▣كٓلِمٌ يُنٓقْي الرُّوْحٓ من الشُبهات و الشهوات▣
A
قل لي: من أنت؟ وما عملك؟ وإلى أي مقام ارتفع قدرك؟ يا من لا يصبر لحظة عما يشتهي. بالله عليك أتدري من الرجل؟. الرجل والله من إذا خلا بما يحب من المحرم وقدر عليه وتقلل عطشاً إليه نظر إلى نظر الحق إليه فاستحى من إجالة همه فيما يكرهه
ومن تأمل ذل إخوة يوسف عليهم السلام يوم قالوا: " وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا " عرف شؤم الزلل. ومن تدبر أحوالهم قاس ما بينهم وبين أخيهم من الفروق. وإن كانت توبتهم قبلت، لأنه ليس من رقع وخاط كمن ثوبه صحيح.
رأيت من البلاء العجاب. أن المؤمن يدعو فلا يجاب، فيكرر الدعاء وتطول المدة، ولا يرى أثراً للإجابة، فينبغي له أن يعلم أن هذا من البلاء الذي احتاج إلى الصبر. وما يعرض للنفس من الوسواس في تأخير الجواب مرض يحتاج إلى طب.
فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فاللهَ اللهَ في السرائر، فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر
مما أفادتني تجارب الزمان: أنه لا ينبغي لأحد أن يظاهر بالعداوة أحداً ما استطاع، فإنه ربما يحتاج إليه، مهما كانت منزلته
إن للخلوة تأثيرات تبين في الجلوة، كم من مؤمن بالله عز وجل يحترمه عند الخلوات فيترك ما يشتهي حذراً من عقابه، أو رجاء لثوابه، أو إجلالاً له، فيكون بذلك الفعل كأنه طرح عوداً هندياً على مجمر فيفوح طيبه فيستنشقه الخلائق ولا يدرون أين هو
الحق عز وجل أقرب إلى عبده من حبل الوريد، لكنه عامل العبد معاملة الغائب عنه البعيد منه. فأمر بقصد نيته ورفع اليدين إليه والسؤال له. فقلوب الجهال تستشعر البعد، ولذلك تقع منهم المعاصي إذ لو تحققت مراقبتهم للحاضر الناظر لكفوا الأكف عن الخطايا. والمتيقظون علموا قربه فحضرتهم المراقبة وكفتهم عن الانبساط.
تأملت حالة أزعجتني، وهو أن الرجل قد يفعل مع امرأته كل جميل وهي لا تحبه، وكذا يفعل مع صديقه والصديق يبغضه، وقد يتقرب إلى السلطان بكل ما يقدر عليه والسلطان لا يؤثره؛ فيبقى متحيراً يقول: ما حيلتي. فخفت أن تكون هذه حالتي مع الخالق سبحانه، أتقرب إليه وهو لا يريدني. وربما يكون قد كتبني شقياً في الأزل. ومن هذا خاف الحسن فقال: أخاف أن يكون اطلع على بعض ذنوبي فقال: لا غفرت لك
ليس المؤمن بالذي يؤدي فرائض العبادات صورة، ويتجنب المحظورات فحسب إنما المؤمن هو الكامل الإيمان، لا يختلج في قلبه اعتراض، ولا يساكن نفسه فيما يجري وسوسة. وكلما اشتد البلاء عليه زاد إيمانه وقوي تسليمه.
من عرف الشرع كما ينبغي وعلم الرسول صلى الله عليه وسلم وأحوال الصحابة وأكابر العلماء علم أن أكثر الناس على غير الجادة. وإنما يمشون مع العادة، يتزاورون فيغتاب بعضهم بعضاً، ويطلب كل واحد منهم عورة أخيه
إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن: فإن ردّه ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه، وجمعه عليه وطرحه ببابه، فهو علامة سعادته وإرادة الخير به، والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت. وإن لم يردّه ذلك البلاء إليه بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق وأنساه ذكر ربه والضراعة إليه والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه فهو علامة شقاوته وإرادة الشر به.
يا نفس: بادري بالأوقات قبل انصرامها واجتهدي في حراسة ليالي الحياة وأيامها فكأنك بالقبور وقد تشققت وبالأمور وقد تحققت وبوجوه المتقين وقد أشرقت وبرءوس العصاة وقد أطرقت يا نفس: أما الورعون فقد جدلوا وأما الخائفون فد استعدوا وأما الصالحون فقد راحوا وأما الواعظون فقد صاحوا يا نفس: اتعبي قليلاً تستريحي في الفردوس كثيراً كأنك بالتعب قد مضى وبحرصك من اللعب قد مضى
إخواني: المؤمن مع نفسه لا يتوانى عن مجاهدتها وإنما يسعى في سعادتها فاحترز عليها واغتنم لها منها فإنها إن علمت منك الجد جدت وإن رأتك مائلاً عنها صدت وإن حثها الجد بلحاق الصالحين سعت وقفت وإن توانى في حقها قليلاً وقفت وإن طالبها بالجد لم تلبث أن صفت وأنصفت وإن مال عن العزم أماتها وإن التفت عربدت
واعلموا - إخواني - أن من أحب المخدوم أحب الخدمة له لو عرف العبد من يناجى لم يقبل على غيره والصلاة صلة بين العبد وبين ربه 0 الستر الأول: الأذان كالإذن في الدخول 0 وستر التقريب الإقامة: فإذا كشف ذلك الغطاء لاح للمتقي قُرة العين فدخل في دائرة دار المناجاة (أَرحنا بها يا بلال) فقد (جعلت قرة عيني في الصلاة) اكشف يا بلال ستر التقريب عن الحبيب يا بطَّال: لو سافرت بلداً لم تربح فيه حزنت على فوات ربحك وضياع وقتك أفلا يبكي من دخل في الصلاة على قرة العين ثم خرج بغير فائدة
إلى متى أنت مريض بالزكام ومتى تستنشق ريح قميص يوسف عليه السلام يا غلام لعله يرفع عن بصيرتك حجاب العمى وتقف متذللاً على باب إله الأرض والسماء خرج قميص يوسف مع يهوذا من مصر إلى كنعان فلا أهل القافلة علموا بريحه ولا حامل القميص علم وإنما قال صاحب الوجد: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ) كل واحد منكم في فقد قلبه كيعقوب في فقد يوسف فلينصب نفسه في مقام يعقوب ويتحسر وليبك على ما سلف ولا ييأَس كيف طريق التحسس قطع مرحل الليل وركوب نجائب العزم إنضاء بعير الجسم ومصاحبة رفقة الندم والمستغفرين بالأسحار
إخواني: الموت في طريق الطلب: خير من العطب في طريق البطالة ما هذا! أدم السهر والصوم وخل لأربابه طول النوم وشمر في لحاق القوم فإذا وصلت إلى دوائك: أنخت بجناب يا هذا: عليك بإدمان الذكر لعل ذكرك القليل ينمى ذكره الجليل (وَلَذِكرُ اللَهِ أَكبَرُ)
يا هذا: طهر قلبك من الشوائب فالمحبة لا تلقى إلا في قلبٍ طاهر أما رأيت الزارع يتخير الأرض الطيبة ويسقيها ويرويها ثم يثيرها ويقلبها وكلما رأى حجراً ألقاه وكلما شاهد ما يؤذى نجاه ثم يلقى فيها البذر ويتعاهدها من طوارق الأذى وكذلك الحق عز وجل إذا أراد عبداً لوداده حصد من قلبه شوك الشرك وطهره من أوساخ الرياء والشك ثم يسقيه ماء التوبة والإنابة ويثيره بمسحأة الخوف والإخلاص فيستوي ظاهره وباطنه في التقى ثم يلقى فيه بذر الهدى فيثمر حب المحبة فحينئذ تحمد المعرفة وطناً ظاهراً وقوتاً طاهراً فيسكن لب القلب ويثبت به سلطانها
يا هذا لو علمت ما يفوتك في السحر ما حملك النوم تقدم حينئذ قوافل السهر على قلوب الذاكرين وتحط رواحل المغفرة على رباع المستغفرين من لم يذق حلاوة شراب السحر لم يبلغ عِرفانه بالخير من لم يتفكر في عمره كيف انقرض لم يبلغ من الحزن الغرض
فائدة
بحر الدموع
يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا يغرّنّكم قول الله عز وجل: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} الأنعام 160، فان السيئة وان كانت واحدة، فإنها تتبعها عشر خصال مذمومة: أولها: إذا أذنب العبد ذنبا، فقد أسخط الله وهو قادر علي. والثانية: أنه فرّح إبليس لعنه الله. والثالثة: أنه تباعد من الجنة. والرابعة: أنه تقرّب من النار. والخامسة: أنه قد آذى أحب الأشياء إليه، وهي نفسه. والسادسة: أنه نجس نفسه وقد كان طاهراً. والسابعة: أنه قد آذى الحفظة. والثامنة: أنه قد احزن النبي صلى الله عليه وسلم في قبره. والتاسعة: أنه أشهد على نفسه السماوات والأرض وجميع المخلوقات بالعصيان. والعاشرة: أنه خان جميع الآدميين، وعصى رب العالمي.
يا من باع الباقي بالفاني، أما ظهر لك الخسران، ما أطيب أيام الوصال، وما أمرّ أيام الهجران، ما طاب عيش القوم حتى هجروا الأوطان، وسهروا الليالي بتلاوة القرآن فيبيتون لربهم سجدًا وقياما.
إخواني، السفر مكتوب علينا، فما لنا أن نطلب الاقامة في دار ليست لنا دار مقامة؟ السنون منازل، والشهور مراحل، والأيام أميال، والأنفاس خطوات، والمعاصي قطاع، والربح الجنة، والخسران النار.
خلقنا نتقلب في ستة أسفار إلى أن يستقر بنا القرار: فالسفر الأول: سفر السلابة من طين، والثاني من الصلب إلى الرحم، والثالث: من الرحم إلى ظهر الأرض، والرابع: من ظهر الأرض إلى القبر، والخامس: من القبر إلى موقف العرض، والسادس: من موقف العرض إلى دار الإقامة: إما إلى الجنة أوالنار، وقد قطعنا نصف الطريق، وبقي الأصعب.
يا من صحيفته سوداء، اغسلها بالدموع، وتعرّض لمجال المتهجدين، وقل: ضالٌ ضل عن الطريق مقطوع، وهذا مأتم الأحزان، إلى أي وقت تدّخر الدموع، هذا مجلس الشكوى، هذا وقت الرجوع.
يا هذا الدنيا هدية بلقيس فهل تقبلها أو تطلب ما هو أنفس ويحك أحسن ما في الدنيا قبيح لأنه يشغل عما هو أحسن منه أترى لو ابتليناك بترك عظيم كيف كنت تفعل إنما رددناك عن دنس ومنعناك من كدر ثم ما علمت أن الثواب على قدر المشقة
يا أهل الذنوب والخطايا ألكم صبر على العقوبة (كلا إنها لظى) إذا شاهدت من اشترى لذة ساعة بعذاب سنين (تكاد تميز من الغيظ) من أراد أن ينجو منها فليتب (من قبل أن يتماسا) كيف أمن العصاة (وإن منكم إلا واردها) كيف نسوا غب الزلل (ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)
قيل لعامر بن عبد قيس أما تسهو في صلاتك قال أو حديث أحب إلي من القرآن حتى أشتغل به هيهات مناجاة الحبيب تستغرق الإحساس
لطف الله بعباده فستر إبليس عنهم فقال { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } الأعراف 27 فكأنه سبحانه وتعالى قال لعبده المؤمن أنا حبيبك الأعظم وإن إبليس عدوك الأعظم فلو رأيته وهو أعظم أعدائك عليك لشق ذلك عليك فسترته عنك ليكون حزن الدنيا ونصبها وترادف همومها وغمومها أهون عليك
واعلموا عباد الله أن الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبده خيرا أبعد عنه شيطانه وأعانه عليه ونشطه للطاعة وأزال عن بدنه الكسل فأقبل العبد عند ذلك على مولاه وأعرض عمن سواه وآثر رضاء سيده على هواه فعند ذلك يجعل الله الجنة العالية مأواه وإذا أراد بعبده شرا مكن منه شيطانه وسلطه عليه فأبعده عن طاعة الجبار وكسله عن عمل الأبرار وحبب إليه أعمال أهل النار وبغض إليه أعمال أهل دار القرار
قال الخليل الرمضاء الحجارة الحارة ورمض الإنسان إذا مشى على الرمضاء فسمي رمضان بذلك لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها وقيل سمي بذلك لأنه شهر يغسل الأبدان غسلا ويطهر القلوب تطهيرا
سرُّ الصلاة و روحها و لبُّها، هو إقبال العبد على الله بكليّته فيها، فكما أنه لا ينبغي أن يصرف وجهه عن القبلة إلى غيرها فيها، فكذلك لا ينبغي له أن يصرف قلبه عن ربِّه إلى غيره فيها. بل يجعل الكعبة ـ التي هي بيت الله ـ قبلة وجهه و بدنه، و رب البيت تبارك و تعالى قبلة قلبه و روحه، و على حسب إقبال العبد على الله في صلاته، يكون إقبال الله عليه، و إذا أعرضَ أعرض الله عنه، كما تدين تُدان.
لماذا يكرر السجود مرتان و شُرع له تكرير هذه الأفعال و الأقوال ؛ إذ هي غذاء القلب و الروح التي لا قوام لهما إلا بها، فكان تكريرها بمنزلة تكرير الأكل لقمة بعد لقمة حتى يشبع، و الشرب نفسا بعد نفس حتى يَروى، فلو تناول الجائع لقمة واحدة ثم دفع الطعام من بين يديه فماذا كانت يغني عنه تلك اللقمة؟ و ربما فتحت عليه باب الجوع أكثر مما به ؛ و لهذا قال بعض السلف: " مثل الذي يصلي و لا يطمئن في صلاته كمثل الجائع إذا قدم إليه طعام فتناول منه لقمة أو لقمتين ماذا تغني عنه ذلك ".
و تمام عبودية الركوع أن يتصاغر الراكع، و يتضاءل لربه، بحيث يمحو تصاغره لربه من قلبه كلَّ تعظيم فيه لنفسه، و لخلقه و يثبت مكانه تعظيمه ربه وحده لا شريك له. فثناء العبد على ربه في هذا الركن ؛ هو أن يحني له صلبه، و يضع له قامته، و ينكس له رأسه، و يحني له ظهره، و يكبره مُعظماً له، ناطقاً بتسبيحه، المقترن بتعظيمه
فإذا أخذ العبد في قراءة القرآن، فقد قام في مقام مخاطبة ربِّه و مناجاته، فليحذر كل الحذر من التعرّض لمقته و سخطه، بأن يناجيه و يخاطبه، و قلبه معرِض عنه، ملتفت، إلى غيره، فإنه يستدعي بذلك مقته، و يكون بمنزلة رجل قرَّبه ملك من ملوك الدنيا، و أقامه بين يديه فجعل يخاطب الملك، و قد ولاَّه قفاه، أو التفت عنه بوجهه يَمنَة و يسرة، فهو لا يفهم ما يقول الملك، فما الظن بمقت الملك لهذا.
بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالحكمة التي هي سنته، وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه له، فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر، وإن لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة، لأمور: منها: أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس، فإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة – مثلاً – يجد من نفسه نوع تخلق بأخلاقهم. ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال. ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التميز ظاهراً، بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين.
مما نهانا الله سبحانه فيه عن مشابهة أهل الكتاب، قوله سبحانه (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) وهو نهي مطلق عن مشابهتهم، وهو خاص أيضاً في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم، وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي. وإن قوماً من هذه الأمة، ممن ينسب إلى علم أو دين، قد أخذوا من هذه الصفات بنصيب، يرى ذلك من له بصيرة، فنعوذ بالله من كل ما يكرهه الله ورسوله.
حديث أنس من قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تشددوا على أنفسكم، فيشدد الله عليكم...). فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التشدد في الدين بالزيادة على المشروع. والتشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب: بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات، وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات. وفي هذا تنبيه على كراهة النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما عليه النصارى من الرهبانية المبتدعة. وفيه أيضاً تنبيه على أن التشديد على النفس ابتداء يكون سبباً لتشديد آخر، يفعله: إما بالشرع وإما بالقدر.
العبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلّت رغبته في المشروع وانتفاعه به، بقدر ما اعتاض من غيره، بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع فإنه تعظم محبته له ومنفعته به، ويتم دينه ويكمل إسلامه. ولذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه، تنقـص رغبته وهمته في سماع القرآن حتى ربما كرهه. ومن أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها: لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنّة. ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم، لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذلك الموقع. ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم، لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام
كل ما تكلم به اللسان وتصوره القلب مما يقرّب الى الله تعالى من تعلم علم وتعليمه، وأمر بمعروف ونهي عن منكر فهو من ذكر الله. ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض، أو جلس مجلسا يتفقه أو يفقه فيه الفقه الذي سماه الله ورسوله فقها، فهذا أيضا من أفضل ذكر الله.
اعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق: إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه.كما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، ومتى احتجت إليهم – ولو في شربة ماء – نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكـون الدين كله لله، ولا يشرك به شيئاً
قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: «من كان يحبُّ أن يعلم أنَّه يحبُّ الله عز وجل، فليعرض نفسه على القرآن، فإن أحبَّ القرآن، فهو يحبُّ الله تعالى؛ فإنَّما القرآن كلام الله، فمن أحبَّ القرآن، فهو يحبُّ الله عز وجل» (السُّنَّة؛ لعبد الله بن أحمد).
بعض الناس يقول (يا رب إني أخافك وأخاف من لا يخافك) فهذا كلام ساقط لا يجوز، بل على العبد أن يخاف الله وحده ولا يخاف أحداً، فإن من لا يخاف الله أذل من أن يُخَاف، فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان، فالخوف منه قد نهى الله عنه.
أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متـبوع يتعصبون له إلا رسول الله
الراد على أهل البدع مجاهد حتى كان يحي بن يحي يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد
- دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب: أحدها: التوبة، وهذا متفق عليه بين المسلمين، السبب الثاني: الاستغفــار، السبب الثالث: الحسنات الماحية السبب الرابع: الدافـع للعقاب، دعاء المؤمنين للمؤمن مثل صلاتهم على جنازته، السبب الخامس: ما يعمل للميت من أعمال البر، كالصدقة ونحوها، السبب السادس: شفاعـة النبي وغيره في أهل الذنـوب يوم القيامة، السبب السابع: المصائب التي يكفر الله بها الخطايا في الدنيا، السبب الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة، السبب التاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها، السبب العاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد
إن كثيراً من الناس يظن أن المراد بالحسنات والسيئات في هذه الآية الطاعات والمعاصي، وإنما الحسنات والسيئات في هـذه الآية النعـم والمصائب كما في قوله تعالى [وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون].
وكثير ما يقرن الناس بين الرياء والعجب، فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعجب من باب الإشراك بالنفس، وهذا حال المستكبر، فالمرائي لا يحقق قوله (إياك نعبـد) والمعجب لا يحقـق قوله (إياك نستعين) فمن حقـق قوله (إياك نعبد) خرج عـن الرياء، ومن حقق قوله (وإياك نستعين) خرج عن الإعجاب
وقال تعالى (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً) ومن طلب من الفقراء الدعاء أو الثناء خرج من هذه الآية
وكلما كان في القلب حب لغير الله، كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك، وكلما كان فيه عبودية لغير الله كان فيه حب لغير الله بحسب ذلك.
احتفظ برباطة جأشك في سبعة مواطن: لقاء الأعداء، ومقابلة الطغاة، واشتداد الفتنة، وتربص الشر، وانتشار البلاء، وسجون المتسلِّطين، وطيش الزوجة الرعناء.
قال رجل لخالد بن صفوان: أخوك أحب إليك أم صديقك؟ فقال: إن أخي إذا لم يكن لي صديقا لم أحبه.
عَن صفوان بن سليم أن ابن عباس قَالَ ليأتين على الناس زمان يكون همة أحدهم فيه بطنه ودينه هواه
قال صفوان بن سليم: " في الموت راحة للمؤمن من شدائد الدنيا، وإن كان ذا غصص وكرب. ثم ذرفت عيناه ".
قال عبد الملك بن مروان: الصمت نومٌ والنُّطق يقظة. قال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان إلاّ صورة ممثَّلة، أو بهيمة مرسلة، أو ضالّةٌ مهملة. كان يقال: الألسن خدم القرائح.
قال خالد بن صفوان لإياس بن معاوية: أراك لا تبالي ما لبست؟ فقال: ألبس ثوبا أقي به نفسي أحب إلي من ثوب أقيه بنفسي. فكما أنه لا يكون شديد الكلف بها فكذلك لا يكون شديد الاطراح لها.
قال سعيد بن العاص لابنه: يا بني لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا تمازح الدني فيجترئ عليك. قال خالد بن صفوان رحمه الله: المزاح سباب النوكى قال وكان يقال: لكل شيء بذر وبذر العداوة المزاح.
قال حذيفة رضي الله عنه: " أول ما تفقدون من دينكم الخشوع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة ورب مصل لا خير فيه ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعا "
قال بعض السلف: الصلاة كجارية تهدى إلى ملك من الملوك، فما الظن بمن يهدى إليه جارية شلاء أو عوراء... فكيف بصلاة العبد والتي يتقرب بها إلى الله.
قال ابن رجب رحمه الله يقول: إن المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه ولا سيما بعد كثرة الدعاء وتضرعه ولم يظهر له أثر الإجابة، رجع إلى نفسه باللائمة يقول لها إنما أتيت من قبلك، ولو كان فيك خيرا لأُجبت، وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات، فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأنه ليس بأهل لإجابة دعائه، فلذلك يسرع إليه حين إذ إجابة الدعاء، وتفريج الكرب، فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، وعلى قدر الكسر يكون الجبر.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: إذا جمع الداعي مع الدعاء حضور القلب وصادف وقتاً من أوقات الإجابة الستة وهي:-الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبة، وعند صعود الإمام المنبر يوم الجمعة حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد عصر يوم الجمعة أيضاً) وصادف خشوعاً في القلب وانكساراً بين يدي الرب وذلاً وتضرعاً ورِِقة واستقبل الداعي القبلة وكان على طهارة ورفع يديه إلى الله وبدأ بحمد الله والثناء عليه وثنى بالصلاة على عبده ورسوله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم قدّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار ثم دخل على الله وألحّ عليه في المسألة وتملقه ودعاه رغبة ورهبة وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده وقدم بين يدي دعائه صدقة؛ فإن هذا الدعاء لا يكاد يُرد أبداً..
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه، لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحا تاما لا آفة به، والساعد ساعد قوي، والمانع مفقود، حصلت به النكاية في العدو. ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير.
سُئِلَ إبراهيم بن أدهم -رحمه الله-: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ فقال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء: عرفتم الله فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول ولم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن ولم تعملوا به، وأكلتم نِعَم الله ولم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار ولم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان ولم تحاربوه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات ولم تعتبروا بها، وانتبهتم من نومكم فاشتغلتم بعيوب الناس وتركتم عيوبكم.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: انتظار روح الفرج يعني راحته، ونسيمه، ولذته؛ فإن انتظاره، ومطالعته، وترقبه يخفف حمل المشقة ولاسيما عند قوة الرجاء، أو القطع بالفرج؛ فإنه يجد في حشو البلاء من روح الفرج ونسيمه وراحته _ ما هو من خفي الألطاف، وما هو فرج معجل.
قيل لما حبس خالد بن برمك و ولده قال: يا أبتي بعد العز صرنا في القيد و الحبس فقال: يا بني دعوة المظلوم سرت بليل غفلنا عنها و لم يغفل الله عنها و كان يزيد بن حكيم يقول: ما هبت أحدا قط هيبتي رجلا ظلمته و أنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله يقول لي: حسبي الله: الله بيني و بينك.
قال ثابت البناني: إن أهل ذكر الله ليجلسون إلى ذكر الله وأن عليهم من الآثام كأمثال الجبال؛ وإنهم ليقومون من ذكر الله عطلاً ما عليهم منها شيء.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى وإنما يقوي العبد على حضوره في الصلاة واشتغاله فيها بربه عز وجل إذا «قهر شهوته وهواه» وإلا فقلب قد قهرته الشهوة وأسره الهوى ووجد الشيطان فيه مقعدا تمكن فيه كيف يخلص من الوساوس والأفكار.
قال ابن القيم رحمه الله: المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور، ولا يجوز تأخيرها؛ فمتى أخّرها عصى بالتأخر، فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة أخرى، وهي توبته من تأخير التوبة.
قال أبو سليمان الدارني رحمه الله: ربما أقوم خمس ليال متوالية بآية واحدة، أرددها وأطالب نفسي بالعمل بما فيها!! ولولا أن الله تعالى يمن علي بالغفلة لما تعديت تلك الآية طول عمري، لأن لي في كل تدبر علماً جديدا، والقرآن لا تنقضي عجائبه!!
قال الغزالي رحمه الله تعالى: واعلم أنه لا يذنب العبد ذنباً إلا ويَسْوَدُّ وجه قلبه، فإن كان سعيداً أُظهر السواد على ظاهره؛ لينزجر، وإن كان شقياً أخفي عنه؛ حتى ينهمك، ويستوجب النار
قيل ليحيى بن معاذ رحمه الله: متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا؟ فقال: إذ أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه، فيقول: إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت.
قال يحيى بن معاذ رحمه الله: على قدر خوفك من الله يهابك الخلق، وعلى قدر حبك لله يحبك الخلق، وعلى قدر شغلك بالله يشتغل الخلق بأمرك.
عن بديل بن ميسرة قال: كان مطرف يقول: لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر. وكان أبو العلاء يقول: اللهم أي ذلك كان خيرا لي فعجل لي. قال أبو صالح العقيلي: كان يزيد يقرأ في المصحف حتى يغشى عليه.
عن جعفر بن حيان قال: ذكر لمسلم بن يسار قلة التفاته في الصلاة فقال: وما يدريكم أين قلبي؟ عن ابن شوذب قال: كان مسلم بن يسار يقول لأهله إذا دخل في صلاته في بيته: تحدثوا فلست أسمع حديثكم.
« حزنك على الدنيا يخرج حزن الآخرة من قلبك، وفرحك بالدنيا يخرج حلاوة الآخرة من قلبك »
« إن البدن إذا سقم: لم ينجح فيه طعام، ولا شراب، ولا نوم، ولا راحة، كذلك القلب إذا علق حب الدنيا لم تنجح فيه المواعظ »
عَن سعد عَن زيد بن أرقم قَالَ اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك واحسب نفسك مع الموتى واجتنب دعوة المظلوم فإنها مستجابة
عن بشر بن الحارث رحمه الله أنه قال: لا أعلم رجلا أحب أن يعرف إلا ذهب دينه وافتضح
قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: «من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن» «ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض» «ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة»
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة وفي الذكر وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق
قال مالك بن دينار: وما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل، فليس شيء من الأعمال أخف مئونة منه ولا أعظم لذة ولا أكثر فرحة وابتهاجا للقلب من ذكر الله.
قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله عز وجل، ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا ترك الذكر صدئ، فإذا ذكره جلاه. وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر. ومن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكباً على قلبه بحسب غفلته فحري بنا أن لا يفتُر لساننا من ذكر الله تعالى.
قال رجل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله: إني لا أقدر على قيام الليل فصف لي دواء؟!! فقال: لا تعصه بالنهار وهو يقيمك بين يديه في الليل، فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف.
قال أبو عبد الله الترمذي: والعبد ما دام في الذكر فالرحمة دائمة عليه كالمطر، فإذا قحط فالصدر في ذلك الوقت كالسنة الجدباء.
