فوائد من كتاب درة القلوب ( الإخلاص ) لازهرى أحمد محمود
A
الإخلاص: (هو: إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة، هو: تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين. هو: التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك) [ابن القيم].
قالوا: (الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله).
أخي المسلم: الإخلاص.. الإخلاص.. الصدق.. الصدق..قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة] {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام]. {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء].
أخي في الله: أتدري ما هو إسلام الوجه لله وهو محسن في قوله تعالى: {مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ}؟ هو: (إخلاص القصد والعمل لله (الإحسان فيه) ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم: وسنته» [ابن القيم].
أخي المسلم: إخلاصك.. صدقك مع الله دليل على حسن عملك.. {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك]. يقول سيد الزهاد.. وزينة العباد الفضيل بن عياض: (هو أخلصه وأصوبه).. قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: «إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة». ثم قرأ قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}.
أخي في الله: إلى الإخلاص... إلى الإخلاص، فإنه رباط العمل وحصن القربات من الضياع {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان]. أتدري أي أعمال هذه التي أصبحت هباء منثورًا؟!! هي: الأعمال التي كانت على غير السنة أو أريد بها غير وجه الله قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضى الله عنه: «إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله تعالى إلا ازددت به خيرًا ودرجة ورفعة» [ابن القيم].
أخي المسلم: ما أسعد أهل النيات الصادقة، وما أطيب عيشهم بالإخلاص.. أيعجزك أخي أن تعقد قلبك على فعل الصالحات.. وعمل المكرمات؟! فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يرجع من غزوة تبوك وقد حفَّت به تلك الزمرة الطاهرة.. فيدنو الركب من المدينة الطاهرة.. طيبة.. طابة.. دار الإيمان.. فيقول وقتها صلى الله عليه وسلم: «إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم» قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟! قال: «وهم بالمدينة، حبسهم العذر» [رواه البخاري].
أخي المسلم: قف.. واسمع عظة نبيك صلى الله عليه وسلم إن كنت من السامعين.. المستجيبين.. فهذا أبي بن كعب رضى الله عنه يصغى لهذه الوصية: «بَشِّرْ هذه الأُمةَ بِالسَّناءِ، والدِّينِ، و الرِّفعةِ و النَّصرِ، و التَّمكينِ في الأرضِ، فمَنْ عَمِلَ مِنهمْ عَمَلَ الآخرةِ للدُّنْيا، لَمْ يَكُنْ له في الآخرةِ من نَصيبٍ» (صحيح الجامع).
أخي: «إذا لم تخلص فلا تتعب»، «كم بذل نفسه مراء ليمدحه الخلق فذهبت نفسه فانقلب المدح ذما!! ولو بذلها لله لبقيت ما بقى الدهر»، «عمل المرائي بصلة كلها قشور». «المرائي يحشو جراب الزوادة رملا يثقله في الطريق وما ينفعه» [ابن القيم].
أخي: «فإن حقيقة العبد قلبه وروحه وهي لا صلاح لها إلا بإلاهها الله الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته ولابد لها من لقائه ولا صلاح لها إلا بلقائه» [ابن تيمية].
أخي المسلم: أما يستحي المرائى، والله مطلع على قلبه، فكم هو قبيح أن تسجد لله والقلب معلق بغيره.. ظاهر العمل عبادة للخالق.. وباطنه تودد للمخلوق.. فما انقص درجة هؤلاء المرائين المحرومين {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ...} [الحج]. وهذا أخي رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» [رواه مسلم].
قال سفيان الثوري: «إن العبد ليعمل العمل في السر فلا يزال به الشيطان حتى يتحدث به فينتقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية».
قال بعض السلف: «من سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته فإن الله عز وجل يأجر العبد إذا حسن نيته حتى باللقمة».
قال يوسف بن الحسين الرازي: «أعز شيء في الدنيا الإخلاص وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لون آخر».
أخي: ما أغلى الإخلاص من بضاعه.. وما أنفسه لمن عمل للساعة.. هنالك يسعد المخلصون.. ويبوء بالخسران المراؤون.. «إلام الرواح في الهوى والتغليس، وحتام السعي في صحبة إبليس، وكم بهرجة في العمل وتدليس» [ابن القيم].
«فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه عن عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره إذ ليس عند القلب لا أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله ومحبته له، وإخلاصه الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله فيصير القلب منيبًا إلى الله خائفًا منه راغبًا راهبًا كما قال تعالى: { مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ...} [ابن تيمية].
قال الحسن البصري: «بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفًا ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم وذلك إن الله تعالى يقول: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً..}.
«وإذا كان الدعاء المأمور بإخفائه يتضمن دعاء الطلب والثناء والمحبة والإقبال على الله فهو من أعظم الكنوز التي هي أحق بالإخفاء والستر عن أعين الحاسدين وهذه فائدة من أعظم الكنوز التي هي أحق بالإخفاء والستر عن أعين الحاسدين وهذه فائدة شريفة نافعة» [ابن القيم].
أخي المسلم: «فتش على القلب الضائع قبل الشروع، فحضور القلب أول منزل من منازل الصلاة فإذا نزلته انتقلت إلى بادية المعنى فإذا رحلت عنها أنخت بباب المناجاة فكان أول قرى ضيف اليقظة كشف الحجاب لعين القلب فكيف يطمع في دخول مكة من لم يخرج إلى البادية بعد؟!» [ابن القيم].
أخي: هل سمعت بقصة المرأة الزانية التي سقت كلبًا فغفر الله لها؟ «فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها وإلا فليس كل بغي سقت كلبًا يغفر لها فالأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإجلال» [ابن تيمية].
صام داود بن أبي هند رحمه الله أربعين سنة، ولم يعلم به أهله، وكان يأخذ غداءه ويخرج إلى السوق، فيتصدق به في الطريق، فأهل السوق يظنون أنه قد أكل في البيت، وأهل البيت يظنون أنه قد أكل في السوق!!
«وقد يشيع عن المتعبد إنه يصوم الدهر فيعلم بشياع ذلك فلا يفطر أصلاً وإن أفطر أخفى إفطاره لئلا ينكسر جاهه، وهذا من خفى الرياء، ولو أراد الإخلاص وستر الحال لأفطر بين يدي من قد علم أنه يصوم، ثم عاد إلى الصوم ولم يعلم به، ومنهم من يخبر بما قد صام فيقول: اليوم منذ عشرين سنة ما أفطرت، ويلبس عليه بأنك إنما تخبر ليقتدى بك، والله أعلم بالمقاصد» [ابن الجوزي].
