4. فوائد من كتاب بهجة المجالس
A
قال حسَّان بن خريم بن الأغر: دع الدَّواء ما احتمل جسمك الداء. كانوا يقولون: لو أمات العليل الداء أعاشه الدواء.
سئل الحارث بن كلدة طبيب العرب: ما الدواء الذي لا داء فيه؟ قال: هو ألا يدخل بطنك طعام وفيه طعام. قال غيره: هو أن يقَّدم الطعام إليك وأنت تشتهيه، ويرفع عنك وأنت تشتهيه. قالوا: ثلاثة تقتل: الحمَّام على الكظَّة، والجماع على البطنة، والإكثار من أكل القديد اليابس.
قال الربيع بن خيثم: ذكرت عاداً وثمود وأصحاب الرسّ وقروناً بين ذلك كثيرا،ً كانت فيهم الأدواء، وكانت فيهم الأطباء، فلا المداوي بقي ولا المداوى. وقيل له في علَّته: ألا ندعو لك طبيباً؟ فقال: قد نظر إلي الطبيب. فقيل له:ما قال لك؟ فقال إنِّي فعال لما أريد.
جاء في الخبر: " من كان به مرض قديم فليأخذ درهماً حلالاً، فليشتر به عسلاً ثم ليشربه بماء السماء فإنه يبرأ بإذن الله ".
قال عبد الله بن مسعود في قول الله عزَّوجل: " اتَّقوا الله حقَّ تقاته ": أن يطاع فلا يعصى،ويشكر فلا يكفر،ويذكر فلا ينسى. قال قتادة، مثل ذلك وزاد عليها: " فاتَّقوا الله ما استطعتم ".
قال الهلاليّ: من لم يصلح على أدب الله لم يصلح على اختياره لنفسه، ومن تعزز بمعصية الله،أذاقه الله ذلاً بحقّ.
قال علي بن عبد الله بن عباس: من لم يجد نقص الجهل في عقله، وذل المعصية في قلبه، ولم يستبن موضع الخل من لسانه عند كلال حده، فليس ممن يرغب عن ذنبه، ولا ينزع عن حال معجزةٍ، ولا يكترث لفضل ما بين حجّة وشبهة.
قال جعفر بن محمد: من نقله الله عزوجل من ذل المعاصي إلى عزّ الطاعة أغناه بلا مال، وآنسه بلا أنيس وأعزّه بلا عشيرة.
قال الحسن: لا يغرك توطّيهم رقاب المسلمين، وإن هملجت بهم خيولهم ورفرفت بهم ركابهم، إن ذل المعصية في قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه. كان يقال: من أحبك نهاك ومن أبغضك أغراك.
قال العتبي: خطب يزيد بن الوليد فأرجز وقال: أيها الناس! الأمر أمر الله، والطاعة طاعة الله،فأطيعوني ما أطعت الله، يغفر الله لي ولكم.
قالت هند: الطاعة مقرونة بالمحبة، فالمطيع محبوب، وإن نأت داره، وقلَّت آثاره، والمعصية مقرونةٌ بالبغضة، فالعاصي ممقوت، وإن مسَّتك رحمته، ونالك معروفه.
كتب ابن السَّماك إلى أخ له: أفضل العبادة الإمساك عن المعصية، والوقوف عند الشبهة، وأقبح الرغبة أن تطلب الدنيا بعمل الآخرة، وقاله سفيان بن عيينة. ذكر إبليس عند أبي حاتم،فقال: وماإبليس! فوالله لقد عصى فما ضرَّ، وأطيع فما نفع.
قال عمر بن الخطاب: من أدى الأمانة، وكف عن أعراض المسلمين فهو الرجل. وقع بين سعد وخالد كلام،فذهب رجل يقع في خالد عند سعد فقال سعد:مه، إن ما بيننا لم يبلغ ديننا.
قال رجل لابن سيرين: إني وقعت فيك، فاجعلني في حلّ، قال: لا أحب أن أحل لك ما حرم الله عليك.
قال رجل للحسن البصري: إني اغتبت فلاناً وإني أريد أن أستحله فقال: لم يكفك أن أغتبته حتى تريد أن تبهته.
قال حذيفة: كفارة من اغتبته أن تستغفر له. قال عبد الله بن مبارك لسفيان بن عيينة:التوبة من الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته،قال سفيان:بل تستغفره مما قلت فيه:قال ابن المبارك:لا تؤذه مرتين.
قال ابن محيريز: مامن ذنبٍ أجدر أن تجده من الرجل -وإن أعجبك- من الغيبة. قال أبو حاتم: أربح التّجارة ذكر الله، وأخسر التجارة ذكر النّاس.
قال الفضيل بن عياض:ذكر الناس داء، وذكر الله شفاء. سمع قتيبة بن مسلم رجلا يغتاب آخر،فقال:لقد مضغت مضغة طالما لفظها الكرام.
سمع أعرابيّ رجلا يقع في الناس، فقال:قد استدللت على عيوبك بكثرة ذكرك لعيوب النّاس، لأنّ الطالب لها يطلبها بقدرما فيه منها.
كان يقال: ظلم منك لأخيك أن تقول أسوأ ما تعلم فيه. قال أبو عاصم النبيل: لا يذكر الناس بما يكرهون إلا سفلة لا دين له.
قال الحجاج بن الفرافصة: قلت لمجاهد: الرجل يكون وقّاعاً في الناس، فأقع فيه،أله غيبة؟ قال:لا. قلت:من ذا الذي تحرم غيبته؟ قال:رجلٌ خفيف الظّهر من دماء المسلمين، خميص البطن من أموالهم، أخرس الّلسان عن أعراضهم،فهذا حرام الغيبة، ومن كان سوى ذلك فلا حرمة له، ولا غيبة فيه.
قال رجل لعمرو بن عبيد:إنّي لأرحمك مما يقول النّاس فيك؟ قال:فما تسمعني أقول فيهم؟قال:ما سمعتك تقول إلاّ خيراً، قال:إيَّاهم فارحم.
قال عتبة بن أبي سيفيان لابنه عمرو: يا بنيّ نزّّه نفسك عن الخنا، كما تنزّه لسانك عن البذّا، فإن المستمع شريك القائل.
قالوا: قبول السِّعاية شرٌّ من السعاية، لأن السعاية دلالة والقبول إجازة. قال يحيى بن أبي كثير: يفسد النَّمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة.
تنقّص ابن عامر بن عبد الله بن الزبير عليَّ بن أبي طالب، فقال له أبوه: مهلا يا بنيّ لا تنقّصه، فإن بني مروان شتموه ستين سنة، فلم يزده الله بذلك إلا رفعة، وإن الدين لم يبن شيئاً فهدمته الدنيا، وإن الدنيا لم تبن شيئاً إلا عادت على ما بنت فهدمته
كان يقال: المعرِّض بالناس اتقى صاحبه، ولم يتق ربه. قال المسيح عليه السلام: لا يحزنك قول الناس فيك،فإن كان كاذباً كانت حسنة لم تعملها، وإن كان صادقاً كانت سيئة عجلت عقوبتها.
قال موسى عليه السلام: ياربّ إن الناس يقولون فيَّ ماليس فيَّ، فاجعلهم ياربّ يقولون فيما فيّ، فأوحى الله تعالى إليه: ياموسى لم أجعل ذلك لنفسي، فكيف أجعله لك.
قال عمر بن الخطّاب:ما كانت على أحد نعمةٌ إلا كان لها حاسد، ولو كان الرجل أقوم من القدح لوجد له غامزاً.
قال ابن مسعود: لا تعادوا نعم الله عزّوجل. قيل: ومن يعادي نعم الله؟ قال:الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.
قال الحسن البصري: ليس أحدٌ من خلق الله إلا وقد جعل معه الحسد، ومن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظّلم لم يتبعه منه شيء.
عن أنس بن مالك أنه مرّ على ديار خربةٍ خاوية، قال: هذه أهلكها وأهلك أهلها البغي والحسد، إن الحسد ليطفئ نور الحسنات، والبغي يصدِّق ذلك أو يكذبه، فإذا حسدتم فلا تبغوا.
قيل للحسن: يا أبا سعيد! أيحسد المؤمن؟ قال: لاأمَّ لك ! أنسيت إخوة يوسف. قالوا: ثلاثةٌ عائدة على فاعلها: البغي والمكر والنِّكث.
قال بعض الحكماء: البغي من فروع الحسد، وأقدم الناس على البغي من جهل المعرفة بسرعة نصر الله لمن بغي عليه.
كان يقال: أقبح الأشياء بالسلطان اللجاج،وبالحكماء الضجر، وبالفقهاء سخافة الدين، وبالعلماء إفراط الحرص، وبالمقاتلة الجبن، وبالأغنياء البخل، وبالفقراء الكبر وبالشباب الكسل، وبالشيوخ المزاح، وبجماعة الناس التباغض والحسد.
كان يقال: كادت الفاقة تكون كفراً، وكاد الحسد يغلب القدر، والهم نصف الهرم، والفقر الموت الأكبر. قال عليُّ بن أبي طالب في خطبة خطبها على المنبر بالكوفة: ما لنا ولقريش بلى. ولهم، إن الله فضلنا فأدخلهم في فضلنا.
قال عليُّ بن أبي طالب،قال إبليس لجنوده:ألقوا بين الناس التحاسد والبغي، فإنهما يعدلان الشرك. كان يقال: أول ما عصى الله به في السماء والأرض الحسد والحرص. ذهبوا إلى أن إبليس حسد آدم فلم يسجد له، وحرص آدم على الخلود فأكل من الشجرة، وحسد ابن آدم أخاه حين تقبِّل منه قربانه فقتله.
قال أبو الدرداء:مكتوب في التوراة:إن أحسد الناس لعالم وأبغاهم عليه قرابته وجيرانه. كان يقال:الحسد في الجيران، والعداوة في الأقارب.
قال عبد الله بن المقفع: إن الحسد خلق دنيء ومن دناءته أنه موكّل بالأدنى فالأدنى. قال الخليل بن أحمد:لا شيء أشبه بالمظلوم من الحاسد.
قال معاوية بن أبي سفيان:ليس في خلال الشر أشر من الحسد، لأنه قد يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود. كان يقال: الحاسد إذا رأى نعمة بهت،وإذا رأى عثرة شمت.
قال بعض الحكماء:ما استبّ رجلان إلاّ غلب ألأمهما قال الزِّبرقان بن بدر: خصلتان كبيرتان في امرئ السُّوء: شدة السّبِّ، وكثرة الّلطام.
كان يقال: الغالب في الشر مغلوب. شتم رجلٌ أبا ذر، فقال له: ياهذا لا نغرقنَّ في شتمنا ودع للصلح موضعا، فإنّا لا نكافئ من عصى الله فينا، بأكثر من أن نطيع الله فيه.
قال أبو مسلم صاحب الدعوة، عصبة الأشراف تظهر بأفعالها، وعصبة الأدنياء تظهر بألسنتها. سئل بعض العرب عن العقل،فقال: الإصابة بالظُّنون، ومعرفة ما لم يكن بما كان.
قال علي بن أبي طالب:لله درّ ابن عباس إنه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق. قال ابن عباس رضي الله عنه:الجبن والبخل والحرص غرائز سوء يجمعها كلها سوء الظن بالله عزوجل.
سمع أعرابي رجلا يقول: إن الله تعالى يتولى محاسبة عباده بنفسه، فقال الأعرابي:إن الكريم إذا تولى شيئاً أحسن فيه.
قيل لبعض العلماء:من أسوأ الناس حالا؟ قال:من اتسعت معرفته، وضاقت مقدرته، وبعدت همته، وأسوأ منه حالا:من لم يثق بأحد لسوء ظنه ولم يثق به أحدٌ لسوء فعله.
قال غيره من الحكماء: حسب البعيد الهمة أن تكون غايته الجنة. قال أبو حازم: العقل التَّجارب، والحزم سوء الظن.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أفرس الناس كلِّهم -فيما علمت- ثلاثة: العزيز في قوله لامرأته حين تفرّس في يوسف: " أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتّخذه ولداً "، وصاحبة موسى حين قالت: " ياأبت استأجره إنّ خير من استأجرت القويُّ الأمين ". وأبو بكر حين تفرّس في عمر رضي الله عنهما فاستخلفه.
نظر إياس بن معاوية يوماً، وهو بواسط، في الرحبة إلى آجرّة، فقال:تحت هذا الآجرّة حيّة، فنزعوا الآجرة فإذا تحتها حيةٌ منطوية، فسئل عن ذلك فقال: إنِّي رأيت ما بين الآجرتين نديَّاً من بين تلك الرحبة، فعلمت أن تحتها شيئاً يتنفس.
قال عمرو بن بحر: إذا نظر الأعرابي موضع منتفخ في أرض مستوية، فإذا رآه يتصدع في تهيّل، وكان تفتحه مستوياً علم أنها كمأة وإن خلط في التصدع والحركة علم أنها دابّة، فاتقى مكانها.
قال معن بن زائدة: ما رأيت قفا رجل قطّ إلا عرفت عقله، فقال له الفضل بن شهاب: فإن رأيت وجهه؟ قال:فذلك حينئذ في كتاب أقرأه.
مر إياس بن معاوية ذات يوم بماء،فقال: أسمع صوت كلب غريب،قيل له: كيف عرفت ذلك؟ قال بخضوع صوته وشدة نباح غيره من الكلاب. قالوا:فإذا كلب غريب مربوط، والكلاب تنبحه.
قال وهب بن منبّه خصلتان إذا كانتا في الغلام رجيت نجابته:الرَّهبة والحياء. قال غيره: إذا استثقل الصبي الأدب، وضج من الحصر إلا أنه إذا حفظ وعي، وإذا فهم أدّى، كان ذلك ممن يرجى. قال غيره:إذا كان الغلام حازماً في الخلاء، فظيع اللسان في الملاء، يبغض التعليم، ويوارب المعلم، ويقدم أباه على أمه، ويؤخِّر خاله على عمه، وكنيته أحبُّ إليه من اسمه، فإنه يرجى خيره وينتظر عزّه.
قال عمرو بن العاص: أنا للبديهة ومعاوية للأناة، والمغيرة للمعضلات، وزياد لصغار الأمور وكبارها.
أراد يوسف بن عمر بن هبيرة أن يولّي بكر بن عبد الله المزنيّ القضاء، فاستعفاه، فأبى أن يعفيه، فقال: أصلح الله الأمير،ما أحسن القضاء، فإن كنت كاذباً فلا يحلّ لك أن تولّي الكاذبين، وإن كنت صادقاً، فلا يحل أن تولّي من لا يحسن.
قال رجل من الأعراب ضرير النظر لابنته، وهي تقوده في المرعى:يا بنية انظري كيف ترين السماء؟ قالت كأنها قرون المعزي. قال:ارعي.فرعت ساعة، فقال: انظري كيف ترين السماء؟ قالت كأنها خيل دهم تجرّ جلالها.قال:ارعي. فرعت ساعة ثم قال:انظري كيف ترين السماء؟ قالت: كأن الرباب نعام تعلق بالأرجاء من السماء، قال:ارعي. ثم قال:انظري كيف ترين السماء؟ قالت. ابيضت واسودت ودنت فكأنها عين نفسٍ تطرف. قال: أنجي ولا أراك ناجية.
قال عمر بن الخطاب: لا يحل لامرئٍ مسلم سمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوءاً، وهو يجد لها في شئ من الخير مخرجاً. قال عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه: لا ينتفع بنفسه من لا ينتفع بظنه.
قال علىّ بن طالب: حسن الظنّ باللّه ألا ترجو إلا اللّه، ولا تخاف إلا ذنبك. قال الحسن البصرىّ: إنّ المؤمن إذا أحسن الظن أحسن العمل.
قال أبو مسلم الخولانى: أتّقوا ظنّ المؤمن، فإن اللّه جعل الحقّ على لسانه وقلبه. قال عبد اللّه بن عباس: كفى بك ظلما ألا تزال مخاصماً، وكفى بك إثماً ألا تزال ممارياً.
عن ابن مسعود: قال عبد الرحمن بن أبى ليلى: ما أمارى أخي أبداً، لأنى أرى أنى إما أن أكذبه وإما أن أغضبه. قال عبد اللّه بن حسين على رضى اللّه عنهم: المراء رائد الغضب، فأخزى اللّه عقلا يأتيك به الغضب.
قال محّمد بن على بن حسين: الخصومة تمحق الدين وتنبت الشحناء في صدور الرجال. كان يقال: لاتمار حليماً ولا سفيهاً، فإن الحليم يغلبك، والسفيه يؤذيك.
قيل لعبد الله بن حسين: ما تقول في المراء؟ قال: يفسد الصداقة القديمة، ويحلّ العقدة الوثيقة، وأقل ما فيه أن يكون دريثة للمغالبه والمغالبه، أمتن أسباب القطيعه.
قال عبد الله بن عباس لمعاويه: هل لك في المناظرة فيما زعمت أنك خاصمت فيه أصحابى؟ قال: وما تصنع بذلك؟ أشغب بك وتشغب بي، فيبقى في قلبك ما لا ينفعك، ويبقى في قلبى ما يضرك.
قال إبراهيم التّيمى: إياكم والمخاصمات في الدين، فإنها تحبط الأعمال. قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه عرضاً للخصومات أكثر التنقل.
قال الأوزاعىّ: إذا أراد اللّه بقوم شراً ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل. قال ابن أبي الزناد: ما أقام الجدل شيئاً إلا كسره جدل مثله.
4. فوائد من كتاب بهجة المجالس
((الإبانة الكبرى)) لابن بطة (2/ 531).
عنِ الأصمَعيِّ قال: سَمِعتُ أعرابيًّا يقولُ: (مَن لاحى الرِّجالَ وماراهم قَلَّت مُروءتُه، وهانَت كرامَتُه، ومَن أكثَرَ مِن شَيءٍ عُرِف به)
قال معاذ بن جبل: إذا كان لك أخ في اللّه فلا تماره، ولا تساره الحديث. قال لقمان لابنه: يا بنى لا تمارين حكيماً، ولا تجادلن لجوجاً، ولا تعاشرن ظلوماً، ولا تصاحبنّ متهماً.
قال لقمان لابنه: يا بنى من قصّر في الخصة خصم، ومن بالغ فيها أثم فقل الحق ولو على نفسك، ولا تبال من غضب.
سب أعرابي أعرابياً، فسكت. فقيل له: لم سكتّ عنه؟ فقال: مالى علم بما فيه، وكرهت أن أبهته بما ليس فيه.
أعطى الحسن بن على شاعراً، فقيل له: تعطى من يقول البهتان، ويعصي الرحمن؟ فقال: إن خير ما بذلت به من مالك ما وقيت به من عرضك، ومن ابتغى الخير اتقى الشر. وقد روى عن ابن شهاب مثل ذلك فى شاعر مدحه فأعطاه.
قد كان يقال: إعطاءُ الشاعر من بر الوالدين. قال مالك بن دينار: كيف يتيه من أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك حاملٌ عذرة.
كان يقال: لولا ثلاثٌ سلم النّاس: شحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه. قال جعفر بن محمد: علم اللّه عز وجل أن الذنب خير للمؤمن من العجب، ولولا ذلك ما ابتلى مؤمن بذنب.
قال بلال بن سعيد: إذا رأيت الرجل لجوجاً ممارياً فقد تمت خسارته. قال بعض الحكماء: البلية التي لا يؤجر عليها المبتلى بها: العجب، والنعمة التي لا يحسد عليها: التواضع.
قال على بن محمد: إنما أهلك الناس العجلة والعجب، ولو ثبتوا ولم يعجلوا لم يهلك منهم أحد. قال ابن أبى ليلى: ما رأيت ذا عجب قطّ إلا اعتراني بعض دائه. يريد أنه يبعثه على مكافأته بالتكبر عليه.
قال بعض الحكماء: من استطاع أن يمنع نفسه أربعاً كان جديرا ألا ينزل به مكروه: العجلة، واللجاجة، والتواني، والعجب.
قال بعض الحكماء: رأس الحكمة طاعة اللّه، وتقديم حسن النية، وعراها التواضع في الحقّ، والإنصاف في المناظرة، والإقرار بما يلزم من الحجة، وثمرتها حفظ الثواب، في العاجلة، والنجاة في العاقبة، وحقّها العمل بها، وألاّ تمنع من من مستحقها، وأن توقر أوعيتها لوقارها.
قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ما من أحدٍ إلاّ وفي عنقه حكمةٌ موكل بها ملك، يقول اللّه به: إن تواضع عبدى فارفعه، وإن ارتفع فضعه.
قال بكر بن عبد اللّه المزنى: ما أرى امرءًا إلاّ رأيت له الفضل علىّ، لأنّي من نفسى على يقين، وأنا من النّاس على شك.
قال عبد اللّه بن مسعود: إن من التواضع الرّضا بالدّون من شرف المجلس، وأن تسلّم على من لقيت. قال عبد اللّه بن المبارك: التعزّز على الأغنياء تواضع.
كان يقال: بالتواضع تتمّ النعمة، وبالتكبر تحق النقمة. كان يقال: ثمرة القناعة الرّاحة، وثمرة التواضع المحبة.
كان سليمان عليه السلام يجئ إلى أوضع المجالس بنى إسرائيل فيجلس معهم فيقول: مسكينٌ بين ظهرانى مساكين.
قال لقمان لابنه: يا بنىّ تواضع للحقّ، تكن أعقل الناس قال أبو الدّرداء: ليس الذي يقول الحق ويفعله بأفضل من الذي يسمعه فيقبله.
قال بعض الحكماء: إذا نسك الشريف تواضع، وإذا نسك الوضيع تكبّر. قال سالم بن قتيبه: ما تكبّر في ولايته إلا من كبرت عنه، ولا تواضع فيها إلا من كبر عنها.

