فوائد من كتاب التخويف من النار لابن رجب الحنبلى رحمه الله
A
قال الحسن في قوله تعالى { نذيرا للبشر } قال: و الله ما أنذر العباد بشيء قط أدهى منها. قال قتادة في قوله تعالى: { إنها لإحدى الكبر } يعني النار.
قال يوسف بن عطية عن المعلمي بن زياد: كان هرم بن حيان يخرج في بعض الليالي و ينادي بأعلى صوته: عجبت من الجنة كيف نام طالبها و عجبت من النار كيف نام هاربها ثم يقول: { أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا و هم نائمون }.
قال أبو الجوزاء: لو وليت من أمر الناس شيئا اتخذت منارا على الطريق و أقمت عليها رجالا ينادون في الناس: النار النار.
عن مالك بن دينار قال: لو وجدت أعوانا لناديت في منار البصرة بالليل: النار النار ثم قال: لو وجدت أعوانا لفرقتهم في منار الدنيا: يا أيها الناس النار النار.
قال إبراهيم التيمي: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار لأن أهل الجنة قالوا: { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } و ينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا: { إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين }
قال عمر: لو نادى منادي من السماء: أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلا واحدا لخفت أن أكون أنا هو.
عن عبد الله بن الرومي قال: بلغني أن عثمان رضي الله عنه قال: لو أني بين الجنة و النار ـ و لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي ـ لا خترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتها أصير.
قال ابن المبارك: أنبأني عمر بن عبد الرحمن بن مهدي سمعت وهب بن منبه يقول: قال حكيم من الحكماء إني لأستحي من الله عز و جل أن أعبده رجاء ثواب الجنة ـ أي فقط ـ فأكون كالأجير السوء إن أعطي عمل و إن لم يعط لم يعمل و إني لأستحي من الله أن أعبده مخافة النار أي فقط فأكون كعبد السوء إن رهب عمل و إن لم يرهب لم يعمل و إنه يستخرج حبه مني ما لا يستخرجه مني غيره خرجه أبو نعيم بهذا اللفظ و في تفسير لهذا الكلام من بعض رواته و هو أنه ذم العبادة على وجه الرجاء وحده أو على وجه الخوف وحده و هذا حسن.
كان بعض السلف يقول: من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ و من عبده بالخوف وحده فهو حروري و من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق و من عبده بالخوف و الرجاء و المحبة فهو موحد مؤمن و سبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة: المحبة و الخوف و الرجاء و لا بد له من جميعها و من أخل ببعضها فقد أخل ببعض واجبات الإيمان.
قال حذيفة المرعشي: إن عبدا يعمل على خوف لعبد سوء و إن عبدا يعمل على رجاء لعبد سوء كلاهما عندي سواء و مراده إذا عمل على إفراد أحدهما عن الآخر.
قال وهيب بن الورد: لا تكونوا كالعامل يقال له: تعمل كذا و كذا فيقول: نعم إن أحسنتم لي من الأجر و مراده: ذم من لا يلحظ في العمل إلا الأجر.
قال سفيان بن عيينة: خلق الله النار رحمة يخوف بها عباده لينتهوا. قال سليمان بن سحيم: أخبرني من رأى ابن عمر يصلي و هو يترجح و يتمايل و يتأوه حتى لو رآه غيرنا ممن يجهله لقال: لقد أصيب الرجل و ذلك لذكر النار إذا مر بقوله تعالى: " و إذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا ".
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: قلت ليزيد بن مرثد: مالي أرى عينك لا تجف؟ قال: و ما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به قال: يا أخي إن الله توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار و الله لو لم يوعدني أن يسجنني إلا في الحمام لكنت حريا أن لا تجف لي عين قلت له: فهكذا أنت في صلاتك؟ قال: و ما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به قال: و الله إن ذلك ليعرض لي حين أسكن إلى أهلي فيحول بيني و بين ما أريد و إنه ليوضع الطعام بين يدي فيعرض لي فيحول بيني و بين أكله حتى تبكي امرأتي و تبكي صبياننا ما يدرون ما أبكانا و ربما أضجر ذلك امرأتي فتقول: يا ويحها و ما خصه من طول الحزن معك في الحياة الدنيا ما يقر لي معك عين.
قال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن و عمر بن عبد العزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما. روى ضمرة عن حفص بن عمر قال: بكى الحسن فقيل ما يبكيك؟ قال: أخاف أن يطرحني غدا في النار و لا يبالي.
عن الفرات بن سليمان قال: كان الحسن يقول: إن المؤمنين قوم ذلت و الله منهم الأسماع و الأبصار و الأبدان حتى حسبهم الجاهل مرضى و هم و الله أصحاب القلوب ألا تراه يقول: { و قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } والله لقد كابدوا في الدنيا حزنا شديدا و جرى عليهم ما جرى على من كان قبلهم الله ما أحزنهم ما أحزن الناس و لكن أبكاهم و أحزنهم الخوف من النار.
روى ابن أبي الدنيا من حديث عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال سمعت عبد الله بن حنظلة يوما و هو على فراشه و عدته من علته فتلا رجل عنده هذه الآية: { لهم من جهنم مهاد و من فوقهم غواش } فبكى حتى ظننت أنه نفسه ستخرج و قال: صاروا بين أطباق النار ثم قام على رجليه فقال قائل: يا أبا عبد الرحمن اقعد قال: منعني القعود ذكر جهنم و لا أدري لعلي أجدهم.
من حديت عبد الرحمن بن مصعب أن رجلا كان يوما على شط الفرات فسمع تاليا يتلو: { إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون } فتمايل فلما قال التالي: { لا يفتر عنهم و هم فيه مبلسون } سقط في الماء فمات.
عن أبي بكر بن عياش قال صليت خلف فضيل بن عياض صلاة المغرب و إلى جانبي علي ابنه فقرأ الفضيل { ألهاكم التكاثر } فلنا بلغ { لترون الجحيم } سقط مغشيا عليه و بقي الفضيل لا يقدر يجاوز الآية ثم صلى بنا صلاة خائف قال: ثم رابطت عليا فما أفاق إلا في نصف الليل.
عن الفضيل قال: أشرفت ليلة على علي و هو في صحن الدار و هو يقول: النار و متى الخلاص من النار؟ و كان علي يوما عند ابن عيينه فحدث سفيان بحديث فيه ذكر النار و في يد علي قرطاس في شيء مربوط فشهق شهقة و وقع و رمى بالقرطاس أو وقع من يده فالتفت إليه سفيان فقال: لو علمت أنك ههنا ما حدثت به فما أفاق إلا بعد ما شاء الله.
قال علي بن خشرم: سمعت منصور بن عمار يقول: تكلمت يوما في المسجد الحرام فذكرت شيئا من صفة النار فرأيت الفضيل بن عياض صاح حتى غشي عليه و طرح نفسه
صلى علي بن فضيل خلف إمام قرأ في صلاته سورة الرحمن فلما سلم قيل لعلي: أما سمعت ما قرأ الإمام: { حور مقصورات في الخيام } فقال: شغلني عيها ما قبلها: { يرسل عليكما شواظ من نار و نحاس فلا تنتصران }
قال ابن أبي ذئب: حدثني من شهد عمر بن عبد العزيز ـ و هو أمير المدينة ـ و قرأ عنده رجل: { و إذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا } بكى عمر حتى غلبه البكاء و علا نيجشه فقام من مجلسه و دخل بيته و تفرق الناس
قال أبو نوح الأنصاري: وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين و هو ساجد فجعلوا ينادونه: يا ابن رسول الله النار فما رفع رأسه حتى أطفئت فقيل: ما الذي ألهاك عنها؟ قال: النار الأخرى.
قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: ربما مثل لي رأسي بين جبلين من نار و ربما رأيتني أهوي فيها حتى أبلغ قرارها فكيف تهنأ الدنيا من كانت هذه صفته؟.
قال أحمد: و حدثني أبو عبد الرحمن الأسدي قال: قلت لسعيد بن عبد العزيز: ما هذا البكاء الذي يعرض لك في الصلاة؟ فقال: يا ابن أخي و ما سؤالك عن ذلك؟ قلت: يا عم لعل الله أن ينفعني به قال: ما قمت في صلاتي إلا مثلت لي جهنم.
قال سرار أبو عبد الله: عاتبت عطاء السلمي في كثرة بكائه فقال لي: يا سرار كيف تعاتبني في شيء ليس هو لي؟ إني إذا ذكرت أهل النار و ما ينزل بهم من عذاب الله عز و جل و عقابه تمثلت لي نفسي بهم فكيف لنفس تغل يداها إلى عنقها و تسحب إلى النار أن لا تبكي و تصيح؟ و كيف لنفس تعذب أن لا تبكي؟.
قال العلاء بن زياد كان إخوان مطرف عنده فخاضوا في ذكر الجنة و النار فقال مطرف: لا أدري ما تقولون ! حال ذكر النار بيني و بين الجنة. وقال عبد الله بن أبي الهذيل: لقد شغلت النار من يعقل عن ذكر الجنة.
عوتب يزيد الرقاشي على كثرة بكائه و قيل له: لو كانت النار خلقت لك ما زدت على هذا فقال: و هل خلقت النار إلا لي و لأصحابي و لإخواننا من الجن و الإنس؟ أما تقرأ: { سنفرغ لكم أيها الثقلان } أما تقرأ: { يرسل عليكما شواظ من نار و نحاس فلا تنتصران } فقرأ حتى بلغ: { يطوفون بينها و بين حميم آن } وجعل يجول في الدار و يصرخ و يبكي حتى غشي عليه
قرئ على رابعة العدوية آية فيها ذكر النار فصرخت ثم سقطت فمكثت ما شاء الله لم تفق. ودخل ابن وهب الحمام فسمع قارئا يقول: { و إذ يتحاجون في النار } فسقط مغشيا عليه فغسل عنه بالنورة و هو لا يعقل.
لما أهديت معاذة العدوية إلى زوجها صلة بن أشيم أدخله ابن أخيه الحمام ثم أدخله بيتا مطيبا فقام يصلي حتى أصبح و فعلت معاذة كذلك فلما أصبح عاتبه ابن أخيه على فعله فقال له: إنك أدخلتني بالأمس بيتا أذكرتني به النار ثم أدخلتني بيتا أذكرتني به الجنة فما زالت فكرتي فيهما حتى أصبحت.
قال العباس بن الوليد عن أبيه: كان الأوزاعي إذا ذكر النار لم يقطع ذكرها و لم يقدر أحد أن يسأله عن شيء حتى يسكت فأقول بيني و بين نفسي: ترى بقي أحد في المجلس لم يتقطع قلبه حسرات؟.
كانت آمنة بنت أبي الورع من العابدات الخائفات و كانت إذا ذكرت النار قالت: أدخلوا النار و أكلوا و شربوا من النار و عاشوا ثم تبكي و كانت كأنها حبة على مقلي و كانت إذا ذكرت النار بكت و أبكت
قال عبد الواحد بن زيد: لم أر مثل قوم رأيتهم هجمنا مرة على نفر من العباد في سواحل البحر فتفرقوا حين رأونا فما كنت تسمع عامة الليل إلا الصراخ و التعوذ من النار فلما أصبحنا تعقبنا آثارهم فلم نر منهم أحدا.
{ نحن جعلناها تذكرة } قال مجاهد و غيره: يعني أن نار الدنيا تذكر بنار الآخرة. وقال أبو حيان التيمي: سمعت منذ ثلاثين سنة أن عبد الله بن مسعود مر على الذين ينفخون على الكير فسقط.
عن عطاء الخراساني كان أويس القرني يقف على موضع الحدادين فينظر إليهم كيف ينفخون الكير و يسمع صوت النار فيصرخ ثم يسقط. وعن ابن أبي الذباب أن طلحة و زيدا مرا بكير حداد فوقفا ينظران إليه يبكيان.
قال الأعمش: أخبرني من رأى الربيع بن خيثم مر بالحدادين فنظر إلى الكير و ما فيه فخر مغشيا عليه. وقال مطر الوراق كان جمعة و هرم بن حيان إذا أصبحا غديا فمرا بأكورة الحدادين فنظرا إلى الحديد كيف ينفخ فيقفان و يبكيان و يستجيران من النار.
قال حماد بن سلمة عن ثابت: كان بشير بن كعب و قراء البصرة يأتون الحدادين فينظرون إلى شهيق النار فيتعوذون بالله من النار. عن العلاء بن محمد قال دخلت على عطاء السلمي فرأيته مغشيا عليه فقلت لامرأته ما شأنه؟ قالت: سجرت جارة لنا التنور فلما نظر إليه غشي عليه
عن معاوية الكندي قال: مر عطاء السلمي على صبي معه شعلة نار فأصابت النار الريح فسمع ذلك منها فغشي عليه قال الحسن: كان عمر رضي الله عنه ربما توقد له النار ثم يدني يديه منها ثم يقول: يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر؟ !
كان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح بالليل فيضع أصبعه فيه ثم يقول: حس حس ثم يقول: يا حنيف ما حملك على صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟. قال البختري بن حارثة: دخلت على عابد فإذا بين يديه نار قد أججها و هو يعاتب نفسه و لم يزل يعاتبها حتى مات.
قال أسد بن وداعة: كان شداد بن أوس إذا أوى إلى فراشه كأنه حبة على مقلى فيقول: اللهم إن ذكر جهنم لا يدعني أنام فيقوم إلى مصلاه.
قال أبو سليمان الداراني: كان طاووس يفترش فراشه ثم يضطجع عليه فيتقلى كما تقلى الحبة على المقلى ثم يثب فيدرجه و يستقبل القبلة حتى الصباح و يقول: طير ذكر جهنم نوم العابدين.
قال مالك بن دينار: قالت ابنة الربيع بن خيثم: يا أبت مالك لا تنام و الناس ينامون؟ فقال: إن النار لا تدع أباك ينام. وكان صفوان بن محرز إذا جنه الليل يخور كما يخور الثور و يقول: منع خوف النار مني الرقاد.
كان عامر بن عبد الله يقول: ما رأيت مثل الجنة نام طالبها و ما رأيت مثل النار نام هاربها فكان إذا جاء الليل قال: أذهب حر النار النوم فما ينام حتى يصبح و إذا جاء النهار قال: أذهب حر النار النوم فما ينام حتى يمسي. روي عنه أنه كان يتلوى الحب في المقلى ثم يقوم فينادي: اللهم إن النار قد منعتني من النوم فاغفر لي و روي عنه أنه قيل له: مالك لا تنام؟ قال: إن ذكر جهنم لا يدعني أنام.
قال الحر بن حصين الفزاري: رأيت شيخا من بني فزارة أمر له خالد بن عبد الله بمائة ألف فأبى أن يقبلها و قال: أذهب ذكر جهنم حلاوة الدنيا من قلبي قال: و كان يقوم إذا نام الناس فيصيح: النار النار النار.
كان رجل من الموالي يقال له صهيب و كان يسهر الليل و يبكي فعوتب على ذلك و قالت له مولاته: أفسدت على نفسك فقال إن صهيبا إذا ذكر الجنة طال شوقه و إذا ذكر النار طال نومه.
عن أبي مهدي قال: ما كان سفيان الثوري ينام إلا أول الليل ثم ينتفض فزعا مرعوبا ينادي: النار النار شغلني ذكر النار عن النوم و الشهوات ثم يتوضأ و يقول على أثر وضوئه: اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلم و ما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار.
قال إسماعيل السدي: قال الحجاج لسعيد بن جبير: بلغني أنك لم تضحك قط قال: كيف أضحك وجهنم قد سعرت و الأغلال قد نصبت و الزبانية قد أعدت؟ !
قال عثمان بن عبد الحميد: وقع في جيران غزوان حريق فذهب يطفئه فوقع شرارة على أصبع من أصابعه فقال: ألا أراني قد أوجعتني نار الدنيا و الله لا يراني ضاحكا حتى أعرف أينجيني من نار جهنم أم لا؟.
كان جماعة من السلف عاهدوا الله أن لا يضحكوا أبدا حتى يعلموا أين مصيرهم إلى الجنة أم إلى النار منهم جمعة الدوسي و الربيع بن خراش و أخوه ربعي و أسلم العجلي و وهيب بن الورد و غيرهم.
كان الحسن يقول في وصف الخائفين: قد براهم الخوف فهم أمثال القداح ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى و ما بهم مرض و يقول: قد خولطوا و قد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم ! !
سمع عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ رجلا يتهجد في الليل و يقرأ سورة الطور فلما بلغ إلى قوله تعالى: { إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع } قال عمر: قسم و رب الكعبة حق ثم رجع إلى منزله فمرض شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه
كان جماعة من عباد البصرى مرضوا من الخوف و لزموا منازلهم كالعلاء بن زياد و عطاء السلمي و كان عطاء قد صار صاحب فراش عدة سنين و كانوا يرون أن بدأ مرض عمر بن عبد العزيز الذي مات فيه كان من الخوف.
قال حفصى بن عمرو الجعفي: اشتكى داود الطائي أياما و كان سبب علته أنه مر بآية فيها ذكر النار فكررها مرارا في ليلته فأصبح مريضا فوجدوه قد مات و رأسه على لبنة.
مر منصور بن عمار بالكوفة ليلا وسمع صوتا يناجي ربه فتلا منصور هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة } قال منصور فسمعت دكدكة لم أسمع بعدها حسا و مضيت فلما كان من الغد رجعت فاذا جنازة قد أخرجت و إذا عجوز فسألتها عن أمر الميت ولم تكن عرفتني فقالت هذا رجل لا جازاه الله خيرا مر بابني البارحة و هو قائم يصلي فتلا آية من كتاب الله فتفطرت مرارته فوقع ميتا.
عن محمد بن الحسين حدثني بعض أصحابنا حدثني عبد الوهاب قال: بينما أنا جالس في الحدادين ببلخ إذ مر رجل فنظر إلى النار في الكور فسقط فقمنا و نظرنا فإذا هو قد مات.
عن البختري بن يزيد عن حارثة الأنصاري أن رجلا من العباد وقف على كور حداد و قد كشف عنه فجعل ينظر إليه و يبكي قال: ثم شهق شهقة فمات.
لما مات المنصور بن المعتمر صاحت أمه: و اقتيل جهنماه ! ما قتل ابني إلا خوف جهنم. قيل ان علي بن فضيل مات من سماع قراءة هذه الآية: { ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين }.
قال يونس بن عبد الأعلى: قرأ عبد الله بن وهب كتاب الأهوال فمر في صفة النار فشهق فغشي عليه فحمل إلى منزله و عاش أياما ثم مات رحمه الله.
عن عامر بن يساف عن يحيى بن أبي كثير قال: قطع قلوب الخائفين طول الخلودين في الجنة أو النار. عن ابن السماك قال: قطع قلوب العارفين بالله ذكر الخلودين الجنة و النار.
عن بكر المزني أن أبا موسى الأشعري خطب الناس بالبصيرة فذكر في خطبته النار فبكى حتى سقطت دموعه على المنبر قال: و بكى الناس يومئذ بكاء شديدا.
عن إبراهيم بن محمد البصري قال: نظر عمر بن عبد العزيز إلى رجل عنده متغير اللون فقال له: ما الذي أرى بك؟ قال: أسقام و أمراض يا أمير المؤمنين إن شاء الله فأعاد عليه عمر فأعاد عليه الرجل مثل ذلك ثلاث مرات فقال إذا أبيت إلا أن أخبرك فإني ذقت حلاوة الدنيا فصغر في عيني زهرتها و ملاعبها و استوى عندي حجارتها و ذهبها و رأيت كأن الناس يساقون إلى الجنة و أنا أساق إلى النار فأسهرت لذلك ليلى و اظمأت له نهاري و كل ذلك صغير حقير في جنب عفو الله و ثواب الله عز و جل و جنب عقابه.
عن سفيان قال: كان عمر بن عبد العزيز ساكتا و أصحابه يتحدثون فقالوا: مالك لا تتكلم يا أمير المؤمنين قال: كنت مفكرا في أهل الجنة كيف يتزاورون فيها و في أهل النار كيف يصطرخون فيها ثم بكى.
عن مغيث الأسود أنه كان يقول: زوروا القبور كل يوم بفكركم و توهموا جوامع الخير كل يوم بعقولكم و شاهدوا الموقف كل يوم بقلوبكم و انظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة و النار بهممكم و أشعروا قلوبكم و أبدانكم ذكر النار و مقامعها و أطباقها.
عن صالح المري أنه قال: للبكاء دواعي الفكرة في الذنوب فإن أجابت على ذلك القلوب و إلا نقلتها إلى الموقف و تلك الشدائد و الأهوال فإن أجابت إلى ذلك و إلا فاعرض عليها التقلب بين أطباق النيران قال: ثم صاح فغشي عليه و تصايح الناس من جوانب المسجد.
عن أبي سليمان الداراني قال: خرج مالك بن دينار بالليل إلى قاعة الدار و ترك أصحابه في البيت فأقام إلى الفجر قائما في وسط الدار فقال لهم: إني كنت في وسط الدار خطر ببالي أهل النار فلم يزالوا يعرضون علي بسلاسلهم و أغلالهم حتى الصباح.
كان سعيد الجرمي يقول في وصف الخائفين: إذا مروا بآية من ذكر النار صرخوا منها فرقا كأن زفير النار في آذانهم و كآن الآخرة نصب أعينهم.
قال الحسن: إن لله عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين و كمن رأى أهل النار في النار معذبين و قال أيضا: و الله ما صدق عبد بالنار قط إلا ضاقت عليه الأرض بما رحبت و إن المنافق لو كانت النار خلف ظهره لم يصدق بها حتى يهجم عليها.
قال وهب بن منبه: كان عابد في بني إسرائيل قام في الشمس يصلي حتى اسود و تغير لونه فمر به إنسان فقال: كأن هذا حرق بالنار قال: إن هذا من ذكرها فكيف بمعاينتها؟ !
قال ابن عيينة قال إبراهيم التيمي: مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها و أعانق أبكارها ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها و أشرب من صديدها و أعالج سلاسلها و أغلالها فقلت لنفسي: أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحا قال: فأنت في الأمنية فاعملي.
عن بكر العابد قال: قلت لجليس لابن أبي ليلى ـ يكني أبا الحسن ـ: أتضحك الملائكة؟ قال: ما ضحك من دون العرش منذ خلقت جهنم.
عن محمد بن المنكدر قال: لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة من أماكنها فلما خلق بنو آدم عادت. عن طاووس قال: لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة فلما خلقت بنو آدم سكنت.
قال عامر بن يساف عن يحيى بن أبي كثير قال: بلغنا أنه إذا كان يوم نوح داود عليه السلام يأتي الوحش من البراري و تأتي السباع من الغياض و تأتي الهوام من الجبال و تأتي الطيور من الأوكار و تجتمع الناس لذلك اليوم و يأتي داود عليه السلام حتى يرقى على المنبر فيأخذ في الثناء على ربه فيضجون بالبكاء و الصراخ ثم يأخذ في ذكر الجنة و النار فيموت طائفة من الناس و طائفة من السباع و طائفة من الهوام و طائفة من الوحوش و طائفة من الرهبان و العذارى المتعبدان ثم يأخذ في ذكر الموت و أهوال القيامة و يأخذ في النياحة على نفسه فيموت طائفة من هؤلاء و طائفة من هؤلاء و من كل صنف طائفة.
قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: كل حجر يتفجر منه الماء و يتشقق عن ماء أو يتردى عن رأس جبل فهو من خشية الله عز و جل نزل بذلك القرآن. خرج الجوزجاتي و غيره في طريق مجاهد عن ابن عباس قال: إن الحجر ليقع إلى الأرض و لو اجتمع عليه الفئام من الناس ما استطاعوا و إنه ليهبط من خشية الله
قال الفضيل بن العباس ـ و كان من الأبدال و كانت الدموع قد أثرت في وجهه و كان يصوم الدهر و يفطر كل ليلة على رغيف ـ قال: مر عيسى عليه السلام بجبل بين نهرين نهر عن يمينه و نهر عن يساره و لا يدري من أين يجيء هذا الماء و لا إلى أين يذهب قال: أما الذي يجري عن يساري فمن دموع عيني اليسرى قال: مم ذاك؟ قال: خوف من ربي أنه يجعلني من وقود النار قال عيسى: فأنا أدعو الله عز و جل أن يهبك لي فدعا الله فوهبه له فقال عيسى: قد وهبت لي قال: فجاء منه الماء حتى احتمل عيسى فذهب به قال له عيسى اسكن بعزة الله فقد استوهبتك من ربي فوهبك لي فما هذا؟ قال أما البكاء الأول فبكاء الخوف و أما البكاء الثاني فبكاء الشكر.
قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: إن القمر ليبكي من خشية الله. قال طاووس: إن القمر ليبكي من خشية الله و لا ذنب له و لا يسأل عن عمل و لا يجازي به.
عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أن عبد الله بن عمرو سمع صوت النار فقال: و أنا فقيل له: ما هذا؟ فقال: و الذي نفسي بيده إنها تستجير من النار الكبرى أن تعاد إليها.
عن الأعمش عن مجاهد قال: ناركم هذه تستعيذ من نار جهنم. عن زادان أبي عمر قال: بلغنا أنه من بكى خوفا من النار أعاذه الله منها و من بكى شوقا إلى الجنة أسكنه الله إياها.
كان عبد الواحد بن زيد يقول يا إخوتاه ألا تبكون شوقا إلى الله عز و جل؟ ألا إنه من بكى شوقا إلى سيده لم يحرمه النظر إليه يا إخوتاه ألا تبكون خوفا من النار؟ ألا إنه من بكى خوفا من النار أعاذه الله منها.
عن فرقد السبخي قال: قرأت في بعض الكتب أن الباكي على الجنة لتشفع له الجنة إلى ربها فتقول: يا رب أدخله فتقول: يا رب أدخله كما بكى علي و إن النار لتستجير له من ربها فتقول: يا رب أجره من النار كما استجار مني و بكى خوفا من دخولي.
عن مجاهد: يؤمر بالعبد إلى النار يوم القيامة فتنزوي فيقول: ما شأنك؟ فتقول: إنه قد كان يستجير مني فيقول: خلوا سبيله. وقال سفيان عن مسعر بن عبد الأعلى: الجنة و النار ألقيتا السمع من ابن آدم فإذا قال الرجل: أعوذ بالله من النار قالت النار: اللهم أعذه و إذا قال: أسأل الله الجنة قالت الجنة: اللهم بلغه.
قال عثمان بن أبي العاتكة: قال أبو مسلم الخولاني: ما عرضت لي دعوة إلا ذكرت جهنم فصرفتها إلى الاستعاذة منها. و قال أبو سنان عيسى بن سنان عن عطاء الخراساني قال: من استجار بالله من جهنم سبع مرات قالت جهنم: لا حاجة لي فيك.
روى عطية عن ابن عباس قال: الجنة في السماء السابعة و يجعلها الله حيث يشاء يوم القيامة و جهنم في الأرض السابعة.
عن ابن مسعود قال: الجنة في السماء السابعة العليا و النار في الأرض السابعة السفلى ثم قرأ { إن كتاب الأبرار لفي عليين } { إن كتاب الفجار لفي سجين }
روى ورقاء عن أبي نجيح عن مجاهد { و في السماء رزقكم و ما توعدون } قال: الجنة في السماء و قال استدل بعضهم لهذا بأن الله تعالى أخبر أن الكفار يعرضون على النار غدوا و عشيا ـ يعني في مدة البرزخ ـ و أخبر أنه لا تفتح لهم أبواب السماء فدل أن النار في الأرض و قال تعالى: { كلا إن كتاب الفجار لفي سجين }
قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أرواح الكفار في الأرض السابعة. روى مجاهد عن شيخ من بجيلية عن ابن عباس { و إذا البحار سجرت } قال: تكور الشمس و القمر و النجوم في البحر فيبعث الله عليها ريحا دبورا فتنفخه حتى يرجع نارا
عن ابن عباس في قوله تعالى: { و إن جهنم لمحيطة بالكافرين } [التوابة: 49] قال: هو هذا البحر تنتثر الكواكب فيه و تكور الشمس و القمر فيكون هو جهنم.
عن سعيد بن المسيب عن علي أنه قال رجل من اليهود: أين جهنم؟ قال: البحر قال علي: ما أراه إلا صادقا قال تعالى: { و البحر المسجور } و قال { و إذا البحار سجرت }
عن كعب في قوله تعالى: { يوم تبدل الأرض غير الأرض و السموات } قال: تبدل السموات فتصير جنانا و تبدل الأرض فيصير مكان البحر النار. عن ابن عباس أنه قال: النار سبعة أبحر مطبقة.
عن معاوية بن سعيد قال: إن هذا البحر ـ يعني بحر الروم ـ وسط الأرض و الأنهار كلها تصب فيه والبحر الكبير يصب فيه و أسفله آبار كله مطبقة بالنحاس فإذا كان يوم القيامة أسجر.
قال الله عز و جل: { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } قال الضحاك: الدرك إذا كان بعضها فوق بعض و الدرك إذا كان بعضها أسفل من بعض و قال غيره: الجنة درجات و النار دركات و قد تسمى النار درجات أيضا كما قال تعالى بعد أن ذكر أهل الجنة و أهل النار: { و لكل درجات مما عملوا } وقال: { أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير * هم درجات عند الله }.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: درجات الجنة تذهب علوا و درجات النار تذهب سفولا و روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن عكرمة في قوله تعالى: { لها سبعة أبواب } قال: لها سبعة أطباق.
عن يزيد بن أبي مالك الهمذاني قال: لجهنم سبعة نيران: تأتلق: ليس منها نار إلا و هي تنتظر إلى التي تحتها مخافة أن تأكلها. عن ابن جريج في قوله: { لها سبعة أبواب } قال: أو لها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية و فيها أبو جهل.
قال ابن المبارك عن يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن أبي يسار قال: الظلة من جهنم فيها سبعون زاوية في كل زاوية صنف من العذاب ليس في الأخرى.
وى ابن أبي الحاتم بإسناده عن كعب قال: اقتحام العقبة في كتاب الله يعني قوله: { فلا اقتحم العقبة } سبعين درجة في النار.
عن ضمرة قال: سمعت أبا رجاء قال: بلغنيى أن العقبة التي ذكر الله في كتابه مطلعها سبعة آلاف سنة و مهبطها سبعة آلاف سنة. عن عطية عن ابن عمر قال في العقبة: جبل في جهنم أفلا أجاوزه بعتق رقبة؟ !
عن لد بن عمير قال: خطبنا عتبة بن غزوان فقال: إنه ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة فيهوي فيها سبعين عاما ما يدرك لها قعرا و الله لنملأنه أفعجبتم؟
قال ابن المبارك و إن هشيما قال: أخبرني زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال: سمعت أبا أمامة يقول: إن ما بين شفير جهنم مسيرة سبعين خريفا من حجر يهوي أو صخرة تهوي أو صخرة تهوي عظمها كعظم عشر عشروات عظام سمان فقال له رجل: هل تحت ذلك من شيء يا أبا أمامة؟ قال: نعم غي و آثام.
قال حريز بن عثمان: حدثني عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي عن أبي أمامة أنه كان يقول: إن جهنم ما بين شفتيها إلى قعرها سبعون أو قال: خمسون خريفا للحجر المتردي و الحجر مثل سبع خلفات مملوءة شحما و لحما.
كان ابن عباس يقول: إن الجحيم سقر و فيها شجرة الزقوم فزعم أعداء الله أنه إذا خلا العدد الذي وجدوا في كتابهم أياما معدودة و إنما يعني بذلك السير الذي ينتهي إلى أصل الجحيم فقالوا: إذا خلا العدد انقضى الأجل فلا عذاب و تذهب جهنم و تهلك فذلك قوله: { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } يعنون بذلك الأجل فقال ابن عباس: لما اقتحموا من باب جهنم ساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة و هي أربعون سنة فلما أكلوا من شجرة الزقوم و ملؤوا البطون آخر يوم من الأيام المعدودة قال لهم خزنة سقر: زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أياما معدودة و قد خلا العدد و أنتم في الأبد فأخذ بهم في الصعود في جهنم يرهقون ففي هذه الرواية عن ابن عباس أن قعر جهنم و مسافة عمقها أربعون عاما و أن ذلك هو معنى ما في التوراة و لكن اليهود حرفوه فجعلوا مسافة مابين طرفيها و زعموا أنه إذا انقضت هذه المدة أن جهنم تخرب و تهلك فإن ذلك من كذبهم على الله و تحريفهم التوراة.
عن ابن جريح في قوله { لها سبعة أبواب } قال: أولها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم و فيها أبو جهل ثم الهاوية. قال جوبير عن الضحاك: سمى الله أبواب جهنم لكل باب منها جزء مقسوم: باب لليهود و باب للنصارى و باب للمجوس و باب للصابئين و باب للمنافقين و باب للذين أشركوا و هم كفار العرب وباب لأهل التوحيد و أهل التوحيد يرجى لهم و لا يرجى للآخرين.
قال آدم بن أبي إياس: حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبي ميسرة في قوله: { ادخلوا أبواب جهنم } قال لجهنم سبعة أبواب بعضها أسفل من بعض قال عطاء الخراساني: إن لجهنم سبعة أبواب أشدها غما و كربا و حرا و أنتنها ريحا للزناة الذين ركبوه بعد العلم.
عن كعب قال: لجهنم سبعة أبواب باب منها للحروية و هذا كله من حديث ابن عمر المتقدم يدل على أن كل باب من الأبواب السبعة لعمل من الأعمال السيئة كما أن أبواب الجنة الثمانية كل باب منها لعمل من أعمال الصالحة. وعن وهب بن منبه: بين كل بابين مسيرة سبعين سنة كل باب أشد حرا من الذي فوقه.
عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: كان بالبادية رجل قد اتخذا مسجدا فجعل في قبلته سبعة أحجار فكان إذا قضى صلاته قال: يا أحجار أشهدكم أن لا إله إلا الله قال: فمرض الرجل فعرج بروحه قال: فرأيت في منامي أنه أمر بي إلى النار فرأيت حجرا من تلك الأحجار ـ أعرفه بعينه ـ قد عظم فسد عني بابا من أبواب جهنم قال: حتى سد عني بقية الأحجار أبواب جهنم السبعة.
عن الضحاك قال: حائط لا باب له و مراده ـ و الله أعلم ـ أن الأبواب أطبقت فصار الجدار كأنه لا باب له و قوله تعالى: { إنها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة } معناه: أطبقت عليهم بعمد قال قتادة: و كذلك هو في قراءة عبد الله بعمد بالباء قال عطية: هي عمد من حديد في النار و قال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم ثم شدت بأوتاد من حديد حتى يرجع عليهم غمها و حرها و على هذا قوله: { ممددة } صفة للعمد يعني أن العمد التي أوثقت بها الأبواب ممدة مطولة و المدود الطويل أرسخ و أثبت من القصير.
عن زبيد عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: { في عمد ممددة } قال: هي الأدهم و قد تقدم أن عبد الله كان يقرؤها بعمد و الأدهم: القيد و كذا قال ابن زيد في قوله: { في عمد ممددة } قال: في عمد من حديد مغلولين فيه و تلك العمد من نار قد احترقت من النار فهي ممددة لهم و قيل إن المراد بالعمد الممددة: الزمان الذي لا انقطاع له قاله أبو فاطمة.
قال السدي: من قرأها في عمد يعنى بالفتح فهي عمد من نار و من قرأها في عمد يعني بالضم فهو أجل ممدود وقال سعيد بن بشير عن قتادة: { مؤصدة } أي مطبقة أطبقها الله عليهم فلا ضوء فيها و لا فرج و لا خروج منها آخر الأبد و هذا الإطباق نوعان: أحدهما: خاص لمن يدخل في النار أو من يريد الله التضييق عليه أجارنا الله من ذلك قال أبو توبة اليزني: إن في النار أقواما مؤصدة عليهم كما يطبق الحق على طبقه. والثاني: الإطباق العام و هو إطباق النار على أهلها المخلدين فيها.
قد قال سفيان و غيره في قوله تعالى: { لا يحزنهم الفزع الأكبر } قالوا: هو طبق النار على أهلها.
