وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ
A
باب الصبر
تطريز رياض الصالحين
قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا} [آل عمران (200)].
----------------
الصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله. وقد أمر الله تعالى بالصبر على ذلك كله. وقوله تعالى: {وصابروا} أي: غالبوا الكفار بالصبر فلا يكونوا أشد صبرا منكم، فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون. وقوله تعالى: {ورابطوا} أي: أقيموا على الجهاد. قال - صلى الله عليه وسلم -: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها». وقال - صلى الله عليه وسلم -:... «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات»؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. فذلكم الرباط، فذالكم الرباط».
باب فضل الذكر والحث عليه
تطريز رياض الصالحين
عن معاذ - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيده، وقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك» فقال: «أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك». رواه أبو داود بإسناد صحيح.
----------------
في هذا الحديث: شرف لمعاذ رضي الله عنه، وفي الدعاء بهذه الألفاظ القليلة مطالب الدنيا والآخرة.
باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
تطريز رياض الصالحين
عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب». متفق عليه.
----------------
ومعنى: «يتبين» يتفكر أنها خير أم لا. في هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن لا يكثر الكلام، وأن لا يتكلم إلا فيما يعنيه، وأن يحترز من الكلام حين الغضب؛ لأنه يتكلم عند الغضب بما يضره في دينه ودنياه. وفي حديث أبي ذر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن صحف إبراهيم عليه السلام: «وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه ومن حسب كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما يعنيه».
{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} إنها الرحمة التي تسع كل معصية مهما كانت، إنها دعوة العصاة المبعدين في تيه الضلال إلى الأمل والثقة بعفو الله، فإذا ما تسلطت عليه لحظة يأس وقنوط، سمع هذا النداء الندي اللطيف، الذي يعلن أنه ليس بين المسرف على نفسه إلا الدخول في هذا الباب الذي ليس عليه بواب يمنع، ولا يحتاج من يلج فيه إلى استئذان. [في ظلال القرآن]
قيل لرجل من الفقهاء: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} فقال الفقيه: والله إنه ليجعل لنا المخرج وما بلغنا من التقوى ما هو أهله، وإنه ليرزقنا وما اتقيناه كما ينبغي، وإنه ليجعل لنا من أمرنا يسراً وما اتقيناه، وإنا لنرجو الثالثة: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا}. [حلية الأولياء]
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } [النور:21] قال شوقي: نظرة فابتسامة فسلام ** فكلام فموعد فلقاء.. ويكثر هذا في: أماكن العمل المختلطة حسا أو معنى: كالمستشفيات، وبعض المنتديات ومواقع الشبكات. ومن أعظم ما يقطع هذه الخطى الشيطانية تذكر: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } [الرحمن:46]
قال سليمان عليه السلام: { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي } [ص:35] فبدأ بطلب المغفرة قبل طلب الملك العظيم؛ وذلك لأن زوال أثر الذنوب هو الذي يحصل به المقصود، فالذنوب تتراكم على القلب، وتمنعه كثيرا من المصالح، فعلى المؤمن أن يسأل ربه التخلص من هذه الذنوب قبل أن يسأل ما يريد. [ابن عثيمين]
ذم الله في القرآن أربعة أنواع من الجدل: - الجدل بغير علم: {هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران:66] - الجدل في الحق بعد ظهوره: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ} [الأنفال:6] - الجدل بالباطل: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [غافر:5] - الجدل في آياته: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} [غافر:4] [ابن تيمية]
قال بعضهم: ما افتقر تقي قط، قالوا: لم؟ قال: لأن الله يقول: { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } [الطلاق:2] والآية اقتضت أن المتقي يرزق من حيث لا يحتسب، ولم تدل على أن غير المتقي لا يرزق، فالكفار قد يرزقون بأسباب محرمة، وقد لا يرزقون إلا بتكلف، وأهل التقوى يرزقهم الله من حيث لا يحتسبون، ولا يكون رزقهم بأسباب محرمة، والتقي لا يحرم ما يحتاج إليه من الرزق، وإنما يحمى من فضول الدنيا، رحمة به. [ابن تيمية]
{ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ } سماهم مصلين، لكنهم ساهون عن فعلها، أو عن وقتها، أو عن أدائها بأركانها وشروطها، أو عن الخشوع وتدبر معانيها، فاللفظ يشمل هذا كله، من اتصف بشيء من ذلك فله قسط من هذه الآية، ومن اتصف بجميع ذلك، فقد تم نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي. [ابن كثير]
كثير من الناس إذا رأى في التفسير أن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون، ظن أن ذلك مخصوص بهم، مع أن الله أمر بقراءة الفاتحة كل صلاة، فيا سبحان الله كيف يأمره الله أن يستعيذ من شيء لا حذر عليه منه، ولا يتصور أنه يفعله؟ بل يدخل في المغضوب عليهم من لم يعمل بعلمه، وفي الضالين العاملون بلا علم. [محمد بن عبدالوهاب]
ما الحكمة من قراءة سورة " المنافقون " في الجمعة؟ مناسبتها ظاهرة، ومنها: 1/ أن يصحح الناس قلوبهم ومسارهم إلى الله تعالى كل أسبوع. 2/ أن يقرع أسماع الناس التحذير من المنافقين كل جمعة؛ لأن الله قال فيها عن المنافقين: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} (المنافقون:4) [ابن عثيمين]
ما أدق وصف الله للشعراء، تأمل: { أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ } لغوايتهم { فِي كُلِّ وَادٍ } من أودية الشعر، { يَهِيمُونَ } [الشعراء:225] فتارة في مدح، وتارة في قدح، وتارة في صدق، وتارة في كذب، وتارة يتغزلون، وأخرى يسخرون، ومرة يمرحون، وآونة يحزنون، فلا يستقر لهم قرار، ولا يثبتون على حال من الأحوال { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا } (227) [السعدي]
{ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [النحل:98] وفائدة الاستعاذة: ليكون الشيطان بعيدا عن قلب المرء - وهو يتلو كتاب الله - حتى يحصل له بذلك تدبر القرآن وتفهم معانيه، والانتفاع به؛ لأنك إذا قرأته وقلبك حاضر حصل لك من معرفة المعاني والانتفاع بالقرآن ما لم يحصل لك إذا قرأته وأنت غافل، وجرب تجد. [ابن عثيمين]
المشرك يخاف المخلوقين ويرجوهم فيحصل له رعب: { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا } [آل عمران:151] والخالص من الشرك يحصل له الأمن: { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ } [الأنعام:82] [ابن تيمية]
تأمل قوله تعالى: { أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ } [الواقعة:69-70] لم يقل: لو نشاء لم ننزل؛ لكن قال: لو نشاء جعلناه أجاجا، أي مالحا لا يمكن أن يشرب، فما الحكمة في اختيار هذه اللفظة؟ الجواب: لم يقل: لو نشاء لم ننزل؛ لأن حسرة الإنسان على ماء بين يديه ولكن لا يستطيعه ولا يستسيغه أشد من حسرته على ماء مفقود. [ابن عثيمين]
{ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } [مريم:39] يوم حسرتهم وندمهم على ما فرطوا في جنب الله، وحسرتهم يوم أورثت مساكنهم من الجنة أهل الإيمان بالله والطاعة له، وحسرتهم يوم أدخلوا من النار، وأيقن الفريقان بالخلود الدائم، والحياة التي لا موت بعدها، فيا لها من حسرة وندامة! [الطبري]
{ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ } [الأنبياء:90] ولم يقل: يسارعون إلى الخيرات؛ لأنهم الآن منهمكون في أعمال خيرة، فهمّهم المسارعة فيها، والازدياد منها، بخلاف من يسارع إلى شيء، فكأنه لم يكن فيه أصلا، فهو يسرع إليه ليكون فيه. [الشعراوي]
{ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [البقرة:216] في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد، فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي بالمكروه لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة؛ لعدم علمه بالعواقب فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد. [ابن القيم]
{ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى } [طه:117] تأمل كيف جمع بينهما في الخروج من الجنة، وخص الذكر بالشقاء فقال: (تشقى) ولم يقل تشقيان؛ لأن الأصل أن الذكر هو الذي يشتغل بالكسب والمعاش، وأما المرأة فهي في خدرها. [ابن القيم] وفي هذه لفتة لمن يدعو إلى خروج المرأة من منزلها إلى ميادين العمل بإطلاق، وكأن ذلك هو الأصل!
قوله تعالى: { وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا } [الفرقان:55] هذا من ألطف خطاب القرآن وأشرف معانيه، فالمؤمن دائما مع الله على نفسه وهواه وشيطانه وعدو ربه، وهذا معنى كونه من حزب الله وجنده وأوليائه، والكافر مع شيطانه ونفسه وهواه على ربه، وعبارات السلف على هذا تدور. [ابن القيم]
كثير من الناس لا يفهم من الرزق - في قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2-3] - إلا الرزق المالي ونحوه من المحسوسات، ولكن تأمل ماذا يقول ابن الجوزي: " ورزق الله يكون بتيسير الصبر على البلاء ". [صيد الخاطر]
من أحسن ما يفتح لك باب فهم الفاتحة قوله تعالى-في الحديث القدسي-: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين} قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: {مالك يوم الدين} قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم} -إلى قوله-: {ولا الضالين} قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل "، فإذا تأمل العبد هذا، وعلم أنها نصفان: نصف لله، ونصف للعبد، وتأمل أن الذي علمه هذا هو الله، وأمره أن يدعو به ويكرره في كل ركعة، وأنه سبحانه ضمن إجابة هذا الدعاء -إذا دعاه بإخلاص وحضور قلب- تبين له ما أضاع أكثر الناس. [محمد بن عبدالوهاب]
آية الكرسي أعظم آية، وتدبرها أولى ما يكون، وقد شرعت قراءتها في مواضع كثيرة، " ويحق لمن قرأها متدبرا متفقها، أن يمتلئ قلبه من اليقين والعرفان والإيمان، وأن يكون بذلك محفوظا من شرور الشيطان ". [السعدي]
{وسع كرسيه السماوات والأرض} والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تعالى، بل هناك ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو، وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار، وتقلقل الجبال، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها، والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب، فلهذا قال: {ولا يؤوده حفظهما}. [السعدي]
{ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } [الحشر:11] فهذا حال جبال الحجارة الصلبة، وهذه رقتها وخشيتها وتدكدكها من جلال ربها، فيا عجبا من مضغة لحم أقسى من هذه الجبال! تسمع فلا تلين! ومن لم يلن لله في هذه الدار قلبه فليستمتع قليلا، فإن أمامه الملين الأعظم - النار عياذا بالله منها-! [ابن القيم]
{ قال رب اغفر لي ولأخي } [الأعراف:151] قال كعب: رب قائم مشكور له، ونائم مغفور له، وذلك لأن الرجلين يتحابان في الله، فقام أحدهما يصلي، فرضي الله صلاته ودعاءه، فلم يرد من دعائه شيئا، فذكر أخاه في دعائه من الليل فقال: رب! أخي فلان اغفر له؛ فغفر الله له وهو نائم. [حلية الأولياء]
قال ابن تيمية رحمه الله: تأملت أنفع الدعاء، فإذا هو سؤال العون على مرضاته تعالى، ثم رأيته في الفاتحة: {إياك نعبد وإياك نستعين} [5] ويشهد لقول ابن تيمية: الدعاء الذي أوصى نبينا معاذا أن يقوله دبر كل صلاة: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، فليتدبر المؤمن هذه الآية العظيمة وذلك الدعاء.
{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ } [البقرة: 185] من فضائل شهر الصيام أن الله تعالى مدحه من بين سائر الشهور، بأن اختاره لإنزال القرآن العظيم فيه، واختصه بذلك، ثم مدح هذا القرآن الذي أنزله الله فقال: (هدى) لقلوب من آمن به، (وبينات) لمن تدبرها على صحة ما جاء به، ومفرقا بين الحق والباطل والحلال والحرام. [ابن كثير]
يبين إيمان المؤمن عند الابتلاء، فهو يبالغ في الدعاء ولا يرى أثرا للإجابة، ولا يتغير أمله ورجاؤه ولو قويت أسباب اليأس؛ لعلمه أن ربه أعلم بمصالحه منه؛ أما سمعت قصة يعقوب عليه السلام؟ بقي ثمانين سنة في البلاء، ورجاؤه لا يتغير، فلما ضم بنيامين بعد فقد يوسف لم يتغير أمله، وقال: { عسى الله أن يأتيني بهم جميعا } [يوسف:83] فإياك أن تستطيل زمان البلاء، وتضجر من كثرة الدعاء، فإنك مبتلى بالبلاء، متعبد بالصبر والدعاء، ولا تيأس من روح الله وإن طال البلاء [ابن الجوزي].
إذا رأيت وقتك يمضي، وعمرك يذهب وأنت لم تنتج شيئاً مفيداً، و لا نافعاً، ولم تجد بركة في الوقت، فاحذر أن يكون أدركك قوله تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً} [الكهف:28] أي انفرط عليه وصار مشتتاً، لا بركة فيه، وليعلم أن البعض قد يذكر الله؛ لكن يذكره بقلب غافل، لذا قد لا ينتفع [ابن عثيمين]
قال ابن عباس: ضمن الله لمن قرأ القرآن ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ: (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى)
كان نبينا يقرن بين سورة الكافرون والإخلاص في مواضع، ففي سورة الإخلاص التوحيد القولي العلمي، وفي سورة الكافرون التوحيد القصدي العملي: {لا أعبد ما تعبدون}. وبهذا يتميز من يعبد الله ممن يعبد غيره وإن كان كلاهما يقر بأن الله رب كل شيء. [ابن تيمية].
لما سافر موسى للخضر وجد في طريقه مس الجوع و النصب فقال لفتاه: { آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا } ولما واعده ربه 30 ليلة وأتمها بعشر، فلم يأكل فيها لم يجد مس الجوعِ والنصب فالأول سفر لمخلوق والثاني سفر للخالق وهكذا سفر القلب وسيره إلى ربه، لا يجد فيه من الشقاء والنصب ما يجده في سفره إلى بعض المخلوقين. [ابن القيم]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} فتأمل قوله تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} فإن أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم نسبوه إلى ما لا يليق به، وقالوا فيه ما هو منزه عنه، فأمره الله سبحانه وتعالى أن يصبر على قولهم، ويكون له أسوة بربه سبحانه، حيث قال أعداؤه فيه ما لا يليق. [ابن القيم]
لماذا يشمخ الإنسان بأنفه وهو لولا إعزاز الله ذليل؟ ولولا ستره مفضوح؟ وإذا كان لدى البعض فضل ذكاء أو ثراء فمن أين جاءه؟ {إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّـهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ} ولو قطع الوهاب إمداده لانتقل العبقري إلى مستشفى المجانين ! ولمد القوارين - جمع قارون - أيديهم متسولين: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ}؟ [محمد الغزالي]
{ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ } ففي أمر الملائكة لها بالقنوت والركوع والسجود، إشارة إلى أنه كلما منّ الله سبحانه وتعالى على إنسان بشيء، وازدادت عليه النعم أن يزداد على ذلك شكرا بالقنوت لله والركوع والسجود وسائر العبادات. [ابن عثيمين]
.{جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ} تأملها، تجد تحتها معنى بديعا، فهم إذا دخلوا الجنة لم تغلق أبوابها بل تبقى مفتحة، بعكس أبواب النار فهي موصدة على أهلها. وفي تفتيح الأبواب إشارة إلى: 1) ذهابهم وإيابهم وتبوئهم من الجنة حيث شاءوا. 2) دخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف. 3) أنها دار أمن، لا يحتاجون إلى غلق الأبواب كما في الدنيا. [ابن القيم]
سورة الفاتحة لها مميزات تتميز بها عن غيرها، منها أنها ركن في الصلوات التي هي أفضل أركان الإسلام بعد الشهادتين فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، ومنها أنها رقية إذا قرئ بها على المريض شُفي بإذن الله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي قرأ على اللديغ، فبرئ: (وما يدريك أنها رقية). وقد ابتدع بعض الناس اليوم في هذه السورة بدعة، فصاروا يختمون بها الدعاء، ويبتدئون بها الخطب ويقرؤونها عند بعض المناسبات، وهذا غلط: تجده مثلاً إذا دعا، ثم دعا قال لمن حوله: (الفاتحة) يعني اقرؤوا الفاتحة، وبعض الناس يبتدئ بها في خطبه أو في أحواله، وهذا أيضاً غلط لأن العبادات مبناها على التوقيف، والاتباع.
{يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} فجعلوا السبب الداعي لهم إلى الإيمان وتوابعه: ما علموه من إرشادات القرآن، المشتملة على المصالح والفوائد واجتناب المضار، فهذا هو الإيمان النافع، المثمر لكل خير، المبني على هداية القرآن، بخلاف إيمان العوائد، والمربى والإلف ونحو ذلك، فإنه إيمان تقليد تحت خطر الشبهات والعوارض الكثيرة. [السعدي]
من فضائل القرآن
صحيح مسلم
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله) وفي رواية (ياويلى) (أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار)
من فضائل القرآن
صحيح مسلم
عن معاوية رضى الله عنه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: " ما يجلسكم؟) فقالوا: جلسنا نذكر الله تعالى ونحمده على ما هدانا الإسلام، و من علينا به. فقال: (أتاني جبريل صلى الله عليه وسلم فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة "
أذهلني يوما قوله تعالى: { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ } فقلت: يا لطيف! علمت أن قلوب أوليائك الذين تتراءى لهم تلك الأهوال لا تتمالك؛ فلطفت بهم فأضفت " الملك " إلى أعم اسم في الرحمة فقلت:{الرحمن} ! ولو كان بدله اسما آخر كالعزيز والجبار؛ لتفطرت القلوب. [الزركشي]
قال تعالى بعد ذكر المناسك: {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} [البقرة:199] كثيرا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات. عن وهيب بن الورد أنه قرأ: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا} [البقرة:127] ثم بكى وقال: يا خليل الرحمن! ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق أن لا يتقبل منك؟ [ابن كثير]
{واعف عنا واغفر لنا وارحمنا} في الحديث القدسي أن الله تعالى قال: (قد فعلت). وانظر إلى ترتبها: فالعفو طلب إسقاط العقوبة، ثم تدرج منه إلى المغفرة، وهي طلب الستر (وقد تسقط العقوبة ولا يستر الذنب)، ثم تدرج منه إلى الرحمة، وهي كلمة جامعة لأنواع من الخير والإحسان، فالحمد لله الذي لا أعظم من رحمته.
(هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم.. هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة..). [مسلم]
تدبر قوله تعالى: { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } [البقرة:168] فتسمية استدراج الشيطان " خطوات " فيه إشارتان: [1] الخطوة مسافة يسيرة، وهكذا الشيطان يبدأ بالشيء اليسير من البدعة، أو المعصية، حتى تألفها النفس. [2] قوله: (خطوات) دليل على أن الشيطان لن يقف عند أول خطوة في المعصية [فهد العيبان].
(ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين) علاج ضيقة الصدر بسبب ما يقول الأعداء: التسبيح السجود
{وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} [هود:117] تأمل في الجملة الأخيرة (وأهلها مصلحون) ولم يقل: صالحون؛ لأن الصلاح الشخصي المنزوي بعيدا، لا يأسى لضعف الإيمان، ولا يبالي بهزيمة الخير، فكن صالحا مصلحا، وراشدا مرشدا.
تأمل قول يوسف عليه السلام: {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن} [يوسف:100] فلم يذكر خروجه من الجب، مع أن النعمة فيه أعظم، لوجهين: أحدهما: لئلا يستحيي إخوته، والكريم يغضي عن اللوم، ولاسيما في وقت الصفاء. والثاني: لأن السجن كان باختياره، فكان الخروج منه أعظم، بخلاف الجب. [الزركشي]
قوله تعالى: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } [يوسف:87] رغم كثرة المصائب وشدة النكبات والمتغيرات التي تعاقبت على نبي الله يعقوب عليه السلام، إلا أن الذي لم يتغير أبدا هو حسن ظنه بربه تعالى [صالح المغامسي].
من فوائد قصة موسى مع الخضر: أن من ليس له صبر على صحبة العالم والعلم، فإنه يفوته بحسب عدم صبره كثير من العلم، ومن استعمل الصبر ولازمه، أدرك به كل أمر سعى فيه [ابن سعدي]
فاستبقوا الخيرات
البخاري
قال رسولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم " مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ "
فضل الذكر
صحيح الترغيب للالبانى
عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى قال ذكر الله قال معاذ بن جبل ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله
فضل الذكر
صحيح الترغيب للالبانى
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عجز منكم عن الليل أن يكابده وبخل بالمال أن ينفقه وجبن عن العدو أن يجاهده فليكثر ذكر الله
فضل الذكر
صحيح الترغيب للالبانى
عن ثوبان رضي الله عنه قال لما نزلت والذين يكنزون الذهب والفضة التوبة 43 قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فقال بعض أصحابه أنزلت في الذهب والفضة لو علمنا أي المال خير فنتخذه فقال أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه
عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء» [مسلم 234 والترمذي واللفظ له 55].
الصدقة الجارية
( صحيح ) انظر حديث رقم : 793 في صحيح الجامع
كالمساعدة في بناء مسجد أو بئر أو مدرسة أو ملجأ أو تربية الأطفال على الدين الصحيح أو نصح الآخرين ودعوتھم إلى لله. الدليل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له
الصبر على البلاء
( حسن ) انظر حديث رقم : 5484 في صحيح الجامع .
ثوابه عظيم جدا حتى أن المعافون يوم القيامة يتمنون أن لو قرضوا بالمقاريض مما يرون من جزيل الثواب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليودن أھل العافية يوم القيامة أن جلودھم قرضت بالمقاريض مما يرون من ثواب أھل البلاء.
فاستبقوا الخيرات
صحيح الجامع
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: و لأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شھرا
فاستبقوا الخيرات
صحيح الجامع
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أتى فراشه و ھو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح كتب له ما نوى و كان نومه صدقة عليه من ربه.
فاستبقوا الخيرات
صحيح الترغيب للالباني
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ألا أدلك على أبواب الخير قلت بلى يا رسول الله قال الصوم جنة والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار
فاستبقوا الخيرات
صحيح الترغيب للالباني
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء قالوا لا يبقى من درنه شيء قال فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا
أدعية من القرآن
البقرة 201
" رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "
(سبحان الذي تعطف العزّ وقال به، سبحان الذي لبس المجد وتكرم به، سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا له، سبحان ذي الفضل والنعم، سبحان ذي المجد والكرم، سبحان ذي الجلال والإكرام).
جاء رجل إلى وهب بن منبه فقال: علمني شيئا ينفعني الله به قال: « أكثر من ذكر الموت وأقصر أملك، وخصلة ثالثة، إن أنت أصبتها بلغت الغاية القصوى، وظفرت بالعبادة. قال: ما هي؟ قال: التوكل ».
قال ابن القيم رحمه الله تعالى التوكل نصف الدين والنصف الثاني الإنابة فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة.
قرأ رجل هذه الآية { وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا } فأقبل على سليمان الخواص فقال: يا أبا قدامة ما ينبغي لعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله في أمره ثم قال: والله يا أبا قدامة لو عامل عبد الله بحسن التوكل عليه وصدق النية له بطاعته لاحتاجت إليه الأمراء فمن دونهم وكيف يكون هذا يحتاج ومؤمله وملجأه إلى الغني الحميد.
من عجيب أمر الرزق أنه أعرَفُ بمكانك وعنوانك ٬منك بمكانة وعنوانه ٬ فإنْ قُسِم لك الرزق جاءك بطرق عليك الباب ٬ وإنْ حُرمت منه أعياك طلبه ٬ لذلك يقول أحد الصالحين: عجبتُ لابن آدم يسعى فيما ضُمِن له ويترك ما طُلِب منه.
فائدة
الخلاصة البهية فى ترتيب أحداث السيرة النبوية للشيخ وحيد عبدالسلام
11 - وفي مرجعهم من بدر توفيت رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. -- مرضت رقية رضى الله عنها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعد للخروج إلى بدر، وأمر النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عُثْمَان بالبقاء لرعاية رُقَيَّة فِي مَرَضهَا، فَمَاتَتْ رُقَيَّة حِين وَصَلَ زَيْد بْن حَارِثَة بِالْبِشَارة وقد روى الإمام البخاري رحمه الله من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل لعثمان أجر من شهد بدر وسهمه لأنه إنما تغيب بأمره صلى الله عليه وسلم لتمريض السيدة رقية عليها السلام.
قال سعيد بن جبير: " التوكل على الله جماع الإيمان، وكان يدعو اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك، وحسن الظن بك ".
أفضل ما يُسأل الرب تبارك وتعالى: الإعانة على مرضاته، وهو الذي علّمه النبي لمعاذ بن جبل فقال: يا معاذ! والله إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. فأنفع الدعاء: طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب: إسعافه بهذا المطلوب.
الواجب على الإنسان إذا أعطاه الله ما أعطاه بلا سؤال ان: تسأله أن يجعله عوناً لك على طاعته، وبلاغاً إلى مرضاته، ولا يجعله قاطعاً لك عنه، ولا مبعداً عن مرضاته، فلا تظن أن عطاءه كل ما أعطى لكرامة عبده عليه، ولا منعه كل ما يمنعه لهوان عبده عليه، ولكن عطاؤه ومنعه ابتلاء وامتحان يمتحن بهما عباده.
من أحسن ظنه بنفسه فهو من أجهل الناس بنفسه. لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش، ويلبّس عليه، فيرى المساوىء محاسن، والعيوب كمالاً
الخوف يثمر الورع والاستعانة وقصر الأمل. وقوة الإيمان باللقاء تثمر الزهد. والمعرفة تثمر المحبة والخوف والرجاء. والقناعة تثمر الرضاء. والذكر يثمر حياة القلب. والإيمان بالقدر يثمر التوكل.
عن أبي سليمان الداراني في قوله تعالى: " وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا "، قال: صبروا عن الشهوات "
قال أبو سليمان الداراني رحمه الله: جلساء الرحمن عز وجل يوم القيامة من جعل فيه خصال الكرم والسخاء والحلم والرحمة والرأفة والشكر والبر والصبر.
قال أبو سليمان الداراني لما بلغه مقولة ابن سيرين (قلت مرة لرجل: يا مفلس فعوقبت): قلت ذنوب القوم فعرفوا من أين أتوا، و كثرث ذنوبنا فلم ندر من أين نؤتى.
حضر أبا سليمان الداراني الموت، فقال له أصحابه: أبشر فإنك تقدم على رب غفور رحيم فقال لهم: ألا تقولون تقدم على رب يحاسبك بالصغير ويعاقبك بالكبير.
عن أبي سليمان الداراني رحمه الله قال: لا يصبر عن شهوات الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله من الآخرة.
قال أبو سليمان الداراني رحمه الله: من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسأله حاجته ثم يختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يدع ما بينهما.
فائدة
من كتاب لا تحزن
واصبر وما صبرك إلا بالله ، اصبر صبر واثق بالفرج، عالم بحسن المصير، طالب للأجر، راغب في تكفير السيئات، اصبر مهما ادلهمت الخطوب، وأظلمت أمامك الدروب، فإن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا.
فائدة
من كتاب لا تحزن
إن الانزواء في الغرفة الضيقة مع الفراغ القاتل طريق ناجح للانتحار ، وليست غرفتك هي العالم، ولست أنت كل الناس فلم الاستسلام أمام كتائب الأحزان؟ ألا فاهتف ببصرك وسمعك وقلبك: ﴿ انفروا خفافا وثقالا ﴾، تعال لتقرأ القرآن هنا بين الجداول والخمائل، بين الطيور وهي تتلو خطب الحب، وبين الماء وهو يروي قصة وصوله من التل.
فائدة
من كتاب لا تحزن
لما ألقي إبراهيم عليه السلام في النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، ورسولنا صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما هددوا بجيوش الكفار، وكتائب الوثنية قالوا: { حسبنا الله ونعم الوكيل {173} فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم }.
فائدة
من كتاب لا تحزن
حسبنا الله ونعم الوكيل تفويض الأمر إلى الله، والتوكل عليه، والثقة بوعده، والرضا بصنيعه وحسن الظن به، وانتظار الفرج منه ؛ من أعظم ثمرات الإيمان، وأجل صفات المؤمنين، وحينما يطمئن العبد إلى حسن العاقبة، ويعتمد على ربه في كل شأنه، يجد الرعاية، والولاية، والكفاية، والتأييد، والنصرة. ﴾
فائدة
من كتاب لا تحزن
﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ : يقولها كل من يتيقن رعاية الله، وولايته ولطفه ونصره. ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾: كفايته تكفيك، وولايته تحميك. ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ﴾: وكل من سلك هذه الجادة حصل على هذا الفوز. ﴿ وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾: وما سواه فميت غير حي، زائل غير باق، ذليل وليس بعزيز.
فائدة
من كتاب لا تحزن
لا تحزن: إن كنت فقيرا فغيرك محبوس في دين، وإن كنت لا تملك وسيلة نقل، فسواك مبتور القدمين، وإن كنت تشكو من آلام فالآخرون يرقدون على الأسرة البيضاء ومنذ سنوات، وإن فقدت ولدا فسواك فقد عددا من الأولاد في حادث واحد.
فائدة
من كتاب لا تحزن
لا تحمل الكرة الأرضية على رأسك ، دع الأحداث على الأرض ولا تضعها في أمعائك. إن بعض الناس عنده قلب كالإسفنجة يتشرب الشائعات والأراجيف، ينزعج للتوافه، يهتز للواردات، يضطرب لكل شيء، وهذا القلب كفيل أن يحطم صاحبه، وأن يهدم كيان حامله.
فائدة
من كتاب لا تحزن
لا تحمل الكرة الأرضية على رأسك نفر من الناس تدور في نفوسهم حرب عالمية، وهم على فرش النوم، فإذا وضعت الحرب أوزارها غنموا قرحة المعدة، وضغط الدم والسكري. يحترقون مع الأحداث، يغضبون من غلاء الأسعار، يثورون لتأخر الأمطار، يضجون لانخفاض سعر العملة، فهم في انزعاج دائم، وقلق واصب ﴿ يحسبون كل صيحة عليهم ﴾.
فائدة
من كتاب لا تحزن
﴿ واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون {127} إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ : فهذه معيته الخاصة لأوليائه بالحفظ والرعاية والتأييد والولاية، بحسب تقواهم وجهادهم. ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾: علوا في العبودية والمكانة.
فائدة
من كتاب لا تحزن
لا تحزن: لأن القضاء مفروغ منه، والمقدور واقع، والأقلام جفت، والصحف طويت، وكل أمر مستقر، فحزنك لا يقدم في الواقع شيئا ولا يؤخر، ولا يزيد ولا ينقص.
فائدة
من كتاب لا تحزن
انتظر الفرج في الحديث عند الترمذي: « أفضل العبادة: انتظار الفرج ». ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾. صبح المهمومين والمغمومين لاح، فانظر إلى الصباح، وارتقب الفتح من الفتاح. تقول العرب: « إذا اشتد الحبل انقطع ». والمعنى: إذا تأزمت الأمور، فانتظر فرجا ومخرجا. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ﴾. وقال جل شأنه: ﴿ ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ﴾. ﴿ ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ﴾.
فائدة
من كتاب لا تحزن
أكثر من الاستغفار ﴿ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا{10} يرسل السماء عليكم مدرارا{11} ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾. فأكثر من الاستغفار، لترى الفرح وراحة البال، والرزق الحلال، والذرية الصالحة، والغيث الغزير. ﴿ وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾. وفي الحديث: (من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا).
فائدة
من كتاب لا تحزن
اطلب ثوابك من ربك اجعل عملك خالصا لوجه الله، ولا تنتظر شكرا من أحد، ولا تهتم ولا تغتم إذا أحسنت لأحد من الناس، ووجدته لئيما، لا يقدر هذه اليد البيضاء، ولا الحسنة التي أسديتها إليه، فاطلب أجرك من الله. يقول سبحانه عن أوليائه: ﴿ يبتغون فضلا من الله ورضوانا ﴾. وقال سبحانه عن أنبيائه: ﴿ وما أسألكم عليه من أجر ﴾. ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم﴾.﴿ وما لأحد عنده من نعمة تجزى﴾. ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾.
فائدة
من كتاب لا تحزن
لا تراقب تصرفات الناس فإنهم لا يملكون ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا ثوابا ولا عقابا. قال إبراهيم بن أدهم: نحن في عيش لو علم به الملوك لجالدونا عليه بالسيوف. وقال ابن تيمية: إنه ليمر بالقلب حال، أقول: إن كان أهل الجنة في مثل حالنا إنهم في عيش طيب. قال أيضا: إنه ليمر بالقلب حالات يرقص طربا، من الفرح بذكره سبحانه وتعالى والأنس به.
فائدة
من كتاب لا تحزن
لا تحزن: فإن الله يدافع عنك، والملائكة تستغفر لك، والمؤمنون يشركونك في دعائهم كل صلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم يشفع، والقرآن يعدك وعدا حسنا، وفوق هذا رحمة أرحم الراحمين.
فائدة
من كتاب لا تحزن
لا تحزن من تعسر الرزق فإن الرزاق هو الواحد الأحد، فعنده رزق العباد، وقد تكفل بذلك، ﴿ وفي السماء رزقكم وما توعدون ﴾. فإذا كان الله هو الرزاق فلم يتملق البشر، ولم تهان النفس في سبيل الرزق لأجل البشر؟! قال سبحانه: ﴿ وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾. وقال جل اسمه: ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ﴾.
فائدة
من كتاب لا تحزن
فوائد الشدائد فإن الشدائد تقوي القلب، وتمحو الذنب، وتقصم العجب، وتنسف الكبر، وهي ذوبان للغفلة، وإشعال للتذكر، وجلب عطف المخلوقين، ودعاء من الصالحين، وخضوع للجبروت، واستسلام للواحد القهار، وزجر حاضر، ونذير مقدم، وإحياء للذكر، وتضرع بالصبر، واحتساب للغصص، وتهيئة للقدوم على المولى، وإزعاج عن الركون على الدنيا والرضا بها والاطمئنان إليها، وما خفي من اللطف أعظم، وما ستر من الذنب أكبر، وما عفي من الخطأ أجل.
فائدة
من كتاب لا تحزن
يقولُ ابنُ القيِّم: (أجمع العارفون بالله على أنَّ الخِذْلان: أنْ يكلك اللهُ على نفسِك، ويُخلِّي بينك وبينها. والتوفيقُ أنْ لا يكِلك اللهُ إلى نفسِك.
فائدة
من كتاب لا تحزن
أحمدُ بنُ حنبل عاش سعيداً ، وكان ثوبُه أبيض مرقَّعاً، يخيطُه بيدِهِ، وعندهُ ثلاثُ غُرفٍ منْ طينٍ يسكُنها، ولا يجدُ إلا كِسرَ الخُبْزِ مع الزيتِ، وبقي حذاؤه – كما قال المترجمون عنهُ – سبع عشرة سنةً يرقِّعها ويخيطُها، ويأكلُ اللحم في شهرٍ مرَّةً ويصومُ غالب الأيامِ، يذرعُ الدنيا ذهاباً وإياباً في طلَبِ الحديثِ، ومع ذلك وجد الراحة والهدوء والسكينة والاطمئنان ؛ لأنهُ ثابتُ القدم، مرفوعُ الهامةِ، عارفٌ بمصيرِه، طالبٌ لثوابٍ، ساعٍ لأجرٍ، عاملٌ لآخرةٍ، راغبٌ في جنَّةٍ.
فائدة
من كتاب لا تحزن
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ . إي: يدفعُ عنهمُ شرور الدنيا والآخرة. « هذا إخبارٌ ووعدٌ وبشارةٌ من اللهِ للذين آمنوا، أنه يدفعُ عنهمْ كلَّ مكروهٍ، ويدفعُ عنهم – بسببِ إيمانِهم – كلَّ شرٍّ منْ شرورِ الكفارِ، وشرورِ وسوسةِ الشيطانِ، وشرورِ أنفسِهم، وسيئاتِ أعمالِهم، ويحملُ عنهمْ عند نزولِ المكارهِ ما لا يتحملونه، فيُخفِّف عنهمْ غاية التخفيفِ، كلُّ مؤمنٍ له منْ هذه المدافعةِ والفضيلةِ بحسب إيمانِه، فمُستقلٌّ ومُستكثِرٌ ».
فائدة
من كتاب لا تحزن
كان يقالُ: المِحنُ آدابُ اللهِ عزَّ وجلَّ لخلقِهِ ، وتأديبُ اللهِ يفتحً القلوب والأسماع والأبصار. ووصف الحّسَنُ بنُ سَهْلٍ المِحن فقال: فيها تمحيصٌ من الذنبِ، وتنبيهٌ من الغفلةِ، وتعرُّضٌ للثوابِ بالصبرِ، وتذكيرٌ بالنعمةِ، واستدعاءٌ للمثوبةِ، وفي نظرِ اللهِ عزَّ وجلَّ وقضائِهِ الخيارُ.
إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن: فإن ردّه ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه، وجمعه عليه وطرحه ببابه، فهو علامة سعادته وإرادة الخير به، والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت. وإن لم يردّه ذلك البلاء إليه بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق وأنساه ذكر ربه والضراعة إليه والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه فهو علامة شقاوته وإرادة الشر به.
رأيت من البلاء العجاب. أن المؤمن يدعو فلا يجاب، فيكرر الدعاء وتطول المدة، ولا يرى أثراً للإجابة، فينبغي له أن يعلم أن هذا من البلاء الذي احتاج إلى الصبر. وما يعرض للنفس من الوسواس في تأخير الجواب مرض يحتاج إلى طب.
مما أفادتني تجارب الزمان: أنه لا ينبغي لأحد أن يظاهر بالعداوة أحداً ما استطاع، فإنه ربما يحتاج إليه، مهما كانت منزلته
ومن تأمل ذل إخوة يوسف عليهم السلام يوم قالوا: " وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا " عرف شؤم الزلل. ومن تدبر أحوالهم قاس ما بينهم وبين أخيهم من الفروق. وإن كانت توبتهم قبلت، لأنه ليس من رقع وخاط كمن ثوبه صحيح.
إن للخلوة تأثيرات تبين في الجلوة، كم من مؤمن بالله عز وجل يحترمه عند الخلوات فيترك ما يشتهي حذراً من عقابه، أو رجاء لثوابه، أو إجلالاً له، فيكون بذلك الفعل كأنه طرح عوداً هندياً على مجمر فيفوح طيبه فيستنشقه الخلائق ولا يدرون أين هو
الحق عز وجل أقرب إلى عبده من حبل الوريد، لكنه عامل العبد معاملة الغائب عنه البعيد منه. فأمر بقصد نيته ورفع اليدين إليه والسؤال له. فقلوب الجهال تستشعر البعد، ولذلك تقع منهم المعاصي إذ لو تحققت مراقبتهم للحاضر الناظر لكفوا الأكف عن الخطايا. والمتيقظون علموا قربه فحضرتهم المراقبة وكفتهم عن الانبساط.
ليس المؤمن بالذي يؤدي فرائض العبادات صورة، ويتجنب المحظورات فحسب إنما المؤمن هو الكامل الإيمان، لا يختلج في قلبه اعتراض، ولا يساكن نفسه فيما يجري وسوسة. وكلما اشتد البلاء عليه زاد إيمانه وقوي تسليمه.
إبراهيم بن الأشعث (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) سورة: هود آية رقم: 7، قال: أخلصه وأصوبه قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السنة.
عن عبد الله بن المبارك قال: لو أن رجلاً اتقى مائة شيء ولم يتورع عن شيء واحد لم يكن ورعاً، ومن كان فيه خلة من الجهل كان من الجاهلين، أما سمعت الله تعالى قال لنوح عليه السلام: (وَنَادَى نُوحٌ رّبّهُ فَقَالَ إِنّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي) [هود:45]. فقال الله: (إِنّيَ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) هود: 46]
الاستقامَــة طريق أَولها الكرَامة، وَأوسطها السلامة، وَآخرهَا الجَنة.
يقول الله عز وجل حاكيًا عن نوح وهو يدعو قومه إلى الاستغفار: " وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ " [هود: 52]. أمر هود - عليه السلام - قومه بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة، وبالتوبة عما يستقبلونه، ومن اتصف بهذه الصفة يسَّر الله عليه رزقه، وسهَّل عليه أمره، وحفظ شأنه. تفسير ابن كثير.
حتى تكون أسعد الناس: ارض عن نفسك وتقبلها: من المهم جداً أن تنتهي إلى قرار بالرضا عن نفسك، والثقة في تصرفاتك، وعدم الاهتمام بما يوجه إليك من نقد، طالما أنت ملتزم بالصراط المستقيم، فالسعادة تهرب من حيث يدخل الشك أو الشعور بالذنب.
فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فاللهَ اللهَ في السرائر، فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر
جاء رجل إلى الحسن البصري فقال له: إني أعصي الله وأذنب، وأرى الله يعطيني ويفتح علي من الدنيا، ولا أجد أني محروم من شيء فقال له الحسن: هل تقوم الليل فقال: لا، فقال: كفاك أن حرمك الله مناجاته.
من وطن قلبه عند ربه سكن واستراح، ومن أرسله في الناس اضطرب واشتد به القلق. لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة. إذا أحب الله عبدا اصطنعه لنفسه واجتباه لمحبته واستخلصه لعبادته فشغل همته بخدمته.
قال أبو سليمان الداراني رحمه الله: إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء.
