أقوال
A
من أقوال الشيخ د. عبد الله بلقاسم - 2
(1) [طه:132]
{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ} (1) حمل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر واعتنى به حتى فاضت روحه وكان آخر كلامه الصلاة الصلاة.
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (وقد عرفت بالدليل أن الهمّة مولودة مع الآدميّ، وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات، فإذا حُثَّت سارت، ومتى رأيت في نفسك عجزاً فَسَلِ المنعم، أو كسلاً فالجأ إلى الموفِّق، فلن تنال خيراً إلا بطاعته، ولا يفوتك خيرٌ إلا بمعصيته)
مراتب الهمم: الناس متفاوتون في أمرين: الأمر الأول: مطالبهم وأهدافهم. والآخر: الهمم الموصلة إلى هذه المطالب و الأهداف. فمن الناس من يطلب المعالي بلسانه وليس له همة في الوصول إليها، فهذا متمنٍّ مغرور.
مراتب الهمم متفاوتة فيما يلي: همة لا تسعف صاحبها لقضاء حوائجه الأساسية بل يظل عامة ليله وسحابة نهاره في نوم وتراخ وكسل، وهذه أدنى درجات الهمم – والعياذ بالله – وصاحبها عاجز قاصر يعتمد على الناس اعتماداً كلياً، وهذه المرتبة قليلة في النوع الإنسانيّ، ولله الحمد. ومن أمثلتها في الناس الطفيليون، وطبقة التنابلة المشتهرين في التاريخ بكسلهم وسقوط هممهم.
من الناس من يريد الارتفاع بهمته ولكنه لا يعرف سبل استثمارها ولا كيفية الاستفادة التامة منها، فتجده متذبذباً في أموره، فتارة ينجز أموراً عظيمة، وتارة يستصعب الممكن ويستبعده. والغالب على أهل هذه المرتبة أنهم لا يحققون ما يصبون له يتطلعلون إليه.
من الناس من تتجاوز به همته واقع الناس بكثير وتتعداه، بل تكاد تستسهل المستحيل ولا تخضع له، وصاحب هذه الهمّة نادر في دنيا البشر، ولكنه موجود معروف، يعرفه الناس ويقتدون به. والغالب على صاحب هذه الهمّة أنه يحقق أهدافه وغايته، بل يحقق أموراً تحتاج في تصور معظم الناس إلى فريق من العاملين لإنجازها.
يقول ابن القيم رحمه الله: (لابد للسالك من همة تسيِّره و ترقيه، وعلم يبصِّره ويهديه).
تحقيق كثير من الأمور مما يعده عامة الناس خيالاً لا يتحقق: وهذا الأمر مشاهد معروف عند أهل الهمم، إذ يستطيعون – بتوفيق الله لهم أولاً، وبهمتهم ثانياً – إنجاز كثير من الأعمال التي يستعظم بعضَها من قعدت به همته ويظنها خيالاً. وأعظم مثال على هذا سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، إذ المعروف عند أهل التواريخ أن بناء الأمم يحتاج إلى أجيال لتحقيقه، لكنه صلى الله عليه وسلم استطاع بناء خير أمة أُخرجت للناس في أقلَّ من ربع قرن، واستطاعت هذه الأمة أن تنير بالإسلام غالب الأجزاء المعروفة آنذاك.
الإمام حسن البنا رحمه الله، إذ كانت حياته مثلاً جميلاً لعلو الهمّة، ومن أراد الإنصاف فليراجع (مذكرات الدعوة والداعية)، (ورسائله) التي تفوح بعلو الهمّة وقوة الإرادة، وكيف لا يكون كذلك وقد كان يخاطب أتباعه بقوله: (أحلام الأمس حقائق اليوم، وأحلام اليوم حقائق الغد).
قيل: (ذو الهمّة وإن حط نفسَه تأبى إلا العلوّ، كالشعلة من النار يخفيها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعاً) محاضرات الأدباء).
صاحب الهمّة العالية يستفيد من حياته أعظم استفادة، وتكون أوقاته مستثمرة بنّاءة: وهذا هو مطمع الصالحين ومراد العالمين ومجال المتنافسين، وقد كان السلف رحمهم الله يضربون أعظم الأمثلة في هذا المجال وحسبي في هذا الأمر أن أورد مثالين:أ- كان الإمام ابن عقيل الحنبليّ يقول: (إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح) (الوقت هو الحياة).
وصف الإمام النوويّ حياته لتلميذه أبي الحسن ابن العطار فذكر له أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درساً على مشايخه شرحاً وتصحيحاً: درسين في (الوسيط)، و درساً في (المهذب)، ودرساً في صحيح مسلم، ودرساً في (اللمع) لابن جنّي، ودرساً في إصلاح المنطق، ودرساً في التصريف، ودرساً في أصول الفقه، ودرساً في أسماء الرجال، ودرساً في أصول الدين، قال: وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل ووضوح عبارة، وضبط لغة، وبارك الله تعالى في وقتي)تذكرة الحفاظ.
قال أبو الحسن العطّار: (ذكر لي شيخنا رحمه الله تعالى أنه كان لا يُضيع له وقتاً لا في ليل ولا في نهار إلا في اشتغال حتى في الطرق، وأنه دام على هذا ست سنين، ثم أخذ في التصنيف والإفادة والنصيحة وقول الحق. قلت: مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه، والعمل بدقائق الورع، والمراقبة، وتصفية النفس من الشوائب ومحقها من أغراضها).
إن تطوير الإنسان لهمته والرقي بها أمر مطلوب، ويتأكد هذا المطلوب عند عقلاء الناس ومفكريهم ودعاتهم ومصلحيهم، وهذه جملة أمور تساعد – في ظني – على تطوير الهمم: 1 - المجاهدة: فبدونها لا يتحقق شيء ولا تُخطى خطى، قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) العنكبوت: 69.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (أعرف من أصابه مرض من صداع وحمى وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غُلب وضعه، فدخل عليه الطبيب يوماً وهو كذلك فقال: إن هذا لا يحل لك، فإنك تعين على نفسك، وتكون سبباً لفوات مطلوبك)) (روضة المحبين). فهذا رغم مرضه – يجاهد ليقرأ ويزداد علماً.
قال الإمام عيسى بن موسى: (مكثت ثلاثين سنة أشتهي أن أشارك العامة في أكل هريسة السوق فلا أقدر على ذلك، لأجل البكور إلى سماع الحديث) (ذيل طبقات الحنابلة).
2 - الدعاء الصادق و الالتجاء إلى الله تعالى: فهو المسؤول سبحانه أن يقوي إرادتنا، ويعلي همتنا، ويرفع درجاتنا.
3- اعتراف الشخص بقصور همته وأنه لا بد له أن يطورها ويعلو بها: وهذا أمر أوليّ نفسيّ لا مناص منه في هذا الباب، ومن ثَمّ لا بد أن يعتقد أنه قادر على أن يكون من أهل الهمّة العالية، فهذان الأمران – الاعتراف بقصور الهمّة، واعتقاد إمكانية تطويرها – عاملان مهمان لابد منهما في محاولة تطوير الهمّة، وبدونهما لا يكون الشخص قد خطا خطوات صحيحة.
