حكمــــــة
حكمــــــة
قال ابن القيم رحمه الله في مختصر المدارج :
اعلم أن القلب إذا خلا من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها من مالٍ أو رياسة أو صورة ، وتعلق بالآخرة وبالاهتمام بها من تحصيل العدة والتأهب للقدوم على الله - عز وجل - فذلك أول فتوحه وتباشير فَجْرِه ؛ فعند ذلك يتحرك قلبه لمعرفة ما يرضى به ربه منه فيفعله ويتقرب به إليه، وما يسخطه منه فيجتنبه وهذا عنوان صدق إرادته ؛ فإن كل من أيقن بلقاء الله وأنه سائله عن كلمتين:
ماذا كنتم تعبدون ؟ وماذا أجبتم المرسلين ؟
لابد أن ينتبه لمعرفة معبوده والطريق الموصلة إليه ؛ فإذا تمكن في ذلك فتح له باب الأنس بالخلوة والوحدة والأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات والحركات فإنه حينئذ تجتمع عليه قوى قلبه وتسد عنه الأبواب التي تفرق همه وتشتت قلبه ثم يفتح له باب حلاوة العبادة بحيث لا يكاد يشبع منها ؛ بحيث أنه إذا دخل في الصلاة ود أنه لا يخرج منها، ثم يفتح له باب حلاوة استماع كلام الله - عز وجل -، ثم يفتح له باب عظمة الله المتكلم به وشهود جلاله، ثم يفتح له باب الحياء من ربه ؛ وهو أول شواهد المعرفة وهو نور يقع في القلب يريه ذلك النور أنه واقف بين يدي ربه - عز وجل - فيستحي منه في خلواته وجلواته ، ويرزق عند ذلك دوام المراقبة للرقيب الأعظم ودوام التطلع إلى حضرة العلي الأعلى حتى كأنه يراه ويشاهده فوق سماواته مستويًا على عرشه ناظرًا إلى خلقه سامعًا لأصواتهم وشاهدًا لبواطنهم، ثم يفتح له باب الشعور بمشهد القيومية فيرى سائر التقلبات الكونية وتصاريف الوجود بيده سبحانه ؛ فعند ذلك إذا وقع نظره على شيءٍ من المخلوقات دله على خالقه وبارئه بل يناديه كل شيءٍ من المخلوقات بلسان حاله أنا صنع الله الذي أتقن كل شيءٍ خلقه ؛ فالسعيد كل السعيد والموفق كل الموفق من لم يلتفت عن ربه تبارك وتعالى يمينًا ولا شمالاً، ولا اتخذ سواه ربًا ولا وكيلاً ولا مدبرًا ولا ناصرًا ولا حبيبًا.. إلخ