حياتك جنات
A
اسمع الى الوحي يخاطبك بأن ترتفع (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ)(آل عمران: الآية139)، لا يصيبك إحباط ولا يأس ولا فشل، وأنت تسجد لله ومعك القرآن، وقد هديت الى تكبيرة الإحرام، ومعك أخوة صالحون، ومعك دعاة وعلماء، إن الله يحب معالي الأمور.
يقول أحد الخطباء في العصر العباسي: إذ أعجبتك وجبة شهية فقدمها للفقير، فإنك سوف تأكلها في الجنة، ولا تأكلها أنت فإنك سوف تلقيها في بيت الخلاء. وهذا من فقهيات سمو الهمم.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى واصفاً الهمّة العالية: (علو الهمّة ألا تقف (أي النفس) دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلاً منه، ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية. فالهمّة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور،لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإن الهمّة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها، وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان)
حذر السلف كثيراً من سقوط الهمّة وقصورها، فقد قال الفاروق عمر رضي الله عنه: (لاتُصُغِّرَنّ همتك، فإني لم أرَ أقْعَدَ بالرجل من سقوط همته).
قيل: (المرء حيث يجعل نفسه، إن رفعها ارتفعت، وإن قصر بها اتّضعت).
الهمّة قسمان: وهيبة، وكسبية: فالوهبيّة هي ما وهبه الله تعالى للعبد من علو الهمّة أو سفولها، ويمكن أن تنمى وتُرعى أو تهمل وتترك، فإن نماها صاحبها وعلا بها صارت كسبية، أي أن صاحب الهمّة كسب درجات عالية لهمته، وزاد من أصل مقدارها الذي وهبه الله تعالى إياه، وإن تركها وأهملها ولم يلتفت إليها خَبَتْ وتضاءلت والهمّة في هذا تشترك مع باقي الصفات العقلية والخلقية كالذكاء وقوة الذاكرة وحسن الخلق وغير ذلك مما هو معلوم بَدَهِيّ.
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (وقد عرفت بالدليل أن الهمّة مولودة مع الآدميّ، وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات، فإذا حُثَّت سارت، ومتى رأيت في نفسك عجزاً فَسَلِ المنعم، أو كسلاً فالجأ إلى الموفِّق، فلن تنال خيراً إلا بطاعته، ولا يفوتك خيرٌ إلا بمعصيته)
مراتب الهمم: الناس متفاوتون في أمرين: الأمر الأول: مطالبهم وأهدافهم. والآخر: الهمم الموصلة إلى هذه المطالب و الأهداف. فمن الناس من يطلب المعالي بلسانه وليس له همة في الوصول إليها، فهذا متمنٍّ مغرور.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه،فأشرف الناس نفساً وأعلاهم همة وأرفعهم قدراً من لذتهم في معرفة الله ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتودد إليه بما يحبه ويرضاه).
قال ابن القيم: (ولله الهمم ما أعجب شأنها وأشد تفاوتها!، فهمة متعلقة بالعرش، وهمة حائمة حول الأنتان والحُش).
مراتب الهمم متفاوتة فيما يلي: همة لا تسعف صاحبها لقضاء حوائجه الأساسية بل يظل عامة ليله وسحابة نهاره في نوم وتراخ وكسل، وهذه أدنى درجات الهمم – والعياذ بالله – وصاحبها عاجز قاصر يعتمد على الناس اعتماداً كلياً، وهذه المرتبة قليلة في النوع الإنسانيّ، ولله الحمد. ومن أمثلتها في الناس الطفيليون، وطبقة التنابلة المشتهرين في التاريخ بكسلهم وسقوط هممهم.
من الهمم همة ترقى بصاحبها إلى قضاء الحوائج والسعي في الأرض وأداء الفروض، ولكن كل هذا يقضيه بقدر بحيث يستصعب معه كثيراً من الأمور، ويعتقد استحالتها وهي أمور ممكنة التحقق عند غيره، وتجده – عند الاستشارة- كثير الصدّ قريب القصد. وهذه المرتبة من الهمّة يشترك فيها كثير من الناس إن لم نقل أغلبهم.
من الناس من يريد الارتفاع بهمته ولكنه لا يعرف سبل استثمارها ولا كيفية الاستفادة التامة منها، فتجده متذبذباً في أموره، فتارة ينجز أموراً عظيمة، وتارة يستصعب الممكن ويستبعده. والغالب على أهل هذه المرتبة أنهم لا يحققون ما يصبون له يتطلعلون إليه.
من الناس من تتجاوز به همته واقع الناس بكثير وتتعداه، بل تكاد تستسهل المستحيل ولا تخضع له، وصاحب هذه الهمّة نادر في دنيا البشر، ولكنه موجود معروف، يعرفه الناس ويقتدون به. والغالب على صاحب هذه الهمّة أنه يحقق أهدافه وغايته، بل يحقق أموراً تحتاج في تصور معظم الناس إلى فريق من العاملين لإنجازها.
أهمية علو الهمّة في حياة المسلم: يقول ممشاد الدينوريّ: (همتك فاحفظها، فإن الهمّة مقدمة الأشياء، فمن صلحت له همته وصدق فيها صلح له ما وراء ذلك من الأعمال).
يقول ابن القيم رحمه الله: (لابد للسالك من همة تسيِّره و ترقيه، وعلم يبصِّره ويهديه).
الصدِّيق رضي الله عنه استطاع – في أقل من سنتين – أن يخرج من دائرة حصار المرتدين، ولم يمت إلا وجيوشه تحاصر أعظم إمبراطوريتين في ذلك الوقت، هذا وقد نهاه كبار الصحابة عن حرب المرتدين وظنوا أنه لا يستطيع أن يقوم في وجه العرب كلهم، ولكن همته العالية أبَتْ عليه ذلك واستطاع أن ينجز ما ظنه الناس خيالاً لا ينجز.
شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله الذي استطاع في مدة وجيزة إخراج مجتمعه من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد بهمة وعزيمة نادرتين.
هذا معاذ بن جبل رضي الله عنه على فراش الموت يذكر أموراً تدل على همّته في العبادة والزهد، فروي عنه أنه قال: (اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا ولا طول المكث فيها لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل، وظمأ الهواجر في الحر الشديد، ولمزاحمة العلماء بالركب في حلَق الذكر) حلية الأولياء.هذا وقد كان يعيش في دمشق ولكنه علا بهمته عما فيها من مغريات وجمال.
إن الإسلام – وهو الدين الشامل الخاتم – قد أبيح فيه الترويح والتنفيس، ولكن أن يُخطأ في تقدير هذا الترويح فيُجعل هو الأصل، فهذا من الدنايا التي تُنزه عنها الأديان وترتفع عنها همة الإنسان
قيل: (ذو الهمّة وإن حط نفسَه تأبى إلا العلوّ، كالشعلة من النار يخفيها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعاً) محاضرات الأدباء).
3- اعتراف الشخص بقصور همته وأنه لا بد له أن يطورها ويعلو بها: وهذا أمر أوليّ نفسيّ لا مناص منه في هذا الباب، ومن ثَمّ لا بد أن يعتقد أنه قادر على أن يكون من أهل الهمّة العالية، فهذان الأمران – الاعتراف بقصور الهمّة، واعتقاد إمكانية تطويرها – عاملان مهمان لابد منهما في محاولة تطوير الهمّة، وبدونهما لا يكون الشخص قد خطا خطوات صحيحة.
2 - الدعاء الصادق و الالتجاء إلى الله تعالى: فهو المسؤول سبحانه أن يقوي إرادتنا، ويعلي همتنا، ويرفع درجاتنا.
4 - قراءة سير سلف الأمة: أهل الجد والاجتهاد والهمّة العالية، الذين صان الله تعالى بهم الدين، فكم من إنسان قرأ سيرة صالح مجاهد فتغيرت حياته إثر ذلك تغيراً كلياً، وصلح أمره وحسن حاله.
7 - التنافس والتنازع بين الشخص وهمته: أعني بهذا أن على مريد تطوير همته أن يضيف أعباءً وأعمالاً يومية لنفسه لم تكن موجودة في برنامج حياته السابق، بحيث يحدث نوع من التحدي داخل الإنسان لإنجاز ما تحمله من أعباء جديدة، ويجب أن تكون هذه الإضافة مدروسة بعناية وإحكام حتى لا يصاب الشخص بالإحباط واليأس ويجب عليه كذلك أن يحسن اختيار هذه الأعمال والأعباء الجديدة بحيث تكون مبلغة له إلى الكمال، (فمن كانت همته حفظ جميع كتب محمد بن الحسن فالظاهر أنه يحفظ أكثرها أو نصفها) تعليم المتعلم. فالتحدي الذي نشأ في نفسه بسبب رغيته في حفظ كتب معينة سيوصله إلى حفظ أكثرها، والله أعلم.
8 - الدأب في تحصيل الكمالات والتشوق إلى المعرفة: فمن استوى عنده العلم والجهل، أو كان قانعاً بحاله وما هو عليه فكيف تكون له همة أصلاً، قال ابن حجر رحمه الله يصف حال الإمام جلال الدين البُلْقِينيّ: (ما رأيت أحداً ممن لقيته أحرص على تحصيل الفائدة منه، بحيث إنه كان إذا طرق سمعَه شيء لم يكن يعرفه لا يقر ولا يهدأ ولا ينام حتى يقف عليه ويحفظه، وهو على هذا مكب على الاشتغال، محب في العلم حق المحبة) الضوء اللامع للأهل القرن التاسع.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (قال لي يوماً شيخ الإسلام قدس الله روحه في شيء من المباح: هذا ينافي المراتب العالية وإن لم يكن تركه شرطاً في النجاة، فالعارف يترك كثيراً من المباح برزخاً بين الحلال والحرام) (مدارج السالكين). هذا والذي لام عليه الإمام ابن تيمية تلميذه (شيء من المباح)، فما بالكم بما نراه اليوم من تمتع الدعاة بمباحات ونعيم لا يعرفه الملوك السالفون.
ح - الكسل والفتور: (لابد للمرء من البعد عن الكسل لأنه قاتل للهمّة مُذهب لها، وخاصة عند تقدم العمر وعجز الجسم، فهذا شيخ الإسلام زكريا الأنصاريّ رحمه الله تعالى (كان يصلي النوافل من قيام مع كبر سنه وبلوغه مائة سنة أو أكثر، وهو يميل يميناً وشمالاً لا يتمالك أن يقف بغير ميل للكبر والمرض، فقيل له في ذلك فقال: يا ولدي، النفس من شأنها الكسل وأخاف أن تغلبني وأختم عمري بذلك).
أقوال تبين ما في العجز والكسل والفتور من آفات: - (ما لزم أحد الدَّعَة إلا ذَلّ، وحب الهوينا يُكسب الذلّ، وحب الكفاية مفتاح العجز) (محاضرات الأدباء).
