناف: أغنياء وفقراء وأوساط. فالفقراء موتى الا من أغناه الله بعز القناعة، والاغنياء سكارى الا من عصمه الله تعالى بتوقع الغير. وأكثر الخير مع أكثر الاوساط، وأكثر الشر مع أكثر الفقراء والاغنياء؛ لسخف الفقر وبطر الغني.
قال بزرجمهر: إن كان شيء فوق الحياة فالصحة. وإن كان شيء مثلها فالغنى، وإن كان شيء فوق الموت فالمرض، وإن كان شيء مثله فالفقر.
قال بعض الحكماء: ليس من توكل المرء إضاعته للحزم، ولا من الحزم إضاعة نصيبه من التوكل. وإن كان تقصيره لزهد وتقنع فهذه حال من علم بمحاسبة نفسه بتبعات الغنى والثروة، وخاف عليها بوائق الهوى والقدرة، فآثر الفقر على الغنى، وزجر النفس عن ركوب الهوى.
روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: من نبل الفقر أنك لا تجد أحدا يعصي الله ليفتقر.
كتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز رحمهما الله: يا أخي، من استغنى بالله اكتفى، ومن انقطع إلى غيره تعنى، ومن كان من قليل الدنيا لا يشبع، لم يغنه منها كثرة ما يجمع، فعليك منها بالكفاف، وألزم نفسك العفاف، وإياك وجمع الفضول، فإن حسابه يطول.
قيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدينك من الدنيا؟ فقال: هي وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها.
مر رجل من أرباب الاموال ببعض العلماء فتحرك له وأكرمه فقيل له: بعد ذلك أكانت لك إلى هذا حاجة؟ قال لا. ولكني رأيت ذا المال مهيبا.
قأل رجل محمد بن عمير بن عطارد وعتاب بن ورقاء في عشر ديات فقال محمد: علي دية. وقال عتاب: الباقي علي. فقال محمد: نعم العون اليسار على المجد.
قال عبد الحميد: كيف تبقى على حالتك والدهر في إحالتك ومنها: الثقة ببقاء ذلك على ولده مع نوائب الزمان ومصائبه.
قال بعض الحكماء: الدنيا إن بقيت لك لا تبقى لها. ومنها: ما حرم من منافع ماله، وسلب من وفور حاله.
حكي أن هشام بن عبد الملك لما ثقل بكاء ولده عليه قال لهم: جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما كسب وتركتم عليه ما اكتسب، ما أسوأ حال هشام إن لم يغفر الله له.
قال رجل للحسن البصري رحمه الله: إني أخاف الموت وأكرهه. فقال: إنك خلفت مالك ولو قدمته لسرك اللحوق به.
قال بعض الحكماء: الغني البخيل كالقوي الجبان. وأما الحرص فيسلب فضائل النفس؛ لاستيلائه عليها، ويمنع من التوفر على العبادة؛ لتشاغله عنها، ويبعث على التورط في الشبهات؛ لقلة تحرزه منها.
قال بعض الحكماء: الحرص مفسدة للدين والمروءة، والله ما عرفت من وجه رجل حرصا فرأيت أن فيه مصطنعا.
قال بعض البلغاء: المقادير الغالبة لا تنال بالمغالبة، والارزاق المكتوبة لا تنال بالشدة والمطالبة، فذلل للمقادير نفسك واعلم بأنك غير نائل بالحرص الا حظك.
قال بعض البلغاء إذا طلبت العز فاطلبه بالطاعة، وإذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فمن أطاع الله - عز وجل - نصره، ومن لزم القناعة زال فقره.
قال بعض الادباء: إني أرى من له قنوع يدرك ما نال أو تمنى والرزق يأتي بلا عناء وربما فات من تعنى.
قال أبو حازم الاعرج وجدت شيئين: شيئا هو لي لن أعجله قبل أجله ولو طلبته بقوة السموات والارض، وشيئا هو لغيري وذلك مما لم أنله فيما مضى ولا أناله فيما بقي يمنع الذي لي من غيري كما يمنع الذي لغيري مني، ففي أي هذين أفني عمري وأهلك نفسي.
اعلم أن النفس مجبولة على شيم مهملة، وأخلاق مرسلة، لا يستغني محمودها عن التأديب، ولا يكتفي بالمرضي منها عن التهذيب؛ لأن لمحمودها أضدادا مقابلة يسعدها هوى مطاع وشهوة غالبة، فإن أغفل تأديبها تفويضا إلى العقل أو توكلا على أن تنقاد إلى الاحسن بالطبع أعدمه التفويض درك المجتهدين، وأعقبه التوكل ندم الخائبين، فصار من الادب عاطلا، وفي صورة الجهل داخلا؛ لأن الادب مكتسب بالتجربة، أو مستحسن بالعادة، ولكل قوم مواضعة. وذلك لا ينال بتوقيف العقل ولا بالانقياد للطبع حتى يكتسب بالتجربة والمعاناة، ويستفاد بالدربة والمعاطاة. ثم يكون العقل عليه قيما وزكي الطبع إليه مسلما. ولو كان العقل مغنيا عن الادب لكان أنبياء الله تعالى عن أدبه مستغنين، وبعقولهم مكتفين.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن الله تعالى جعل مكارم الاخلاق ومحاسنها وصلا بينه وبينكم، فحسب الرجل أن يتصل من الله تعالى بخلق منها.
قال أزدشير بن بابك: من فضيلة الادب أنه ممدوح بكل لسان، ومتزين به في كل مكان، وباق ذكره على أيام الزمان.
قال ابن المقفع: ما نحن إلى ما نتقوى به على حواسنا من المطعم والمشرب بأحوج منا إلى الادب الذي هو لقاح عقولنا، فإن الحبة المدفونة في الثرى لا تقدر أن تطلع زهرتها ونضارتها الا بالماء الذي يعود إليها من مستودعها.

