أصلها ثابت وفرعها في السماء
A
في صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له).
قيل لابن عباس: كيف حصلت على هذا العلم؟ قال: بتوسد ردائي في القيلولة، والريح تسف على وجهي من الرمل ومن وهج الصحراء ثلاثين سنة.
نبي الله موسي عليه السلام ضرب أروع الأمثلة في طلب العلم، وهو نبي معصوم يوحي اليه: (لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً)(الكهف: 60).
طلب(شريك) العلم أربعين سنة، قال: طلبت العلم والله ما كان زادي في اليوم إلا كسرة خبز!.. وحضر في مجلس فيه وزير عباسي قد غاص في الركايا وفي الطنافس، فحدث بحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال الوزير: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ)(المؤمنون: 24)، فقال له شريك ـ وكان سريع البديهة ـ: من اين تسمع بهذا وأنت تأكل الخبيص وتجلس على الطنافس، وتغنيك الجواري؟!. وعرض به أحد خلفاء بني العباس حين قال له: أنت تحب عليا، فأجابه: احبه حتى الدماغ، فقال له: أواه من يوم عليك أظنك زنديق !، فقال شريك: الزنديق له ثلاث علامات، قال: ما هي؟ قال: يترك صلاة الجماعة، ويشرب النبيذ، ويسمع الجواري!، قال: كانك تعرض بي وتلمح!، قال: ما ألمح لكن أقصدك!!.
قال اهل العلم: المجد والسمو في ثلاثة: أن تمرغ وجهك ساجداً لله، وأن تأكل الحلال، وأن تكون سليم الصدر، ثم لا يضرك ما فاتك من الدنيا من دورها وقصورها وذهبها.
قال الشافعي صاحب الهمة العالية: ما كذبت منذ علمت أن الكذب يضر أهله!.. لا كذب في هزل ولا جد، ولا ليل ولا نهار، ويقول وهو يحاسب نفسه: ما حلفت بالله صادقاً ولا كاذباً !..،وكان يعيش على كسرة الخبز وامتلأ بيته باللخاف والجريد والصحف حتى كاد هو وأمه يخرجان خارج البيت.
اسمع الى الوحي يخاطبك بأن ترتفع (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ)(آل عمران: الآية139)، لا يصيبك إحباط ولا يأس ولا فشل، وأنت تسجد لله ومعك القرآن، وقد هديت الى تكبيرة الإحرام، ومعك أخوة صالحون، ومعك دعاة وعلماء، إن الله يحب معالي الأمور.
الإمام مسلم صاحب الصحيح، الذي قدم لنا ميراث محمد عليه الصلاة والسلام، العالم الرباني، بات ليلة كاملة يبحث عن حديث للرسول عليه الصلاة والسلام، ولم ينم، فلما صلي الفجر: آه..آه..آه، ثم مات، فقيل: شهيد الحديث!،
إذا أتى جعفر الطيار بجناحين، ودعى أبوبكر من أبواب الجنة الثمانية: وكلم عبد الله بن عمرو الأنصاري ربه بلا ترجمان، وتوكأ عبد الله بن أنيس على عصاه في الجنة، ودخل بلال قصره.. فبماذا تأتي أنت؟ وماذا أعددت؟ وما بضاعتك؟!:
برقيات عاجلة: حمل الهدهد رسالة التوحيد فتكلم عند سليمان، ونال الأمان، وذكره الرحمن، فخذوا من الهدهد ثلاثة: الأمانة في النقل، وسمو الهمة، وحمل هم الدعوة. قال أبو معاذ الرازي: مسكين من كان الهدهد خيراً منه !!.
برقيات عاجلة: لما عاش الكلب دنيئاً لئيماً ضرب مثلاً للعالم الفاجر الغادر الكافر فاحذروا ثلاثة في الكلب: كفر الجميل وخسة الطباع، ونجاسة الآثار
برقيات عاجلة: ولما تبلد الحمار ضرب مثلاً لمن ترك العمل ولم ينفعه، فاحذروا ثلاثاً في الحمار: البلادة، وسقوط الهمة وقبول الضيم.
برقيات عاجلة:لما هزت العنكبوت وأوهمت بيتها ضربها بيتها مثلاً للهشاشة، فاحذروا في العنكبوت ثلاثاً عدم الإتقان، وضعف البنيان، وهشاشة الأركان.
حذر السلف كثيراً من سقوط الهمّة وقصورها، فقد قال الفاروق عمر رضي الله عنه: (لاتُصُغِّرَنّ همتك، فإني لم أرَ أقْعَدَ بالرجل من سقوط همته).
قيل: (المرء حيث يجعل نفسه، إن رفعها ارتفعت، وإن قصر بها اتّضعت).
الهمّة قسمان: وهيبة، وكسبية: فالوهبيّة هي ما وهبه الله تعالى للعبد من علو الهمّة أو سفولها، ويمكن أن تنمى وتُرعى أو تهمل وتترك، فإن نماها صاحبها وعلا بها صارت كسبية، أي أن صاحب الهمّة كسب درجات عالية لهمته، وزاد من أصل مقدارها الذي وهبه الله تعالى إياه، وإن تركها وأهملها ولم يلتفت إليها خَبَتْ وتضاءلت والهمّة في هذا تشترك مع باقي الصفات العقلية والخلقية كالذكاء وقوة الذاكرة وحسن الخلق وغير ذلك مما هو معلوم بَدَهِيّ.
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (وقد عرفت بالدليل أن الهمّة مولودة مع الآدميّ، وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات، فإذا حُثَّت سارت، ومتى رأيت في نفسك عجزاً فَسَلِ المنعم، أو كسلاً فالجأ إلى الموفِّق، فلن تنال خيراً إلا بطاعته، ولا يفوتك خيرٌ إلا بمعصيته)
مراتب الهمم: الناس متفاوتون في أمرين: الأمر الأول: مطالبهم وأهدافهم. والآخر: الهمم الموصلة إلى هذه المطالب و الأهداف. فمن الناس من يطلب المعالي بلسانه وليس له همة في الوصول إليها، فهذا متمنٍّ مغرور.
من أعظم المغالبات مغالبة النفس لتصبح ذا همة عالية. ومن الناس من لا يطلب إلا سفاسف الأمور ودناياها، وهم فريقان: فريق ذو همة في تحصيل تلك الدنايا، فتجده السبَّاق إلى أماكن اللهو ومغاني الغواني، وفريق لا همة له، فهو معدود من سقط المتاع، وموته وحياته سواء، لا يُفتقد إذا غاب، ولا يُسأل إذا حضر.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه،فأشرف الناس نفساً وأعلاهم همة وأرفعهم قدراً من لذتهم في معرفة الله ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتودد إليه بما يحبه ويرضاه).
قال الشيخ عبدالقادر الجيلاني لغلامه: (ياغلام: لا يكن همك ما تأكل وما تشرب، وما تلبس وما تنكح، وما تسكن وما تجمع، كل هذا همُّ النفس والطبع فأين همُّ القلب، همك ما أهمك فليكن همك ربك عز وجل وما عنده).
