ابن تيمية
A
أن اسم تقوى الله يجمع فعل كل ما أمر الله به إيجابا واستحبابا، وما نهى عنه تحريما وتنزيها؛ وهذا يجمع حقوق الله وحقوق العباد.
من أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله، وتدبره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام لا منظومه ولا منثوره
الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع، لم يبق فيها فضل للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث
فإذا أراد الله بعبده خيراً ألهمه دعـاءه والاستعانة به، وجعـل استعانته ودعاءه سبباً للخير الذي قضاه له
وكلما كان في القلب حب لغير الله، كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك، وكلما كان فيه عبودية لغير الله كان فيه حب لغير الله بحسب ذلك.
قدمنا: أن محبة الله تعالى هي: محبته ومحبة ما أحب. وطاعة الرسول ومتابعته لا تكون إلا بتحقيق العبودية
وأما المخلوق فكما قيل: استغن عمن شئت تكن نظيره، وأفضِل على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره
وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته، ورجاؤه لقضاء حاجته ودفع ضرورته قويت عبوديته له، وحريته مما سواه.
الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكليـة قدح في الشرع
دلت هذه الكلمة العظيمة [لا حول ولا قوة إلا بالله] على أنه ليس للعالم العلوي والسفلي حركة وتحول من حال إلى حال، ولا قدرة على ذلك إلا بالله، ومن الناس من يفسر ذلك بمعنى خاص يقول: لا حول من معصيته إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعرفته، والصواب الذي عليه الجمهور هو التفسير الأول، وهو الذي يدل عليه اللفظ، فإن الحول لا يختص بالحول عن المعصية، وكذلك القوة لا تختص بالقوة على الطاعة، بل لفظ الحول يعم كل تحول
الزهد المشـروع: هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة، وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله، والورع المشـروع: هـو ترك ما قد يضر في الدار الآخرة، وهـو ترك المحرمـات والشبهات
وكثير ما يقرن الناس بين الرياء والعجب، فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعجب من باب الإشراك بالنفس، وهذا حال المستكبر، فالمرائي لا يحقق قوله (إياك نعبـد) والمعجب لا يحقـق قوله (إياك نستعين) فمن حقـق قوله (إياك نعبد) خرج عـن الرياء، ومن حقق قوله (وإياك نستعين) خرج عن الإعجاب
من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن ينزل بهم الشدة والضر وما يلجئهم إلى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين ويرجونه لا يرجون أحداً سواه، وتتعلق قلوبهم به لا بغيره، فيحصل لهم من التوكل عليه والإنابة إليه، وحلاوة الإيمان وذوق طعمه، والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف أو الجدب، أو حصول اليسر وزوال العسر في المعيشة فإن ذلك لذات بدنية ونعم دنيوية قد يحصل للكافر منها أعظم مما يحصل للمؤمن
