فوائـد من كتـاب المتمنين
A
عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله بن مسعود قال سألناه عن هؤلاء الآيات " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " فقال أما إنا قد سألنا عنها فقيل لنا (إنه لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله تبارك وتعالى أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة فتأكل من وهادها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فيقولون ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة نأكل منها حيث شئنا ثم يطلع عليهم اطلاعة فيقول يا عبادي ما تشتهون فأزيدكم فيقولون ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة نأكل منها حيث شئنا إلا أنا نحب أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا ثم نرد إلى الدنيا فنقاتل حتى نقتل فيك مرة أخرى)
عن محمد بن عطاء بن خباب عن أبيه عن جده خباب أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وهو في داره جاء طير وهو عنده فوقع على شجرة حمام أو عصفور فنظر إليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال طوبى لك يا طير ما أنعمك على هذه الشجرة تأكل من هذه الثمرة ثم تموت ثم لا تكون شيئا ليتني مكانك.
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه يا ليتني شجرة تعضد ثم تؤكل. وقال أيضا رضي الله عنه ليتني كنت خضرة تأكلني الدواب.
أخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه تبنة فقال يا ليتني مثل مثل هذه التبنة ليت أمي لم تلدني ليتني لم أك شيئا ليتني كنت نسيا منسيا.
عن الحسن أن عمر رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال لو أن لي ما على الأرض لافتديت به من هول المطلع.
قال عمر حين طعن لو كان لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من كرب ساعة يعني بذلك الموت فكيف ولم أرد النار بعد.
لما طعن عمر رضي الله عنه دخل عليه شاب فقال أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله قد كان لك من القدم في الإسلام والصحبة مع رسول الله ما قد علمت ثم استخلفت فعدلت ثم الشهادة فقال يا ابن أخي لوددت أني تركت كفافا لا لي ولا علي.
قال ابن مسعود لو وقفت بين الجنة والنار فخيرت بينهما أيهما منزلي أو أكون ترابا لاخترت أن أكون ترابا.
قال أبو عبيدة يا ليتني كبشا فذبحني أهلي فأكلوا لحمي وحسوا مرقي. وقال عمران بن حصين يا ليتني رمادا تذريني الريح.
قال سالم مولى أبي حذيفة وددت أني بمنزلة أصحاب الأعراف. وعن أبي ذر قال وددت أن الله عز و جل خلقني يوم خلقني شجرة تعضد.
عن حميد بن عبد الرحمن الحميري حدثني حنظل بن ضرار وكان جاهليا فأسلم قال لقد أراني وأنا مع ملك من ملوك العرب يقال له الأسود وما جاءنا من نبي ولا نزل علينا من قرآن فقال لي يوما يا حنظل ادن مني أستتر بك من اللئام وأحدثك وتحدثني ما ابتنى المدن ولا سكن المدن أحد من الناس إلا ود أنه مكاني والله لوددت أني عبد لعبد حبشي مجدع وأني أنجو من شر يوم القيامة.
عن ابن أبي مليكة قال رأيت عبد العزيز بن مروان حين حضره الموت وهو يقول ألا ليتني لم أك شيئا مذكورا ألا ليتني كهذا الماء الجاري أو كنابتة من الأرض أو كراعي ثلة في طرف الحجاز من بني نصر بن معاوية أو من بني سعد بن بكر.
لما حضر بشر بن مروان قال والله لوددت أني كنت عبدا حبشيا لشر أهل المدينة ملكة أرعى عليهم غنمهم وأني لم أكن فيما كنت فيه فقال شقيق الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا ولا نفر إليهم إنهم ليرون فينا عبرا وإنا لنرى فيهم غيرا.
قال مالك بن دينار لو كان لأحد أن يتمنى لتمنيت أنا أن يكون لي في الآخرة خص من قصب وأروى من الماء وأنجو من النار.
قال مالك بن دينار وددت أن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول لي يا مالك فأقول لبيك فيأذن لي أن أسجد بين يديه سجدة فأعرف أنه قد رضي عني فيقول يا مالك كن اليوم ترابا.
قال رجل لزيد الرقاشي تمن قال يا ليتني لم أخلق وليتني إذ خلقت لم أوقف وليتني إذ وقفت لم أحاسب وليتني إذ حوسبت لم أناقش.
كان يزيد الرقاشي يقول يا ليتنا لم نخلق ويا ليتنا إن حوسبنا لم نعذب ويا ليتنا إن عذبنا لم نخلد.
عن الحسن قال خرج هرم بن حيان وعبد الله بن عامر يريدان الحجاز فبينما هما يسيران على راحلتيهما إذ مرا على مكان فيه كلأ حلي ونصي فجعلت راحلتاهما تخالجان ذلك الشجر فقال هرم بن حيان يا ابن عامر أيسرك أنك شجرة من هذه الشجر أكلتك هذه الراحلة فقذفتك بعرا فاتخذت جلة قال لا والله لما أرجو من رحمة الله تعالى أحب إلي من ذلك فقال هرم بن حيان لكني والله وددت أني شجرة من هذه الشجر أكلتني هذه الناقة فقذفتني بعرا فاتخذت جلة ولم أكابد الحساب يوم القيامة إما إلى جنة وإما إلى نار ويحك يا ابن عامر إني أخاف الداهية الكبرى قال الحسن كان والله أفقههما وأعلمهما بالله عز وجل.
كان أبو عبيدة أميرا على الشام فخطب الناس فقال يا أيها الناس إني امرؤ من قريش والله ما منكم أحمر ولا أسود يفضلني بتقى إلا وددت أني في مسلاخه.
قال عمر لجلسائه تمنوا فتمنى كل واحد منهم شيئا فقال عمر أتمنى بيتا مملوءا رجالا مثل أبي عبيدة.
خطب الحجاج بن يوسف فقال أما بعد فإن الله قد كفانا مؤنة الدنيا وأمرنا بطلب الآخرة فليت الله كفانا مؤنة الآخرة وأمرنا بطلب الدنيا فقال الحسن ضالة مؤمن عند فاسق فلنأخذها.
تمنى عبد الملك بن مروان الخلافة وتمنى مصعب بن الزبير سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة وتمنى سعيد بن المسيب الجنة فقال سعيد بن المسيب أصابا أمنيتهما وأنا أرجو أن أعطى الجنة.
لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة نظر إلى صناديق ثم قال لبنيه من يأخذها مني بما فيها يا ليته كان بعرا ثم أمر بالحرس فأحاطوا بقصره قال بنوه ما هذا قال ما ترون هذا يغني عني شيئا.
كان عابد من أهل الشام قد حمل على نفسه في العبادة فقالت له أمه يا بني عملت ما لم يعمل الناس أما تريد أن تهجع فأقبل يرد عليها وهو يبكي ليتك كنت بي عقيما إن لبنيك في القبر حبسا طويلا.
عن أبي إسحاق قال سمعت أبا ميسرة يقول ليت أمي لم تلدني فتقول له امرأته يا أبا ميسرة أليس قد أحسن الله إليك هداك للإسلام وعلمك القرآن قال بلى ولكن أخبرنا أنا واردون النار ولم نخبر أنا صادرون عنها.
عن عكرمة بن خالد أنه دخل على نافع بن أبي علقمة الكناني وهو أمير على مكة يعوده فرآه ثقيلا فقال له اتق الله وأكثر ذكره فولى بوجهه إلى الجدار فلبث ساعة ثم أقبل علي فقال يا خالد ما أنكر ما تقول ولوددت أني كنت عبدا مملوكا لبني فلان من بني كنانة أشقى أهل بيت من كنانة وأني لم أل من هذا العمل شيئا قط.
عن محمد بن سيرين قال ما تمنيت شيء قط قلنا له وكيف ذلك قال إذا عرض لي شيء من ذاك سألته ربي.
عن محمد بن إسحاق الثقفي قال كان يقال من استعمل التسويف والمنى لم ينبعث في العمل وكان يقال من أقلقه الخوف ترك أرجو وسوف وعسى.
عن منبوذ أبو همام قال قلت لعيسى بن وردان وكان يتنفس تنفسا منكرا فقلت ما غاية شهوتك من الدنيا فبكى ثم قال أشتهي أن ينفرج لي عن صدري فأنظر إلى قلبي ماذا صنع القرآن فيه وما نكأ وكان عيسى إذا قرأ شهق حتى أقول الآن تخرج نفسه.
قيل لعطاء السليمي ما تشتهي فبكى ثم قال أشتهي والله يا أبا بشر أن أكون رمادا لا يجتمع منه سفه أبدا في الدنيا ولا في الآخرة قال فأبكاني والله وعلمت أنه إنما أراد النجاة من عسر يوم الحساب.
قيل لعطاء السليمي ما تشتهي؟ فقال أشتهي أن أبكي حتى لا أقدر على أن أبكي قال فكان يبكي الليل والنهار وكانت دموعه سائلة على وجهه.
سمع عمر بن عبد العزيز رجلا يقول عدل والله عمر بن عبد العزيز في الأمة قال فبكى عمر وقال وددت والله أنه كما قلت ومن لعمر بالذي قلت رحمك الله.
قال مالك بن دينار يا ليتني لم أخلق فإذا خلقت مت صغيرا ويا ليتني إذ لم أمت صغيرا عمرت حتى أعمل في خلاص نفسي.
كان ابن عمر جالسا ومعه رجل فقال تمنه قال لا أفعل قال ابن عمر لكني وددت أن لي مثل أحد ذهبا أحصي عدده وأؤدي زكاته.
عن مرجى بن وداع الراسبي قال دخلنا على عطاء السليمي وهو يوقد تحت النار قدر له فقال له بعضنا يا عطاء أيسرك أنك حرقت بهذه النار ولم تبعث قال وتصدقوني فوالله لوددت أني حرقت بها ثم أخرجت ثم أحرقت ثم أخرجت ثم أحرقت وأني لم أبعث.
عن حجاج الأسود وكان من أفضل زمانه قال تمنى رجل فقال ليت أني بزهد الحسن وورع ابن سيرين وفقه سعيد بن المسيب وعبادة عامر بن عبد قيس قال روح وذكر مطرفا بشيء لا أحفظه قال فنظروا في هذه الخصال فوجدوها كلها كاملة في الحسن.
قال زياد بن أبي زياد إنما قوتي في الدنيا نصف مر في اليوم وإنما لباسي ما ستر عورتي وإنما بيتي ما أكن رأسي والله لوددت أنه حماني من الآخرة ولا أعذب بالنار.
قال الفضيل بن عياض لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي حلالا لا أحاسب بها في الآخرة لمكثت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه.
قال الفضيل بن عياض لو خيرت بين أن أموت فأري القيامة وأهوالها والبعث والحساب ثم أدخل الجنة وبين أن أكون كلبا فأعيش مع الكلاب عمري حتى أموت ثم أصير ترابا لاخترت أن أكون كلبا حتى أموت ثم أصير ترابا ولا أرى الجنة ولا النار هنيئا الجنة لأهلها أليس لا أرى القيامة ولا أهوالها.
دخل علي على عمر رضي الله عنهما وهو مسجى بثوب فقال ما أحب أن ألقى الله بصحيفة أحد إلا بصحيفة هذا المسجى.
لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة قال له ابنه يا أبتاه إنك كنت تقول لنا يا ليتني كنت ألقى رجلا عاقلا عند نزول الموت حتى يصف لي ما يجد وأنت ذلك الرجل فصف لي الموت قال يا بني والله لكأن جنبي في تخت وكأني أتنفس من سم إبرة وكأن غصن شوك يجر به من قدمي إلى هامتي ثم قال (ليتني كنت قبل ما قد بدا لي... في قلال الجبال أرعى الوعولا) (والله ليتني كنت حيضا عركتني الإماء بدريب الإذحر...)
قال حذيفة والله لوددت أن لي إنسانا يكون في مالي ثم أغلق علي بابا فلا يدخل علي أحد حتى ألحق بالله عز وجل.
كان داود الطائي يقول ما سألت الله الجنة قط إلا وأنا مستحي منه ولوددت أني أنجو من النار وأصير رمادا وكان يقول قد مللنا الحياة لكثرة ما نقترف من الذنوب.
عن سعيد بن صدقة أبو مهلهل قال أخذ بيدي سفيان الثوري يوما فأخرجني إلى الجبان فاعتزلنا ناحية عن طريق الناس فبكى ثم قال يا أبا مهلهل وددت أني لم أكن كتبت من هذا العلم حرفا واحدا إلا ما لا بد للرجل منه قال ثم بكى ثم قال يا أبا مهلهل قد كنت قبل اليوم أكره الموت فقلبي اليوم يتمنى الموت وإن لم ينطق به لساني قلت ولم ذاك قال لتغير الناس وفسادهم.
عن المعافى قال سمعت سفيان الثوري يقول لوددت أن كل حديث في صدري نسخ من صدري فقلت يا أبا عبد الله هذا العلم الصحيح وهذه السنة الواضحة تتمنى أن ينسخ من صدرك قال اسكت أتريد أن أوقف يوم القيامة حتى أسأل عن كل مجلس جلسته وعن كل حديث حدثته أي شيء أردت به.
عن قابوس عن أبيه قال كنا عند ابن عمر فقال رجل اللهم أمتني فزبره وانتهره ابن عمر وقال إنك ميت ولكن سل الله العافية.
عن عمارة قال كنا عند علي بن زفر يوما فقال استراحت الطير في السماء والحيتان في البحار والوحش في القفار وأنا مرتهن بعملي قال وبلغني أن فضيل بن عياض وقف على حمار ميت فقال ليتني مثل هذا وبكى ثم بكى.
عن صالح بن عبد الكريم يقول أصبحنا في أمنية المتمنين الموتى يتمنون أنهم في مثل عافيتنا والمشاغيل يتمنون الأمنية.
قال هرم بن حيان لو قيل لي إنك من أهل النار ما تركت العمل لئلا تلومني نفسي تقول ألا صنعت ألا فعلت.
عن الهيثم بن عبد الصمد قال حج أبي بيزيد الرقاشي يعادله إلى مكة فقال أبي ربما ركبت أنا وهو في المحمل من أول الليل إذا صلينا العتمة فيمر بالجبل فيقول يا جبل تصير هباء منثورا وتصير كذا وتصير كذا ويبقى على يزيد الحساب قال ثم يبكي فما أفقد بكاءه حتى يطلع الفجر.
كان سفيان الثوري إذا اغتم رمى بنفسه عند وهيب قال فقال له يا أبا أمية أتدري أحدا يتمنى الموت قال وهيب أما أنا فلا قال له سفيان أما أنا فوالله لوددت أني مت ووالله لوددت أني مت قالها ثلاثا.
قال أبو الدرداء لو تعلمون ما أنتم راؤون بعد الموت لما أكلتم طعاما على شهوة ولا شربتم شرابا على شهوة ولا دخلتم بيتا تسكنون فيه ولخرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم ولوددت أني شجرة تعضد ثم تؤكل.
قال شقيق بن ثور حين حضرته الوفاة ليته لم يكن سيد قومه كم من باطل قد حققناه وحق قد أبطلناه.
عن أيوب عن محمد أنه كان إذا سمع الرجل يتمنى شيئا من أمر الدنيا قال قد نهاكم الله عن هذا ودلكم على ما هو خير منه " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض " إلى آخر الآية
قال زياد بن حدير الأسدي لوددت أني في حيز من حديد ومعي ما يصلحني لا أكلم الناس ولا يكلموني حتى ألقى الله عز وجل.
قال عمر لولا ثلاث لأحببت أن أكون قد مت لولا أن أضع جبيني لله ساجدا أو أجالس أقواما يلتقطون طيب الكلام كما يلتقط طيب التمر والبسر أو أكون في سبيل الله لأحببت أن أكون قد مت
عن أبي بردة قال قال لي ابن عمر أتدري ما قال أبي لأبيك قلت ما قال قال قال أيسرك أنه سلم لك صحبتك مع رسول الله وأنك انفلت من عملك هذا كفافا قال لا ما يسرني أتيت قوما عماة في الدين فبصرتهم وأقرأتهم القرآن وافتتحت لهم الأرض قال أبي لكني والله لوددت أنه سلم لي صحبتي مع رسول الله وأني انفلت من عملي هذا كفافا فقال أبو بردة إن أباك والله كان خيرا من أبي.
عن عبد الله بن الصامت أن أبا ذر قال يوشك يا ابن أخي أن ترى الجنازة يمر بها على القوم فيقول القائل يا ليتني على أعوادك فيقول إنك لا تدري ما كان قال على ما كان قلت ذلك من بلاء عظيم قال أجل يا ابن أخي عظيم عظيم عظيم.
عن عبد الواحد بن زيد قال دخلنا على صاحب لنا ثقيل قد صارت نفسه فيما نرى في الحنجرة فقلنا اللهم هون عليه سكرات الموت فأفاق إفاقة فقال قد سمعت ما قلتم والله لوددت أنها بقيت هاهنا أبدا لا أدري ما أبشر به.
عن أبي الدرداء قال الحمد لله الذي جعلهم يتمنون أنهم مثلنا عند الموت ولا نتمنى أنا مثلهم عند الموت ما أنصفنا إخواننا الأغنياء يحبوننا على الدين ويعادوننا على الدنيا.

