درر الكلام
A
مبنى الفاتحة على العبودية، فإن العبودية إما محبة أو رجاء أو خوف، و { الْحَمْدُ للّهِ } محبة، و { الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ } رجاء، و { مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } خوف! وهذه هي أصول العبادة، فرحم الله عبدا استشعرها، وأثرت في قلبه، وحياته.
أذهلني يوما قوله تعالى: { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ } فقلت: يا لطيف! علمت أن قلوب أوليائك الذين تتراءى لهم تلك الأهوال لا تتمالك؛ فلطفت بهم فأضفت " الملك " إلى أعم اسم في الرحمة فقلت:{الرحمن} ! ولو كان بدله اسما آخر كالعزيز والجبار؛ لتفطرت القلوب. [الزركشي]
فقد ضمن الله للمتقين أن يجعل لهم مخرجا مما يضيق على الناس، وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون، فإذا لم يحصل ذلك، دل على أن في التقوى خللا، فليستغفر الله، وليتب إليه ". [ابن أبي العز الحنفي]
{ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن:46] قال غير واحد من السلف: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر الله فيدعها من خوفه. [الدر المنثور]
قيل لرجل من الفقهاء: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} فقال الفقيه: والله إنه ليجعل لنا المخرج وما بلغنا من التقوى ما هو أهله، وإنه ليرزقنا وما اتقيناه كما ينبغي، وإنه ليجعل لنا من أمرنا يسراً وما اتقيناه، وإنا لنرجو الثالثة: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا}. [حلية الأولياء]
كان مطرف بن عبدالله إذا تليت عليه هذه الآية: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ } قال: فلو يعلم الناس قدر مغفرة الله ورحمته وتجاوز الله لقرت أعينهم، ولو يعلم الناس قدر عذاب الله، ونكال الله، وبأس الله، ما رقي لهم دمع، ولا انتفعوا بطعام ولا شراب.
{ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [آل عمران:139] للعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان! [ابن القيم]
قال سليمان عليه السلام: { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي } [ص:35] فبدأ بطلب المغفرة قبل طلب الملك العظيم؛ وذلك لأن زوال أثر الذنوب هو الذي يحصل به المقصود، فالذنوب تتراكم على القلب، وتمنعه كثيرا من المصالح، فعلى المؤمن أن يسأل ربه التخلص من هذه الذنوب قبل أن يسأل ما يريد. [ابن عثيمين]
{ مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا } [نوح:25] هذه الآية ومثيلاتها دالة دلالة صريحة على أن ما يصيبنا من كوارث إنما هو بسبب خطايانا. ومحاولة بعض الناس الهرب عن معاني مثل هذه الآيات والتشكيك فيها إنما هو مصادمة لصريح القرآن، وغفلة عن تدبر معانيه والانتفاع بها، وتطمين للمذنبين، وادعاء للكمال في النفس والمجتمع، وهو علامة على قسوة القلب { فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } [الأنعام:43] [فهد العيبان]
ما الفرق بين قوله تعالى: { وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [المجادلة:4]، وقوله بعدها: { إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ } [المجادلة:5]؟ الفرق أن الكافرين على نوعين: فالكافر غير المحاد لله ورسوله له عذاب أليم، أما الكافر المحاد والمعادي لله ورسوله فله مع العذاب الأليم الكبت والإذلال والقهر والخيبة في الدنيا والآخرة، فناسبت كل خاتمة ما ذكر قبلها. [الإسكافي]
{وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} [هود:117] تأمل في الجملة الأخيرة (وأهلها مصلحون) ولم يقل: صالحون؛ لأن الصلاح الشخصي المنزوي بعيدا، لا يأسى لضعف الإيمان، ولا يبالي بهزيمة الخير، فكن صالحا مصلحا، وراشدا مرشدا.
لم يرد في القرآن تحريم لحم حيوان باسمه إلا الخنزير، مع أنه لم يكن كثيرا بأرض العرب، أليس هذا غريبا؟ إن الغرابة تزول حين نعلم أن الخنزير اليوم من أكثر الأطعمة انتشارا في الأرض.. إنها عالمية القرآن.
رأيت الناس يذم بعضهم بعضا، ويغتاب بعضهم بعضا، فوجدت أصل ذلك من الحسد في المال والجاه والعلم، فتأملت في قوله تعالى: { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } [الزخرف:32] فعلمت أن القسمة كانت من الله في الأزل، فما حسدت أحدا، ورضيت بقسمة الله تعالى. [حاتم الأصم]
الإنسان إذا أحس بالأمانة التي يتحملها، وبجسامة التوقيع عن رب العالمين، أحس بخطر الفتوى، ولم يلق الكلام على عواهنه، فإن الله تعالى يقول: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [الأعراف:33] [محمد الحسن الددو]
{ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء } [البقرة:268] يقول أحدهم - وهو من أغنياء الرياض -: لا زلت أذكر ضعفاء الناس منذ أكثر من ثلاثين سنة يقولون: التعليم الديني ليس له مستقبل ولا وظائف، يتألون على الله، وقد تخرجت من كلية شرعية وترقيت بحمد الله، وما زلنا نرى الناس كذلك، ومن لم يجد وظيفة فكم ممن له تخصص دنيوي لم يجد كذلك، فالرزق بيد الله، وكل يدخل ما هو أنسب له.
رأيت الخلق يقتدون أهواءهم، ويبادرون إلى مرادات أنفسهم، فتأملت قوله تعالى: { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } [النازعات:40-41] وتيقنت أن القرآن حق صادق، فبادرت إلى خلاف نفسي وتشمرت بمجاهدتها، وما متعتها بهواها، حتى ارتاضت بطاعة الله تعالى وانقادت. [حاتم الأصم]
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } [النور:21] قال شوقي: نظرة فابتسامة فسلام ** فكلام فموعد فلقاء.. ويكثر هذا في: أماكن العمل المختلطة حسا أو معنى: كالمستشفيات، وبعض المنتديات ومواقع الشبكات. ومن أعظم ما يقطع هذه الخطى الشيطانية تذكر: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } [الرحمن:46]
قال إبراهيم التيمي: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار؛ لأن أهل الجنة قالوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر:34] وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة؛ لأنهم قالوا: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} [الطور:26]
من أحب تصفية الأحوال فليجتهد في تصفية الأعمال: يقول تعالى: { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا } [الجن:16] قال أبو سليمان الداراني: " من صفى صفي له، ومن كدر كدر عليه ". علق ابن الجوزي: " وإنما يعرف الزيادة من النقصان المحاسب لنفسه، فاحذر من نفار النعم، ومفاجأة النقم، ولا تغتر ببساط الحلم، فربما عجل انقباضه ".
قوله تعالى: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } [يوسف:87] رغم كثرة المصائب وشدة النكبات والمتغيرات التي تعاقبت على نبي الله يعقوب عليه السلام، إلا أن الذي لم يتغير أبدا هو حسن ظنه بربه تعالى [صالح المغامسي].
في قوله تعالى: {إن الإنسان لربه لكنود} [العاديات:6] قال قتادة والحسن: الكفور للنعمة.[الدر المنثور] وفي هذا تسلية للمرء إذا وجد قلة الوفاء من الخلق، فإذا كان جنس الإنسان كنودا جحودا لربه؛ وهو الذي أوجده وأكرمه، فكيف لا يكون فيه شيء من ذلك الجحود مع سائر الخلق وهم نظراؤه وأقرانه؟
حينما تهم بالنفقة، ثم تغل يدك خشية الفقر؛ فاعلم أن الشيطان قد نفذ المهمة: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ}[البقرة:268] [إبراهيم السكران]
{ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } [البقرة:67]. الاستهزاء من صفات الجاهلين، حتى لو كان المستهزأ به بهم أهل ضلال وعناد ومكابرة. [د. الشريف حاتم العوني]
{ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا } [النساء:27] هذا بيان صريح من الذي يعلم السر وأخفى - سبحانه - أن هذا الصنف من الناس - سواء كانوا صحفيين أو كتابا أو روائيين أو أصحاب قنوات هابطة - يريدون يميلوا بالأمة ميلا، وأكد هذا الميل بأنه عظيم، إذ لا تكفيهم مشاريع الإغواء الصغيرة. [د. عبدالمحسن المطيري]
عن أبي عروة قال: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلا ينتقص الصحابة، فقرأ مالك هذه الآية: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ } حتى بلغ: { يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ } [الفتح:29]. فقال مالك: من أصبح في قلبه غيظ على أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقد أصابته الآية. [حلية الأولياء]
{ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [الأنبياء:87]. فالتهليل والتسبيح يجليان الغموم، وينجيان من الكرب والمصائب، فحقيق على من آمن بكتاب الله أن يجعلها ملجأ في شدائده، ومطية في رخائه ثقة بما وعد الله المؤمنين من إلحاقهم بذي النون في ذلك حيث يقول: { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ } [الأنبياء:88]. [القصاب]
قال الليث: يقال: ما الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن؛ لقول الله جل ذكره: { وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [الأعراف:204] ولعل من الله سبحانه وتعالى واجبة. [لمحات الأنوار للغافقي]
إذا أردت أن تعرف قيمة عمل القلب، ومنزلته عند الله، فتأمل هذه الآية: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} فماذا ترتب على صدقهم وإخلاصهم؟ { فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا } [الفتح:18-19]. فما أحوجنا لتفقد قلوبنا! [د.عمر المقبل]
قال بعضهم: ما افتقر تقي قط، قالوا: لم؟ قال: لأن الله يقول: { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } [الطلاق:2] والآية اقتضت أن المتقي يرزق من حيث لا يحتسب، ولم تدل على أن غير المتقي لا يرزق، فالكفار قد يرزقون بأسباب محرمة، وقد لا يرزقون إلا بتكلف، وأهل التقوى يرزقهم الله من حيث لا يحتسبون، ولا يكون رزقهم بأسباب محرمة، والتقي لا يحرم ما يحتاج إليه من الرزق، وإنما يحمى من فضول الدنيا، رحمة به. [ابن تيمية]
يقول أحد التائبين من المخدرات: 40 عاما عشتها مع المخدرات، لم أعرف فيها للحياة طعما، وتقطعت حبالي بيني وبين ربي، وبين أكثر عباده، ولم يردني إلى الله إلا آية واحدة سمعتها، فوقرت في قلبي، فشعرت أنها تختصر معاناتي طوال هذه السنين كلها، إنها قول العليم الخبير: { نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ }! [الحشر:19].
إن يونس لما كانت ذخيرته خيرا نجا بها: { فلولا أنه كان من المسبحين* للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } [الصافات:143-144] وفرعون لما لم تكن ذخيرته خيرا، لم يجد عند الشدة مخلصا بل قيل له: { آلآن وقد عصيت قبل } [يونس:91] فاجعل لك ذخائر خير من تقوى، تجد تأثيرها.. [ابن الجوزي]
من الإعجاز اللفظي في القرآن: { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ } [يونس:107] ففي الضر قال: (يمسسك) بينما قال في الخير: (وإن يردك)؛ لأن الأشياء المكروهة لا تنسب إلى إرادة الله؛ ولأن الضرر عند الله ليس مرادا لذاته بل لغيره؛ ولما يترتب عليه من المصالح، بينما الخير مراد لله بذاته، ومفعول له. [ابن عثيمين]
قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: من أعجب الأشياء أن تعرف ربك ثم لا تحبه وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن الاجابة وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعمل غيره وان تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته.
قال ابن القيم رحمه الله: " المؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشا وأنعمهم بالا وأشرحهم صدرا وأسرهم قلبا، وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة "
مختارات من الحكم والمواعظ
مدارج السالكين لابن القيم
كلما كان العبد حسن الظن بالله حسن الرجاء له صادق التوكل عليه: فإن الله لا يخيب أمله فيه ألبتة، فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل ولا يضيع عمل عامل.
فائدة
من كتاب لا تحزن
يقولُ ابنُ القيِّم: (أجمع العارفون بالله على أنَّ الخِذْلان: أنْ يكلك اللهُ على نفسِك، ويُخلِّي بينك وبينها. والتوفيقُ أنْ لا يكِلك اللهُ إلى نفسِك.
من وطن قلبه عند ربه سكن واستراح، ومن أرسله في الناس اضطرب واشتد به القلق. لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة. إذا أحب الله عبدا اصطنعه لنفسه واجتباه لمحبته واستخلصه لعبادته فشغل همته بخدمته.
ما أتي من أتي إلا من قِبَل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء، ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء. وملاك ذلك الصبر فإنه من الإيمان بمنزله الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس فلا بقاء لجسد.
ودع ابن عون رجلاً فقال: عليك بتقوى الله، فإن المتقي ليست عليه وحشة. وقال زيد بن أسلم كان يقال: من اتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا. وقال الثوري لابن أبى ذئب: إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لن يغنوا عنك من الله شيئا
قال أبو سليمان الدارانى: من صدق فى ترك شهوة أذهبها الله من قلبه، والله أكرم من أن يعذب قلبا بشهوة تركت له.
قال سفيان الثورى - رحمه الله -: إذا زهد العبد فى الدنيا أنبت الله الحكمة فى قبله، وأطلق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا وداءها ودواءها.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من أصلح بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح أمر آخرته أصلح الله أمر دنياه، ومن كان له من نفسه واعظ كان عليه من الله حافظ.
أنت في الشر أجرى من جواد وفي الخير أبطأ من أعرج معاصيك أشهر من الشمس وتوبتك أخفى من السها الزكاة عندك أثقل من " أحد " والصلاة عليك كثقل صخر على صدر طريق المسجد في حسبان كسلك كفرسخي " دير كعب " صدرك عند حديث الدنيا أوسع من البحر ووقت العبادة أضيق من عقد التسعين.
قال يحيى بن معاذ رحمه الله: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتفكر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين.
قال يحيى بن معاذ رحمه الله: على قدر خوفك من الله يهابك الخلق، وعلى قدر حبك لله يحبك الخلق، وعلى قدر شغلك بالله يشتغل الخلق بأمرك.
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك.
قال سعيد بن جبير رحمه الله: إن الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيته بينك وبين معصيتك فتلك الخشية والذكر طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكره ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن أكثر التسبيح وتلاوة القرآن.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك وأن تباهى الناس بعبادة ربك فإن أحسنت حمدت الله وإن أسأت استغفرت الله ولا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين رجل أذنب ذنباً فهو تدارك ذلك بتوبة أو رجل يسارع في الخيرات.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: احفظوا عني خمساً فلو ركبتم الإبل في طلبهن لأنضيتموهن (أي أهلكتم الإبل وما وصلتم إليهن) قبل أن تدركوهن لا يرجو عبد إلا ربه ولا يخاف إلا ذنبه ولا يستحي جاهل أن يسأل عما لا يعلم ولا يستحي عالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول الله أعلم والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا إيمان لمن لا صبر له.
قال الحسن البصري رحمه الله: يا ابن آدم نهارك ضيفك فأحسن إليه، فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمك.
قال الحسن البصري رحمه الله: ما نظرت ببصري ولا نطقت بلساني ولا بطشت بيدي ولا نهضت على قدمي حتى أنظر أعلى طاعة أو على معصية؟ فإن كانت طاعته تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت.
لا تسكن الحكمة قلباً فيه ثلاث خصال: هم الرزق، وحسد الخلق، وحب الجاه؛ أعداء الإنسان ثلاثة: دنياه، وشيطانه، ونفسه، فاحترز من الدنيا بالزهد، ومن الشيطان بمخالفته، ومن النفس بترك الشهوات
قال عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه: لا تعتمد على خلق رجل حتى تجربه عند الغضب.
قال عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه: إنّ مما يصفى لك ودّ أخيك أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحبّ الأسماء إليه، وأن توسّع له في المجلس.
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: إذا أحببت أن يدوم الله لك على ما تحب فدم له على ما يحب.
قال علي بن أبي طالب رضى الله عنه: التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل.
كتب أبو الدرداء إلى بعض إخوانه، أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله، والزهد في الدنيا، والرغبة فيما عند الله، فإنك إذا فعلت ذلك أحبك الله لرغبتك فيما عنده، وأحبك الناس لتركك لهم دنياهم، والسلام.
عن الفضيل بن عياض قال: عاملوا الله عز وجل بالصدق في السر، فإن الرفيع من رفعه الله، وإذا أحب الله عبداً أسكن محبته في قلوب العباد.
قال الفضيل: " لم يتزين الناس بشيء أفضل من الصدق وطلب الحلال ".
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: لو أنَّ لي دعوةً مستجابة ما جعلتها إلا في إمامٍ، فصلاحُ الإمام صلاحُ البلاد والعباد. [السير (تهذيبه) 2/777].
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: والله الذي لا إله غيره ما يضر عبدا يصبح على الإسلام ويمسي عليه ما أصابه في الدنيا.
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: لو تعلمون ما أنتم راءون بعد الموت لما أكلتم طعاماً على شهوة ولا شربتم شراباً على شهوة ولا دخلتم بيتاً تستظلون فيه ولخرجتم إلى الصعدات تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم ولوددت أنكم شجرة تعضد ثم تؤكل.
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضى بالقدر والإخلاص في التوكل والاستسلام للرب عز وجل.
قال محمد بن سيرين رحمه الله: إذا أراد الله تعالى بعبد خيرا جعل له واعظا من قلبه يأمره وينهاه.
قال مالك بن دينار رحمه الله: منذ عرفت الناس لم أفرح بمدحتهم ولا أكره مذمتهم قيل ولم ذلك قال لأن مادحهم مفرط وذامهم مفرط.
قال يونس بن عبيد رحمه الله: " خصلتان إذا صلحتا من العبد صلح ما سواهما من أمره: صلاته ولسانه ".
قال منصور: ما سألت إبراهيم النخعي قط عن مسئلة إلا رأيت الكراهية في وجهه، ويقول: أرجو أن تكون، وعسى. عن إبراهيم النخعي أنه قال: تكلمت ولو وجدت بدا ما تكلمت، فإن زمانا أكون فيه فقيه الكوفة لزمان سوء.
عن الزهري قال: كان عروة يتألف الناس على حديثه. وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال عروة بن الزبير: رب كلمة ذل احتملتها أورثتني عزا طويلا. وعنه عن أبيه قال إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة فاعلم أن لها عنده أخوات، وإذا رأيته يعمل السيئة فاعلم أن لها عنده أخوات، فان الحسنة تدل على أختها، وإن السيئة تدل على أختها.
كان عروة يقرأ ربع القرآن كل يوم نظرا في المصحف، ويقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله ثم عاود من الليلة المقبلة. دخل ابن له أكبر ولده اصطبله فرفسته دابة فقتلته فما سمع من أبي في ذلك شيء، حتى قدم المدينة فقال: اللهم إنه)كان لي بنون أربعة فأخذت واحدا وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد(وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد، وايم الله لئن أخذت فلقد أبقيت ولئن ابتليت طالما عافيت.
دخل هشام بن عبد الملك الكعبة، فإذا هو بسالم بن عبد الله فقال له: يا سالم سلني حاجة فقال له: إني لأستحيي من الله أن أسأل في بيت الله غير الله. فلما خرج خرج في أثره فقال له: الآن قد خرجت فسلني حاجة فقال له سالم: حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ فقال: بل من حوائج الدنيا. فقال له سالم: ما سألت من يملكها فكيف أسأل من لا يملكها.
عن شيبة بن نعامة قال: كان علي بن الحسين يبخل فلما مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة. وعن محمد بن إسحاق قال: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم. فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به بالليل. وكان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به، ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب عز وجل.
عن طاوس قال: رأيت علي بن الحسين ساجدا في الحجر فقلت: رجل صالح من أهل بيت طيب، لأسمعن ما يقول. فأصغيت إليه فسمعته يقول: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فقيرك بفنائك، فوالله ما دعوت الله بها في كرب إلا كشف الله عني.
قال محمد بن علي: الغني والعز يجولان في قلب المؤمن فإذا وصلا إلى مكان التوكل أو طناه. قال محمد بن علي: ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر إلا نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك، قل أو كثر. قال محمد: سلاح اللئام قبيح الكلام - وعنه قال: والله لموت عالم أحب إلى إبليس من موت سبعين عابدا.
عن الأسود بن كثير قال: شكوت إلى محمد بن علي الحاجة وجفاء الإخوان فقال: بئس الأخ أخ يرعاك غنيا ويقطعك فقيرا. ثم أمر غلامه فأخرج كيسا فيه سبع مائة درهم فقال: استنفق هذه فإذا نفدت فأعلمني. وعن أبي جعفر قال: اعرف المودة لك في قلب أخيك بما له في قلبك.
عن عمرو بن مهاجر قال قال لي عمر بن عبد العزيز إذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يدك في تلبابي ثم هزني ثم قال يا عمر ما تصنع؟ عن عمر انه لما كان مرضه الذي قبض فيه قال أجلسوني فأجلسوه ثم قال أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت ولكن لا اله إلا الله ثم رفع رأسه واحد النظر فقالوا له انك لتنظر نظرا شديدا فقال أني لأرى حضرة ما هم بأنس ولا جان ثم قبض رضي الله عنه.
بعث بعض الأمراء إلى عمر بن المنكدر بمال فجاء به الرسول فوضعه بين يديه فجعل عمر ينظر إليه ويبكي ويبكي ثم جاء أبو بكر فلما رأى عمر يبكي جلس يبكي لبكائه ثم جاء محمد فجلس يبكي لبكائهما. فاشتد بكاؤهم جميعا. فبكى الرسول أيضا لبكائهم ثم أرسل إلى صاحبه فأخبره بذلك فأرسل ربيعة بن أبي عبد الرحمن ليستعلم علم ذلك البكاء فقال عمر: والله إني خشيت أن تغلب الدنيا على قلبي فلا يكون للآخرة فيه نصيب فذلك الذي أبكاني فتصدق بالمال على فقراء أهل المدينة.
قال على بن أبي طالب رضي الله عنه: عَجَبـاً لمن يهلك ومَعه النجَـاة، قيـل لَه: ومَا هـي؟ قال: التّـوبَـة وَالاستـغـفَـار.
قالَ السعدِي رَحمه الله فِي تَفسيره: العَبد يَنبغِي لَه أن لا يَتكل علَى نفْسِه طرْفة عَين، بلْ لا يَزال مُستعِينا بربّه، مُتوكلا عَليه، سَائلا له التوْفيق، وَإذا حَصل لَه شَيء مِنَ التّوفيق، فَلينْسبه لمُوليه وَمسديه، وَلا يعجب بِنفسه لِقوْله: " وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِالله عَليْهِ تَوكّلْتُ وَإليهِ أُنِيب " [هود:88]
قال ابن المبارك رحمه الله: «من أعظم المصائب للرجل أن يعلم من نفسه تقصيرًا ثم لا يبالي، ولا يحزن عليه!».
قال يحيى بن معاذ رحمه الله: يا ابن آدم طلبت الدنيا طلب من لا بد له منها، وطلبت الآخرة طلب من لا حاجة له إليها، والدنيا قد كفيتها وإن لم تطلبها، والآخرة بالطلب منك تنالها فاعقل شأنك.
وقال أبو الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: خُيِّر سليمان بن داود عليهما السلام بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه.
قال سعيد بن المسيب من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه فما حقه أن يقول إلا خيراً
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال قال داود عليه السلام في مناجاته إلهي من يسكن بيتك وممن تتقبل الصلاة فأوحى الله إليه يا داود إنما يسكن بيتي وأقبل الصلاة منه من تواضع لعظمتي وقطع نهاره بذكري وكف نفسه عن الشهوات من أجلي يطعم الجائع ويؤوي الغريب ويرحم المصاب فذلك الذي يضيء نوره في السموات كالشمس إن دعاني لبيته وإن سألني أعطيته أجعل له في الجهل حلماً وفي الغفلة ذكراً وفي الظلمة نوراً وإنما مثله في الناس كالفردوس في أعلى الجنان لا نيبس أنهارها ولا تتغير ثمارها
قال عثمان بن عفان رضى الله عنه: «ما من عاملٍ يعمل عملًا إلاَّ كساه الله عز وجل رداء عمله» (فضائل عثمان بن عفان؛ لعبد الله بن أحمد).
قال عثمان بن عفان رضى الله عنه: «ما أسرَّ أحدٌ سريرةً إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه» وقال مرةً رضى الله عنه «لو أنَّ عبدًا دخل بيتًا في جوف بيتٍ فأدمن هناك عملًا، أوشك الناس أن يتحدَّثوا به، وما من عاملٍ يعمل إلا كساه الله رداء عمله؛ إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًا فشرٌّ» (الزهد والرقائق؛ لابن المبارك، والزهد؛ لنعيم بن حماد).
قال على بن أبى طالب رضى الله عنه يعزِّي رجلًا في ابنه: «إنَّك إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت مأزور!» (التعازي؛ لأبي الحسن المدائني).
قال على بن أبى طالب رضى الله عنه: «من لانت كلمته، وجبت محبَّته» (العقد الفريد).
قال أبو قلابة رحمه الله: أي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عياله صغارا فيعفهم وينفعهم الله تعالى ويغنيهم به.
قال معاوية بن قرة رحمه الله: أدركت سبعين رجلا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لو خرجوا فيكم اليوم ما عرفوا شيئا مما أنتم عليه اليوم إلا الأذان.
قال قتادة رحمه الله: باب من العلم يحفظه الرجل يطلب به صلاح نفسه وصلاح الناس أفضل من عبادة حول كامل.
قال محمد بن واسع رحمه الله: إذا أقبل العبد بقلبه الى الله أقبل الله بقلوب المؤمنين اليه.
قال رجل لمحمد بن واسع رحمه الله أوصني: فقال: أوصيك أن تكون ملكا في الدنيا والآخرة، قال: كيف لي بذلك، قال: ازهد في الدنيا.
قيل للشعبي:من أين لك كل هذا العلم؟ قال: بنفي الاغتمام، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمار، وبكور كبكور الغراب.
ما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمه بمثل طاعته، والتقرب إليه، والإحسان إلى خلقه
حاسب بعضهم نفسه من وقت بلوغه فإذا زلاته لا تجاوز ستا وثلاثين فاستغفر الله لكل زلة مائة ألف مرة، وصلى لكل زلة ألف ركعة، وختم فى كل ركعة منها ختمة. قال: ومع ذلك فإنى غير آمن من سطوة ربى أن يأخذنى بها فأنا على خطر من قبول التوبة(.
من أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله، وتدبره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام لا منظومه ولا منثوره
وصف الله أئمة المتقين فقال (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) فبالصبر تترك الشهوات، وباليقين تُدفع الشبهات
فإذا أراد الله بعبده خيراً ألهمه دعـاءه والاستعانة به، وجعـل استعانته ودعاءه سبباً للخير الذي قضاه له
تنشأ رقة القلب عن الذكر، فإن ذكر الله يوجب خشوع القلب وصلاحه ورقته، ويذهب بالغفلة عنه
فائدة إيقاع الذنوب من العباد في إيقاعهم في الذنوب أحيانا فائدتان عظيمتان: إحداهما: اعتراف المذنبين بذنوبهم وتقصيرهم في حق مولاهم، وتنكيس رؤوس عجبهم، وهذا أحب إلى الله من فعل كثير من الطاعات، فإن دوام الطاعات قد توجب لصاحبها العجب. الفائدة الثانية: حصول المغفرة والعفو من الله تعالى لعبده، فإن الله يحب أن يعفو ويغفر، ومن أسمائه الغفار والعفو والتواب، فلو عصم الخلق فلمن كان العفو والمغفرة
أعظم الأسباب التي تستجلب بها المنافع ويستدفع بها المضار إن التوكل أعظم الأسباب التي تستجلب بها المنافع ويستدفع بها المضار، كما قال الفضيل: لو علم الله منك إخراج المخلوقين من قلبك لأعطاك كل ما تريد، وبذلك فسر الإمام أحمد التوكل فقال: هو قطع الاستشراف باليأس من المخلوقين
هجران أماكن المعصية وإخوانها من جملة الهجرة المأمور بها، فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، قال إبراهيم بن أدهم: من أراد التوبة فليخـرج من المظالم، وليدع مخالطـة من كان يخالطه، وإلا لم ينل ما يريد
كان الشتاء ربيع المؤمن لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويسرح في ميادين العبادات، وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه، كما ترتع البهائم في مرعى الربيع، فتسمن وتصلح أجسادها، فكذلك يصلح دين المؤمن في الشتاء بما يسر الله فيه من الطاعات.
قال علي بن أبي طالب: «من اعتمد على ماله قلَّ، ومن اعتمد على عقله ضلَّ، ومن اعتمد على جاهه ذلَّ، ومن اعتمد على الله لا قلَّ ولا ضلَّ ولا ذلَّ».
جاء رجل إلى الربيع بن عبد الرحمن يسأله أن يكلم الأمير في حاجة، فبكى الربيع ثم قال: أيْ أخي، اقصد الله في أمرك تجده سريعًا قريبًا، فإني ما ظاهرتُ أحدًا في أمر أريده إلا الله عز وجل فأجده كريمًا قريبًا لمن قصده وأراده وتوكل عليه.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: «أَحَبُّ الناس إلى الناس من استغنى عن الناس، وأبغضُ الناس إلى الناس من احتاج إلى الناس وسألهم، وأحب الناس إلى الله عز وجل من سأله واستغنى به عن غيره، وأبغضُ الناس إليه تعالى من استغنى عنه وسأل غيره».ولذلك فإن معيار قوة العبد ونجاحه هو قدرته على الاستغناء بالله عن المخلوقين، فإذا توكل العبد على الله ووثق به وفوَّض أمره إليه واجه أعتى الناس، ليس لأنه قوي، ولكن لأنه اعتمد على الله، وانحلَّت جميع مشكلاته؛ لا لأنه بذل السبب ولكن لأنه اتكل على ربه.
قال علىّ بن طالب: حسن الظنّ باللّه ألا ترجو إلا اللّه، ولا تخاف إلا ذنبك. قال الحسن البصرىّ: إنّ المؤمن إذا أحسن الظن أحسن العمل.
عن عبد الله رضي الله عنه قال: لله أرحم بعبده يوم يأتيه أو يوم يلقاه من أم واحد فرشت له بأرض قي ثم قامت فلمست فراشه بيدها فإن كانت شوكة كانت بها قبله وإن كان لذغة كانت بها قبله.
قال لقمان لابنه: يا بني خف الله خوفا يحول بينك وبين الرجاء وارجه رجاء يحول بينك وبين الخوف قال فقالك أي أبه إنما لي قلب واحد إذا ألزمته الخوف شغله عن الرجاء وإذا الزمته الرجاء شغله عن الخوف قال أي بني ان المؤمن له قلب كقلبين يرجو الله عز و جل بأحدثهما ويخافه بالآخر.
