كتاب المحنة ذكر محنة الإمام أحمد بن حنبل
A
قال هلال بن العلاء الرَّقِّي: «مَنَّ الله على هذه الأمَّة بأربعة في زمانهم، بأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، ولولا ذلك لكفر الناس»
قال بِشر بن الحارث: «ما أظنُّ أنَّ حياة أحمد إلَّا أمانًا لأهل الأرض، وخاصَّة أهل بغداد، فإذا مرَّ أحمد استوت الأقدام»
قال سهل بن عبدالله: «كان أحمد بن حنبل سهمًا من سِهام الله، أهلك الله به أهل الزَّيغ والضَّلال»
قال أبو إبراهيم المُزني: «أحمد بن حنبل يوم المحنة: أبو بكر يوم الرِّدة، وعمر يوم السَّقيفة، وعثمان يوم الدَّار، وعلي يوم صفِّين»
قال حنبل: سمعتُ الإمام أحمد وذكر المحنة فقال: «رأيتُ في المنام علي بن عاصم، فأوَّلتها: (علي) علُوًّا، و(عاصم) عصمة من الله، الحمدلله على ذلك»
امتُحِن عبَّاس بن عبدالعظيم، وعلي بن المديني بالبصرة، فأمَّا عبَّاس فأقيم فضُرِب بالسَّوط فأجاب، وأُقْعِد علي فلم يُمتحَن حتَّى ضُرِب عبَّاس وهو يَنظر، فلمَّا رأى ما نزلَ بعبَّاس العنبري وأنَّ عباسًا قد أجاب، أجاب علي عند ذلك، ولم يُنَل بمكروه ولا ضُرِب، وحَذِر لمَّا رأى ما نزل بعبَّاس من الضَّرب. فعَذَرَ الإمام أحمد عبَّاسًا ولم يعذر علي لذلك.
قال حنبل: بلغني أنَّ رجلًا سأل الإمام أحمد: قال له: إن عُرِضْتَ على السَّيف تقول تجيب خلق القرآن؟ فقال له: «لا أجيب»
قال الإمام أحمد وهو يحكي حاله في الفتنة: جاءني رجلٌ فدنا منِّي وسلَّم عليَّ وكلمني بكلامٍ شدَّد به عزمي، ثُمَّ قال لي: يا أحمد وما عليكَ أن تُقتَل من هاهنا وتدخل الجنة من هاهنا. ثم سلَّم وذهب. فجعلتُ أنظر في أثره، حتَّى غاب، فسألتُ عن أمرِه! فقيل لي: رجلٌ من العرب من ربيعة، مسكنه البادية، متخلٍّ عن الدنيا، يعمل الصوف.
ال الإمام أحمد: ما رأيتُ أحدًا على حداثة سِنِّه، وقلَّة عِلمِه، أقومُ بأمرِ الله من محمد بن نوح، وإنِّي لأرجو أن يكون الله قد ختم له بخير، قال لي ذاتَ يوم وأنا معه خِلْوَين: يا أبا عبدالله، اللهَ اللهَ اللهَ، إنك لست مثلي، ولستُ مثلك، إن الله ابتلاني فأجبتُ فلا تقتاس بي، فإنك لستَ مثلي، أنتَ رجلٌ يُقتَدَى بك، وقد مدَّ هذا الخلق أعناقهم إليك، لما يكون منك، فاتقِ الله، واثْبُت لأمرِ الله. فعجبتُ من تقويته لي وموعظته إياي.
قال الإمام أحمد: قال لي إسحاق: يا أحمد إني عليك مشفق، وإنَّ بيننا وبينك حُرمَة، ولئن أنت لم تُجِب الأمير إلى القول بخلق القرآن ليقتُلنَّك، فقلتُ له: «ما عندي في هذا إلا الأمر الأوَّل»
قال الإمام أحمد: مُضِي بي إلى دار أبي إسحاق المعتصم، والأقيادُ عليَّ، وما معي أحد يُمسكني، فظننتُ أنِّي سأَخِرُّ على وجهي إلى الأرض من ثِقَل القيود، وسلَّم الله حتى انتهيت إلى الدار، فأُدخِلت في بيت وأُغْلِق عليَّ، وليس في البيت سِراج، فقمتُ أصلِّي ولا أعرفُ القِبلة، فصلَّيت، فلمَّا أصبحتُ فإذا أنا على القبلة.
قال الإمام أحمد: قال لي ابن أبي دواد -أيَّام المِحنة- في شيءٍ ذكرَه، فقلتُ مُجيبًا له: «فهل معك في هذا كتاب أو سُنَّة؟» فقال: وأنتَ لا تقول إلَّا بما في الكتاب والسُّنة؟! فقلتُ له: «وهل يقومُ الإسلام إلَّا بالكتاب والسُّنة؟! اخترعتَ رأيًا وتأوَّلته تأويلًا تدعو إليه الناس» فأمسَك.
لما وقَعَت محنة خلق القرآن وثبت الإمام أحمد، قال برغوث وشعيب: يا أمير المؤمنين اضرب عنق أحمد، ودمه في أعناقنا !!
قال الإمام أحمد وهو يحكي مناظرته مع المعتزلة في مسألة خلق القرآن: «ولقد احتجوا عليَّ بشيءٍ ما يقَوى قلبي ولا ينطلقُ لساني أن أحكيه، وأنكروا الرُّؤية والآثار، ما ظننتهم على هذا حتَّى سمعتُ مقالاتهم. ولقد جعلَ برغوث يقول لي: الجسمُ وكذا وكذا وكلامًا هو الكفر بالله العظيم»
قال الإمام أحمد بعدما ناظر المعتزلة في مسألة خلق القرآن بحضرة المعتصم: «يا أمير المؤمنين ليس عندهم تمييز لهذا ولا بيان، فعلى ما يدعوني إليه، لا من كتاب الله ولا سنة، وقد نهى النبي ﷺ عن جدال في القرآن وقال: «مِراءٌ في القرآن كُفر» ولستُ صاحبَ مِراء ولا كلام، وإنَّما أنا صاحب آثار وأخبار، فاللهَ اللهَ في أمري، فارجع إلى الله، فوالله لو رأيتُ أمرًا وصحَّ لي وتبينته لصرتُ إليه»
قال الإمام أحمد وهو يحكي ما لاقاه من الأذى أيام المحنة: «ذهبَ عقلي مرارًا، فإذا رُفِع عنِّي الضَّرب رجَعَتْ إليَّ نفسي، وإذا استرخيتُ وسَقَطْتُ رُفِع عني الضَّرب، أصابني ذلك مِرارًا لا أعقل»
قال الإمام أحمد وهو يحكي ما لاقاه من الأذى أيام المحنة: قال لي إنسان ممن كان ثمَّ: إنَّا ألقينا على ظهرك حصيرًا وأكببناك على وجهك، ودُسْنَاك!. وما عقلتُ بهذا كلِّه، وأمَرَ بإطلاقي، فلم أعلم حتَّى أُخرِج القيد من رِجلي
قال حنبل: دخل الإمام أحمد باب الزُّقَّاق وهو منحنِ على الضربة التي كانت قد أجافت، فاحتضنته فوقعت يدي على موضع الضربة، فصاح وآلمه ذلك، ولم أعلم، فنحَّيت يدي، فنزل متوكِّئًا عليَّ.
رمى الإمام أحمد بنفسه على وجهه، لا يقدر يتحرَّك هكذا ولا هكذا إلا بجهد، وخلَع ما كان خُلِع عليه فأمر به فبيع، وأخذ ثمنه فتصدَّق به.
قال الإمام أحمد: قال الله عز وجل: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} فالكره عندي؛ النَّيل بالعذاب والضرب والقيد، فإذا نِيلَ بالعذاب، كان هذا كرهًا. فأمَّا الوعيد؛ فقد قالوا: إنه كَرْهٌ ولا أَرَاهُ كُرهًا حتَّى يُنالَ بالعذاب من ضرب أو قيد.
أخذ المشركون عمار بن ياسر، فأرادوه على الشرك، فأعطاهم، فانتهى إليه النبي ﷺ وهو يبكي، فجعل يمسح الدموع عن عينيه، ويقول: «أخذك المشركون فغطُّوك في الماء، وأمروك أن تشرك بالله، ففعلتَ. فإن أخذوك مرَّة أخرى؛ فافعل ذلك بهم».
جاء رجلٌ إلى الإمام أحمد وقال: يا أبا عبدالله اجعلني في حِل. فقال: «مِمَّاذا؟» قال: كنتُ حاضرًا يوم ضُرِبتَ، وما أعَنتُ ولا تكلَّمتُ إلا أنِّي حضرتُ ذلك. فأطرق أبو عبدالله ثم رفع رأسه إليه، فقال: «أحدِث لله توبة ولا تعُد إلى مثل ذلك الموقف» فقال له: يا أبا عبدالله: أنا تائب إلى الله من السلطان. فقال أبو عبدالله: «فأنتَ في حِل، وكل من ذكرني إلا مبتدعًا»
قال الإمام أحمد: «العفو أفضل، وما ينفعك أن يُعذَّب أخوك المسلم في سببك، ولكن تعفو وتصفح عنه، فيغفر الله لك كما وعدك {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم}»
قال الحسن البصري: «إذا جثت الأمم بين يدي الله رب العالمين يوم القيامة، نودُوا: ليقم من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا»
قال الإمام أحمد: إذا كان يوم القيامة قال الله: «لا يدخل الجنة إلا من عفا» فيقوم أهل العفو فيدخلون الجنة بعفوهم، وما على الرجل أن يعفو عن أخيه، فيعفو الله عنه، ولا يعذِّبُه به.
قال الإمام أحمد: «جعلتُ المعتصم في حِلٍّ مما نالني به من الضرب والحبس والقَيد، لعلَّ الله أن يعفو عنِّي بعفوي»
قال الإمام أحمد: «إن الله عز وجل ناصرٌ دينه، وإن هذا الأمر له ربٌّ ينصرُه، وإن الإسلام عَزيزٌ منيع»
قال حنبل: دامت العلة بالإمام أحمد وضَعُف ضعفًا شديدًا، وكان يواصل، فمكث ثمانية أيام يواصل، لا يأكل ولا يشرب، فلما كان في اليوم الثامن، قال أبي: دخلتُ عليه في اليوم الثامن، وقد كاد يُطفَأ، فقلتُ له: يا أبا عبدالله، ابن الزبير كان يواصل سبعة أيام، وهذا لك اليوم ثمانية أيام. فقال: «إنِّي مطيق» قلتُ: وقد نهى النبي ﷺ عن الوصال. ثم قلتُ له: بحقِّي عليك. فقال: «إذ تحلف بحقك، فإنِّي أفعل» فأتيته بسويق، فشَرِب.
لما بلغ أُمَّ المتوكل خبر الإمام أحمد قالت لابنها: أشتهي أن أرى هذا الرجل -تعني: أحمد- فأجابها ابنها لذلك، فلما رأته قالت له أمُّه: يا بُنَيَّ، اللهَ اللهَ في هذا الرَّجل، فليس هذا ممن يريد ما عندكم، فليذهب إلى منزله ولا تحبسه عندك.
اعتَلَّ الإمام أحمد يوم الأربعاء من شهر ربيع الأوَّل سنة إحدى وأربعين ومائتين، فلم يزل في علته إلى يوم الجمعة وهو اليوم العاشر من مرضه وفيه توفِّي.
- قال حنبل: دخلتُ على الإمام أحمد في يومه الذي تُوفِّي فيه فرأيتُه يشير بيده، يرفعها كما يرفع في الصَّلاة، يرفع ثم يرفع، فعلمتُ أنه يُصلِّي بغير ركوع ولا سجود، فلما أضحى النَّهار قُبِض.
