للقلب
A
باب النهي عن نقل الحديث وكلام الناس
تطريز رياض الصالحين
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر». رواه أبو داود والترمذي. والحديث ضعفه الشيخ الألباني
----------------
في هذا الحديث: الحث على الستر، وإقالة ذوي الهيآت عثراتهم. قوله: «فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر»، أي: وذلك إنما يتحقق عند عدم سماع ما يؤثر في النفس حرارة، أو أثرا ما، بحسب الطبع البشري.
(ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين) علاج ضيقة الصدر بسبب ما يقول الأعداء: التسبيح السجود
{ يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم } [الشعراء:88-89] لا يكون القلب سليما إذا كان حقودا حسودا، معجبا متكبرا، وقد شرط النبي صلى الله عليه وسلم في الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والله الموفق برحمته. [ابن العربي] فالآن: ليعلنها المسلم طهارة لقلبه من كل غل يخدش سلامة قلبه على أخيه.
من أمارات سلامة القلب أن يكون سليما من غش الخلق وحسدهم، وأن يسعى صاحبه لنصح الناس ولا يبخل عليهم بما معه من خير.ألا ترى أن سيدنا إبراهيم لما أخبر اللهُ بسلامة قلبه:{إذ جاء ربه بقلب سليم}[الصافات:84]ذكر دعوته لأبيه وقومه فقال:{إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون}[الصافات:85].
{ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي } الداعية محتاج إلى انشراح الصدر؛ ليتمكن من إيصال دعوته بأيسر تكلفة؛ ولأجل أن يراه الناس على أكمل ما يكون من السرور، فتسري تلك الروح منه إلى المدعوين، فتتحقق بذلك السعادة، التي هي من أعظم مقاصد الدعوة، وأما إذا ضاق صدره، وقل صبره، فلن يقوم بعمل كبير، ولن يصدر عنه خير كثير. [د. محمد الحمد]
سُئِل سهل بن عبد الله التستوري: أي شيء أشد على النفس؟ قال: الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب. فمع الإخلاص تنسى حظوظ النفس.
سئل إبراهيم بن الحسن عن سلامة القلب فقال العزلة والصمت وترك استماع خوض الناس ولا يعقد القلب على ذنب ولا على حقد ويهب لمن ظلمه حقه
ما يعينك على القيام: سلامة القلب من الأحقاد على المسلمين ومن البدع وفضول هموم الدنيا؛ فإن ذلك يشغل القلب ويضغط عليه فلا يكاد يهتم بشيء سواه.
قال اهل العلم: المجد والسمو في ثلاثة: أن تمرغ وجهك ساجداً لله، وأن تأكل الحلال، وأن تكون سليم الصدر، ثم لا يضرك ما فاتك من الدنيا من دورها وقصورها وذهبها.
الداعية إلى الله وأوصافه الجميلة: معتصم بالكتاب والسنة بعيد عن البدع، سليم الصدر سهل الجانب طلق المحيا جم الحياء. لا يجرح الأشخاص، ولا يتهكم بالأجناس، ولا يستهزئ بالناس، عفيف اللسان، طاهر الجنان، طيب الأردان.
قال بزر جمهر: ثلاث نواطق وإن كن خرسا: كسوف البال دليل على رقة الحال، وحسن البشر دليل على سلامة الصدر، والهمة الدنية دليل على العزيزة الردية.
2 - سلامة الصدر و النفس المطمئنة صاحبها من أشد المقربين إلى الله تعالى وتجد إيمانه من أعلى درجات الإيمان وهم الأنبياء والصديقون وإذا تفكرت في سير الأنبياء تجد أن الله زكي أنفسهم أولا ثم بعثهم بالرسالة بعد ذلك فغسل الله قلوب أنبيائه بالحكمة والإيمان وذلك حتى يستقبلوا النور الإلهي بنفس مطمئنة لا تزيغ ولا تضطرب ونرع الله من قلوبهم الغل والحسد والحقد وكل سواد من شأنه أن يعمي القلوب ويزيغ الأبصار فهذا سيدنا موسى عليه السلام يدعو الله قائلا (رب اشرح لي صدري) طه 25.
قال ابن الجوزي مفصلاً الأمر: ما أعرف للعالم قط لذة ولا عزًا ولا شرفاً ولا راحة ولا سلامة أفضل من العزلة؛ فإنه ينال بها سلامة بدنه ودينه وجاهه عند الله عز وجل وعند الخلق؛ لأن الخلق يهون عليهم من يخالطهم، ولا يعظم عندهم قدر المخالط لهم، ولهذا عظم قدر الخلفاء لاحتجابهم وإذا رأى العوام أحد العلماء مترخصاً في أمر مباح هان عندهم. فالواجب عليه صيانة علمه وإقامة قدر العلم عندهم.
قال بعض العلماء: من نتائج المعصية قلة التوفيق، وفساد الرأي، وخفاء الحق، وفساد القلب، وخمول الذكر وإضاعة الوقت، ونفرت الخلق، والوحشة مع الرب وقلَّة السَّداد وتشتيتُ الفكر، ومنع إجابة الدعاء، وقسوة القلب، ومحق البركة في الرزق والعمر، ولِبَاس الذل، وضيق الصدر.
قال إبراهيم الجنيد رحمه الله: " كان يقال من علامة المحب لله دوام الذكر بالقلب واللسان، وقلما ولع المرء بذكر الله إلا أفاد منه حب الله. "
قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: من أعجب الأشياء أن تعرف ربك ثم لا تحبه وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن الاجابة وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعمل غيره وان تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته.
حفظ الله للصالحين وذكر بعض كراماتهم: قال ابن مسعود رضى الله عنه: إن العبد ليهمّ بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسِّر له، فينظر الله إليه فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإني إن يسّرته له أدخلته النار فيصرفه الله عنه، فيظلُ يتطير، يقول: سبقني فلان، دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله عزَّ وجل. [الجامع المنتخب / 140].
عَنِ الْحَسَنِ قَالَ إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور وما يشعرون به ولقد أدركنا أقواما ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في سر فيكون علانية أبدا ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلاَّ همسا بينهم وبين ربهم عز وجل ذلك أن الله تعالى عز وجل يقول ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً وذلك أن الله تعالى ذكر عبدا صالحا ورضي قوله فقال إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا
فائدة
الأخلاق والسير - لابن حزم
لو لم يكن في مجالسة الناس إلا عيبان لكفيا: أحدهما: الاسترسال عند الأنس بالأسرار المهلكة القاتلة التي لولا المجالسة لم يبح بها البائح. والثاني: مواقعة الغلبة المهلكة في الآخرة فلا سبيل إلى السلامة من هاتين البليتين إلا بالإنفراد عن المجالسة جملة.
كان يقال: مجالسة أهل الديانة تجلو عن القلوب صدأ الذنوب، ومجالسة ذوي المروءات تدل على مكارم الأخلاق، ومجالسة العلماء تذكي القلوب.
قال أبو الجوزاء رحمه الله: «لأن أجالس القردة والخنازير أحب إلي من أن أجالس رجلا من أهل الأهواء».
قال أبو قلابة لا تجالسوا أهل الأهواء فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون، والله تعالى أعلم بالصواب.
حكمة
روائع الحكمة لابن حزم
من جالس الناس لم يعدم هماً يؤلم نفسه، وإنما يندم عليه في معاده، وغيظاً ينضج كبده، وذلاً ينكس همته، فما الظن بعد بمن خالطهم وداخلهم؟ والعز والراحة والسرور والسلامة في الانفراد عنهم، ولكن أجعلهم كالنار تدفأ بها، ولا تخالطها. لو لم يكن في مجالسة الناس إلا عيبان لكفيا، أحدهما الاسترسال عند الأنس بالأسرار المهلكة القاتلة، التي لولا المجالسة لم يبح بها البائح، والثاني: مواقعة الغلبة المهلكة في الآخرة، فلا سبيل إلى السلامة من هاتين البليتين إلا بالإنفراد عن المجالسة جملة.
قال إبراهيم النخعي: «لا تجالسوا أهل الأهواء، فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البغضة في قلوب المؤمنين» (رواه ابن بطة).
قال مجاهد: «لا تجالسوا أهل الأهواء، فإن لهم عرة كعرة الجرب» (رواه ابن بطة) يعني: أنهم يعدون من قرب منهم، كما أن من قارب الأجرب جرب، فالعرة: الإثم والشر.
التحذير من مجادلة أهل البدع والأهواء: عن إسماعيل بن خارجة قال: دخل رجلان على محمد بن سيرين رحمه الله من أهل الأهواء، فقالا: يا أبا بكر، نحدثك بحديث؟ قال: لا، قال: فنقرأ عليك آية من كتاب الله - عزَّ وجلَّ؟ قال: لا: لَتَقُومُنَّ عني أو لأقومَنَّه. [الشريعة / 66، 67].
قال أبو قلابة:«لا تجُالسوا أهل الأهواء، فإنكم إن لم تدخلوا فيما دخلوا فيه لبسوا عليكم ما تعرفون» (رواه ابن بطة في الإبانة) يعني: أن مُجالس صاحب الهوى لا يسلم من الشر. فإما أن يتابع صاحب الهوى على هواه وباطله، أو يدخل عليه شبهة في دينه الذي يعرف أنه حق.
فائدة
من كتاب لا تحزن
منْ أسبابِ الكدرِ والنكدِ مجالسةُ الثقلاءِ قال أحمدُ: الثقلاءُ أهلُ البدعِ. وقيلَ: الحمقى. وقيل الثقيلُ: هو ثخينُ الطبعِ، المخالفُ في المشربِ، الباردُ في تصرفاتِه، ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾، ﴿ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾. قال الشافعيَّ عنهمْ: إنَّ الثقيل ليجلسُ إليَّ فأظنُّ أنَّ الأرض تميلُ في الجهةِ التي هو فيها. وكان الأعمشُ إذا رأى ثقيلاً، قال: ﴿ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴾.
روى الإمام أحمد بسنده عن أبي برزة الأسلمي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن مما أخشى عليكم بعدي بطونكم وفروجكم ومضلات الأهواء».
