المنتقى
A
باب في اليقين والتوكل
تطريز رياض الصالحين
قال تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت} [الفرقان (58)].
----------------
وفيه: إشارة إلى أن من توكل على غير الله فقد ضاع؛ لأنه يموت. قال تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص (88)]
باب الصبر
تطريز رياض الصالحين
وقال تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر (10)].
----------------
أي: بغير مكيال، ولا وزن، فلا جزاء فوق جزاء الصبر.
{ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ } أي الليل إذا دخل، ومن تأمل أنواع الشرور وجد أكثرها في الليل، وفيه انتشار الشياطين، وأهل الغفلة والبطالة، فحري بالمسلم اغتنامه بالعبادة، وتجنب السهر فيما لا ينفع، وخصوصا في الأسواق ونحوها. [ينظر: تتمة أضواء البيان]
قال تعالى (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً..) وقال تعالى (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ). فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم: تارة بخلاً به، وتارة اعتياضاً عن إظهاره بالدنيا، وتارة خوفاً في أن يحتج عليهم بما أظهروه منه. وهذا قد يبتلى به طوائف من المنتسبين إلى العلم، فإنهم تارة يكتمون العلم بخلاً به، وكراهة لأن ينال غيرهم من الفضل ما نالوه، وتارة اعتياضاً عنه برئاسة أو مال، فيخاف من إظهاره انتقاص رئاسته أو نقص ماله، وتارة قد خالف غيره في مسألة، أو اعتزى إلى طائفة قد خولفت في مسألة، فيكتم من العلم ما فيه حجة لمخالفه وإن لم يتيقن أن مخالفه مبطل. ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي: أهل العلم يكتبون مالهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم.
مما نهانا الله سبحانه فيه عن مشابهة أهل الكتاب، قوله سبحانه (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) وهو نهي مطلق عن مشابهتهم، وهو خاص أيضاً في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم، وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي. وإن قوماً من هذه الأمة، ممن ينسب إلى علم أو دين، قد أخذوا من هذه الصفات بنصيب، يرى ذلك من له بصيرة، فنعوذ بالله من كل ما يكرهه الله ورسوله.
العبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلّت رغبته في المشروع وانتفاعه به، بقدر ما اعتاض من غيره، بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع فإنه تعظم محبته له ومنفعته به، ويتم دينه ويكمل إسلامه. ولذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه، تنقـص رغبته وهمته في سماع القرآن حتى ربما كرهه. ومن أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها: لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنّة. ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم، لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذلك الموقع. ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم، لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام
وكثيراً ما يخالط النفوس من الشهوات الخفية ما يفسد عليها تحقيق محبتها لله وعبوديتها له، كما قال شداد بن أوس: يا نعايا العرب ! يا نعايا العرب ! إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية، قيل لأبي داود السجستاني: ما الشهوة الخفية؟ قال: حب الرئاسة
وأصل ضلال من ضل هو بتقديم قياسه على النص المنزل من عند الله، وتقديم اتباع الهوى على اتباع أمر الله.
فإنه لا سعادة للعباد، ولا نجاة فى المعاد إلا باتباع رسوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 13، 14] فطاعة الله ورسوله قطب السعادة التى عليه تدور، ومستقر النجاة الذى عنه لا تحور.
حق على كل أحد بذل جهده واستطاعته فى معرفة ما جاء به وطاعته صلى الله عليه وسلم اذ هذا طريق النجاة من العذاب الأليم والسعادة فى دار النعيم. والطريق إلى ذلك الرواية والنقل، إذ لا يكفى من ذلك مجرد العقل، بل كما أن نور العين لا يرى إلا مع ظهور نور امامه، فكذلك نور العقل لا يهتدى إلا إذا طلعت عليه شمس الرسالة، فلهذا كان تبليغ الدين من أعظم فرائض الإسلام، وكان معرفة ما أمر الله به رسوله واجبًا على جميع الأنام.
قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:33]. فنجد كثيرًا من المتفقهة، والمتعبدة، إنما همته طهارة البدن فقط، ويزيد فيها على المشروع؛ اهتماما، وعملا. ويترك من طهارة القلب ما أمر به، إيجابًا، أو استحبابًا، ولا يفهم من الطهارة إلا ذلك. ونجد كثيرًا من المتصوفة، والمتفقرة، إنما همته طهارة القلب فقط، حتى يزيد فيها على المشروع، اهتماما وعملا. ويترك من طهارة البدن ما أمر به، إيجابا، أو استحبابًا. فالأولون يخرجون إلى الوسوسة المذمومة فى كثرة صب الماء، وتنجيس ما ليس بنجس، واجتناب ما لا يشرع اجتنابه، مع اشتمال قلوبهم على أنواع من / الحسد والكِبْر، والغِلِّ لإخوانهم، وفى ذلك مشابهة بَيِّنةٌ لليهود. والآخرون يخرجون إلى الغفلة المذمومة، فيبالغون فى سلامة الباطن حتى يجعلوا الجهل بما تجب معرفته، من الشر ـ الذى يجب اتقاؤه ـ من سلامة الباطن، ولا يفرقون بين سلامة الباطن من إرادة الشر المنهى عنه، وبين سلامة القلب من معرفة الشر المعرفة المأمور بها، ثم مع هذا الجهل والغفلة قد لا يجتنبون النجاسات، ويقيمون الطهارة الواجبة مضاهاة للنصارى.
السعادة في معاملة الخلق: أن تعاملهم لله، فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافتهم، وتكف عن ظلمهم خوفاً من الله لا منهم
قال الفضيل: (من عرف الناس استراح) يريد – والله أعلم – أنهم لا ينفعون ولا يضرون
الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكليـة قدح في الشرع
سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد: مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي نوع من الشرك، ومفسدة إيذاء المسؤول وهي نوع من ظلم الخلق، وفيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس، فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة
وأما كيف يحصل اليقين فبثلاثة أشياء: أحدها: تدبر القرآن.والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآيات التي تبين أنه حق.الثالث: العمل بموجب العلم
معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، والله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير، لما في ذلك من عموم النفع لكل شيء، وعكسه كاتموا العلم، فإنهم يلعنهم الله ويلعنهـم اللاعنـون
لا يسمى عاقلاً إلا من عرف الخير فطلبه، والشر فتركه، ولهذا قال أصحاب النار [لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير] وقال عن المنافقين [تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون]، ومن فعل ما يعلم أنه يضره فمثل هذا ما له عقل
وأما الحزن فلم يأمر الله به ولا رسوله، بل قد نهى عنه في مواضع وإن تعلق بأمر الدين، وذلك لأنه لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة فلا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه لا يأمر الله به، وقد يقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه فيكون محموداً من تلك الجهة لا من جهة الحزن، كالحزين على مصيبة في دينه، وعلى مصائب المسلمين عموماً فهذا يثاب على ما في قلبه من حب الخير وبغض الشر
من أعرض عن اتباع الحق الذي يعلمه تبعاً لهواه فإن ذلك يورثه الجهل والضلال حتى يعمى قلبه عن الحق الواضح كما قال تعالى [فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم]، ومن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم كما قال تعالى [والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم]
يقال النفوس ثلاثة أنواع وهي: النفس الأمارة بالسوء: التي يغلب عليها اتباع هواها بفعل الذنوب والمعاصي، النفس اللوامة: وهي التي تذنب وتتوب، فعندها خير وشر، لكن إذا فعلت الشر تابت وأنابت فتسمى لوامة لأنها تلوم صاحبها على الذنوب ولأنها تتلوم أي تتردد بين الخير والشر، النفس المطمئنة: وهي التي تحب الخير والحسنات وتريده وتبغض الشر والسيئات وتكره ذلك، وقد صار لها ذلك خلقاً وعادة وملكة، فهذه صفات وأحوال لذات واحدة وإلا فالنفس التي لكل إنسان هي واحدة وهذا أمر يجده الإنسان مـن نفسـه.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه،فأشرف الناس نفساً وأعلاهم همة وأرفعهم قدراً من لذتهم في معرفة الله ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتودد إليه بما يحبه ويرضاه).
الحكمة من ابتلاء الله لعبده بالمحن إن الله تعالى لم يبتله ليهلكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته، فإن لله تعالى على العبد عبودية في الضراء، كما له عليه عبودية في السراء، وله عليه عبودية فيما يكره كما له عليه عبودية فيما يحب، وأكثر الخلق يعطون العبودية فبما يحبون، والشأن في إعطاء العبودية في المكاره، ففيه تفاوتت مراتب العباد، وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى
تتفاضل الأعمال عند الله بتفاضــل ما في القلـوب من الإيمان والإخلاص والمحبة وتوابعها.
إن ضعفت النفس عن ملاحظة قصر الوقت وسرعة انقضائه، فليتدبر قوله عز وجل [كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار]. وقوله عز وجل [كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها].
الصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرفث، هذا هو الصوم المشروع، لا مجرد إمساك عن الطعام والشراب.
أفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان و ذكر القلب وحده أفضل من ذكر اللسان وحده، لأن ذكر القلب يثمر المعرفة، ويهيج المحبة، ويثير الحياء، ويبعث على المخافة، ويدعو إلى المراقبة، ويزع عن التقصير في الطاعات، والتهاون في المعاصي والسيئات، وذكر اللسان لا يثمر شيئاً من ذلك الإثمار، وإن أثمر شيئاً منها فثمرة ضعيفة.
على قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطرْف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الركاب
تأملت أنفع الدعاء: فإذا هو: سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: إياك نعبد وإياك نستعين.
أفضل العبادات قيل: أنفعها وأفضلها: أشق على النفوس وأصعبها. قالوا: لأنه أبعد الأشياء عن هواها وهو حقيقة التعبد، وقالوا: والأجر على قدر المشقة، ورووا حديثاً لا أصل له (أفضل الأعمال أحمزها) أي أصعبها وأشقها. وقيل: أفضل العبادات التجرد، والزهد في الدنيا، والتقلل منها.
أفضل العبادات:ما فيه نفع متعد، فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر. وقيل: إن أفضل العبادة، العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته
الفرح بالمعصية دليل على شدة الرغبة فيها، والجهل بقدر من عصاه، والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها، وفرحه أشد ضرراً عليه من مواقعتها، والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبداً، ولا يكمل بها فرحه، بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه.
المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور ولا يجوز تأخيرها، ومتى أخرها عصى بالتأخير.
صحة التوبة تتوقف على الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على ترك معاودته
الخلطة والتمني والتعلق بغير الله والشبع والمنام فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب
كثرة النوم يميت القلب ويثقل البدن ويضيع الوقت ويورث كثرة الغفلة والكسل. وأنفع النوم: ما كان عند شدة الحاجة إليه ونوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه وكلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه وكثر ضرره ولا سيما نوم العصر والنوم أول النهار إلا لسهران.
على قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية كما قال النبي: (إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية) وفى رواية (خوفاً) وقال (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً).
مما يعينك على الثبات على الطاعة بعـد رمضان: أن تتفكر وتتدبر في زوال الدنيا، وأنك مهما عشت فإنك ميت، وأنك إلى الله صائر، وإلى الله منقلب، وكما بدأ الشهر وانقضى فإنك بدأت وستنقضي، وكما بدأ وانتهى فإنك بدأت وعن قريب عاجلا أو آجلا تنتهي، فكل شيء إلى فناء، ولا يدوم للعبـد البقاء، إنـا مـن الـدنـيا على طـريــق إما إلى الغساق أو إلى الرحيق من علـم أنه إلى الله صائر هانت عليه الدنيا...
أعظم الربح في الدنيا أن تشغل نفسك كل وقت بما هو أولى بها وأنفع لها في معادها
إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده تحمّل الله سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمه، وفرغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته
قال ابن القيم رحمه الله: " المؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشا وأنعمهم بالا وأشرحهم صدرا وأسرهم قلبا، وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة "
